عادل الأسطة - أحمد دحبور: في التلقي النقدي

على الرغم من أن دارسين كثرا يقرون بشاعرية أحمد دحبور إلا أنه لم يحظ بدراسات تليق بشاعريته ، وإذا ما قارن المرء ما أنجز عنه من دراسات بما أنجز عن مجايليه مثل محمود درويش وسميح القاسم وعز الدين المناصرة ومريد البرغوثي، فإن المرء يلحظ فارقا واضحا يدفعه إلى التساؤل عن السبب أو الأسباب ، وإلى الإقرار بأن النقاد والدارسين قد ظلموا الشاعر .وفي بعض الدراسات والمقالات التي أنجزت عن الشاعر واشعاره ، في حياته ومماته ، آراء حول تلقي الشاعر نقديا ،بعضها يأتي على السبب.
وتبدو هذه الآراء في مقال للناقد العراقي علي جعفر العلاق ، فهذا يرى أن الشاعر لم يكن يحرص على الرافعة الإعلامية: "كانت الموهبة وحدها لا تكفي في ربوعنا العربية ،لا بد من شللية منافقة ،لا بد من قبيلة محاربة ، ولا بد من أكف يدميها تصفيق قد لا يخرج من القلب كله. " يكتب العلاق ويتابع: "من المؤكد أن أحمد دحبور لم يعش تجربة النجومية التي عاشها غيره دون وجه حق أحيانا ، إلا أنه قدم براهينه الكاملة ، تناغم شعري وانساني قل نظيره ، في مشهد لا يخلو من الشعوذات الشعرية والمهرجين. ".
الشاعرية وحدها لا تكفي ، وتواضع شخص الشاعر لا يوصل شعره ، فلا بد من شللية ولا بد من رافعة إعلامية ، وأشهد أن الشاعر لم يستغل يوما منصبه في وزارة الثقافة ليطلب من النقاد أن يكتبوا عنه مقابل طباعة كتاب لهم أو مقابل أن يكتب هو عن كتبهم. كما لو أنه اكتفى بما كان يحققه له مقاله الأسبوعي، كل يوم أربعاء في جريدة الحياة الجديدة ، من شهرة وانتشار ،مقاله الذي كان القراء ينتظرونه بصبر.
في دراسة للناقد ابراهيم خليل عنوانها: "فاعلية التناص ومراوغة السائد في لغة القصيدة "(2013 ) أعاد نشرها في كتابه "حاضر الشعر وتحولات القصيدة " ( 2015 ) يشير خليل إلى قلة الدراسات عن شعر أحمد دحبور "على الرغم من وفرة أشعاره ، وغزارة آثاره "، ولم يكتف الناقد بالكتابة عن قلة الدراسات فقد لجأ إلى إصدار حكم عليها فقسم منها "لا يؤبه له ولا يعتد به " ولاحظ الناقد أن أشعار الشاعر درست في دراسات تناولت الشعر الفلسطيني "سواء في زاوية الجماليات ، أو في المقاومة ، أو الاستشهاد ، أو التناص الديني ، والأدبي ،و الأسطوري ، وما إلى ذلك من لفتات اضطر إليها الدارسون بحكم الشمول الذي تتسم به دراساتهم.......و إزاء هذا الوضع هو أقرب إلى التعتيم والإهمال " ويرى الناقد أن أحمد دحبور يستحق الالتفات إليه مجددا "لا سيما وأنه حظي في الشهر الفائت من العام الجاري 2012 بوسام الاستحقاق من الإدارة الفلسطينية برام الله ".
ما لاحظه ابراهيم خليل لاحظته الدارسة فاتنة محمد حسين في بحثها " المرجعيات الموروثة في الشعر الفلسطيني الحديث: أحمد دحبور نموذجا "( موقع مجلة حروف، مؤسسة السياب ،لندن- تاريخ المشاهدة 22/6/2017 ) .كتبت فاتنة: "انطلاقا من هذه الرؤية تحاول هذه الورقة البحثية إماطة اللثام عن بعض المرجعيات الموروثة التي استندت القصيدة العربية في فلسطين إلى كثير من معطياتها ،من خلال الوقوف عند أحمد دحبور وهو واحد من شعرائها البارزين الذين لم يكن لشعرهم نصيب وافر من الدراسات النقدية".
وفي أثناء البحث عن دراسات تناولت الشاعر وأشعاره عثرت على رسالتي ماجستير أنجزتا عن صلة شعره بالتراث ؛ واحدة أنجزتها بنان صلاح الدين ( 2003 ) والثانية أنجزتها ديانا شطناوي (2005 ) ، ولعل أكثر ما كتب عن شعر الشاعر تمحور حول هذا الجانب- أعني صلة شعره بالتراث.
كان محمد حور أول من كتب دراسة عن "ثقافة أحمد دحبور من شعره " (1998 ) "فلسطين في شعر الجواهري و قراءات في الأدب الحديث " (ص127- ص189 ) وتخلو قائمة مراجعها من أية دراسة عن شعر الشاعر ، ما يعني أنها تعد من أوائل الدراسات التي كتبت ، وما يعني أنها شكلت مدخلا لرسالتي الماجستير والدراسات اللاحقة التي ركزت على تأثر الشاعر بالموروث.
وأكثر الدراسات التي كتبت لاحقا تخوض في الجانب نفسه ، وهي تقارب صلة دحبور بالتراث ، وإن كتبت تحت عناوين مختلفة ربما للتضليل- أي للقول إنها تخوض في جانب من شعر دحبور لم يخض فيه من قبل.
الدراسات التي توفرت لي هي دراسة محمد حور ودراسة ابراهيم خليل ودراسة عمر عتيق " نبض السيرة الذاتية في شعر أحمد دحبور وتقنية التناص " (2013 موسوعة أبحاث ودراسات في الأدب الفلسطيني الحديث ،الأدب الفلسطيني في الضفة والقطاع والشتات ، الكتاب الثالث ، ص53 -ص90 ) ودراسة محمد مصطفى كلاب وأسامة عزت أبو سلطان "تجليات التناص في شعر أحمد دحبور " ( 2015 مجلة الجامعة الاسلامية للبحوث الإنسانية/ غزة ص1- ص22 ) ودراسة فاتنة محمد حسين (2016 ) وأخيرا دراسة نادر قاسم "جدلية العلاقة بين الشاعر والموروث الشعري- الصوت والصدى: أحمد دحبور نموذجا " ( 2016، مجلة رؤية فكرية والدراسة مجازة ولما تنشر).
وكما أشرت إنها دراسات تتشابه في الموضوع وإن اختلفت جزئيا في المعالجة ،حسب فهم الدارس لمصطلح التناص أو حسب تركيزه على عمل أكثر من تركيز دارس آخر عليه، وبعض هذه الدراسات تكرار لسابقاتها ولا جديد فيها إلا في اختلاف العنوان تقريبا.
وبعد
ماذا يضيف كتابي هذا؟
يضم هذا الكتاب دراسات ومقالات أنجزت خلال 20 عاما بالتمام والكمال ،نشر قسم منها في العام 1997 وأنا أدرس الأدب الذي أنجز بعد اتفاقية أوسلو وكان لأشعار أحمد دحبور نصيب من الدراسات ،ثم حللت بعض قصائد الشاعر التي عبرت عن خيبته نتيجة لقائه بمدن فلسطين المحتلة في 1948 ، وتوقفت أمام بناء القصيدة في أشعار الشاعر التي انقطعت عنها 17 عاما ، وكنت زرت الشاعر بعد العام 2011 غير زيارة وحاورته غير حوار ودونت انطباعات عن الزيارة والحوار نشرتها على صفحات الفيس بوك ،ولما ارتقى الشاعر وجدتني أعيد قراءته من جديد ،بل وأعيد قراءة ما كتب عنه وما كتبه هو عن تجربته وسيرته وقرأت أيضا المقابلات التي أجريت معه ووجدتني أكتب سلسلة مقالات بطريقة شبه منهجية لتصدر في كتاب.
يتكون الكتاب من خمسة أقسام ،يضم الأول الدراسات والمقالات التي كتبت في 1997 و2000 وبعض المقالات التي كتبت حديثا وهي تتمحور حول صدمة العودة إثر اتفاقات أوسلو وشعور الشاعر بالخيبة مما أنجز ، ويتكون القسم الثاني من مقالات ترسم صورة شخصية للشاعر وعائلته من خلال قصائده ، ويضم القسم الثالث كتابات تبرز علاقة الخاص بالعام في سيرة الشاعر الشعرية ، وخصصت القسم الرابع لمقالات عالجت جوانب فنية ، وأما القسم الخامس فهو يتكون من انطباعات عن زيارة قمت بها إلى الشاعر في أثناء مرضه حاورته فيها عن الشعر والشعراء والأدب وسيرته الشعرية وما شابه.
هل سيعد هذا الكتاب مدخلا لانصاف الشاعر؟
لعلها بادرة وخطوة للفت الانتباه إلى شاعرية شاعر عاش في زمن الشاعر محمود درويش الذي طغى على غيره.لعل!!!

ا.د.عادل الاسطة
1/7/2017


* Adel Al-osta

هذا النص

ملف
عادل الأسطة
المشاهدات
50
آخر تحديث

نصوص في : مقالة

أعلى