الفرفار العياشي - مفهوم الديموقراطية في اللحظة التأسيسية التجربة اليونانية

مع الاخذ بفكرة انه لا توجد مفاهيم جاهزة و محايدة و ان كل مفهوم فهو مفهوم سياقي , له سياقاته الخاصة التي تحدد دلالاته و معانيه و شبكة علاقاته , فكل مفهوم يتلون تبعا للسياق الذي انتج فيه . مفهوم الديموقراطية لا يخرج عن هذا السياق و لا يشكل استثناء . و انما هو مفهوم تاريخي له سياق خاص وظروف نشاة خاصة .
ديفيد هيل في مؤلفه المهم و المتميز نماذج الديموقراطية يعتبر ان تاريخ فكرة الديموقراطية غريب , و تاريخ الديموقراطيات محير [SUP][1][/SUP] .
المؤلف اشار الى الديموقرطيات بصيغة الجمع و انه لا يوجد نمط ديموقراطي واحد قابل للتعميم و التنفيذ بغض النظر عن الخصوصيات , و انما كان الحديث بصيغة التعدد و الجمع , مع الاشارة الى المشترك و الاساسي في أي نظام ديموقراطي يتم تحديد خصوصياته من خلال العودة الى الاصول و البدايات المفترضة من اجل تلمس خصوصية الفعل و طبيعته . الفهم يستدعي العودة الى تجربة اليونانية باعتبارها كفعل نشأة و تأسيس من خلال حلقات الاكورا بالساحات العمومية , و التي اصبحت ساحات مفتوحة امام المواطن العادي لمناقشة القضايا العامة و المشتركة , و بالتالي تجاوز تجربة التسيير البلاطي حين كان الفعل السياسي و التدبيري لشؤون المدينة / الدولة يحاط بأعلى اشكال السرية والكتمان . حيت كانت السياسة تمارس داخل الاسوار و دال بلاط الحكام و الملوك باعتبارهم ممثلي الاهة على الارض .
النظام الديموقراطي في التجربة اليونانية على الاقل سمح بميلاد المواطن الفاعل و انحسار نفوذ سلطة الاسطورة و الدين و الحديث باسم الالهة , انها نظام سمح للانسان البسيط كي يتكلم و يناقش و يجادل داخل حلقات الاكورا , ومن ثم له الحق ان ينتخب او ينتخب . ان الديموقراطية في التجربة اليونانية كلحظة ولادة شكلت طريقا للسلطة , ومنحت فرصة للشعب كي يختار من يحكمه و يحاسب من يحكمه انها نظام وضع للشعب و من اجل الشعب .
فالتجربة اليونانية في تصورها للنظام الديموقراطي كانت ملتزمة بمبدأ الفضيلة المدنية, و بالولاء لقيم المدينة و احترامها و حتى التضحية في سبيلها , هنا يمكن التوقف على رمزية وفاة سقراط والذي حكم عليه بالاعدام رغم قيمة وصوابية افكاره الداعية الى عدم الزج بالشباب الى الموت المجاني عبر حروب لا يستفيد منها الا تجار الحروب فكانت تهمته افساد عقول الشباب و تحقير الالهة .
رغم نجاح تلاميذ سقراط في اغراء حارس السجن كي يفر سقراط من السجن و من الإعدام رفض بدعوى الخضوع لسلطة المدينة حتى لو كانت ظالمة , لقد شكل نموذجا و مثالا للإنسان الديموقراطي المزعج و الذي ينتقد و يسال و يساءل كل القرارات التي تخص الفضاء العمومي و الشان العمومي , سقراط ليس مجرد خليقة هادئة وجدت من اجل التسليم و انها هو مؤشر على ميلاد مواطن جديد داخل المدينة و الدولة اليونانية قادر على ان يكون حاضرا حتى لو كان حضوره المزعج سببا في غيابه , وهو ما كان يدركه سقراط جيدا انه سيعدم نتيجة جراءته و شجاعته لتكسير الصمت و اعلان مرحلة جديدة يكون فيها للمواطن موقف و راي حول م يجري بالفضاء العام و حول ما يرتبط بالمشترك العام ؟؟
التجربة السياسية اليونانية في لحظاتها التأسيسية جعلت الفعل السياسي فعلا مدنيا , ذلك انه لا يمكن اكتساب صفة الذات الانسانية الا عبر ممارسة الفعل السياسي كفعل مواطن و فق رؤية ارسطو ان الانسان حيوان سياسي , ولذلك فطبيعة الانسان لا يمكن ان تكتمل الا من خلال انتمائه للمجتمع، ولذلك فالطبيعة هي غاية كل الأشياء والكائنات. وقد اعتبر ارسطو ان
الانسان هو حيوان سياسي ومدني بطبعه لا يستطيع ان يعيش خارج المجتمع، فالانسان بدون انتماء سياسي اما انه كائن لم يصل بعد الى مرتبة الانسان، اوكائن يسمو على الانسان.
الطبيعة لا تفعل أي شيء عبثًا و فق ارسطو , لذا فالطبيعة البشرية هي طبيعة سياسية أي ان السياسة شرط لكي يصبح الانسان انسانا , في غيابها يكون اقل من انسان او اكبر من انسان .
ان تكون الديموقراطية طريقا لكي يتكلم الشعب و يحكم من شانه ان يقود الى منزلقات خطيرة و فق تصورات افلاطون و الذي اعتبر ان النظام الديموقراطي سيمنح فرصة للعبيد و الجهلاء و النساء و الجنود و الفلاحين كي يقرصنوا سلطة الحكم و من ثم تسود الفوضى ويعم الخراب .
التجربة التأسيسية للنظام الديموقراطي رسخت ان مبدا اساسيا ان الديموقراطية عبارة عن سلوك مدني لا يمكن ان يتحقق خارج تجربة العيش المشترك و خارج الفضيلة المدنية كتجربة مدنية .
التجربة اليونانية في تأسيسها للنظام الديموقراطي تعتبر ان الفعل السياسي لا يمكن ان يتحقق الا داخل تجربة المدينة , و من خلال سلوكات مواطنة لمواطني المدينة الخاضعين للقانون بشكل طوعي, و هو ما يسمح بجعل الفضيلة المدنية اساس بناء الفعل الديموقراطي يبق الاختلاف حول معايير من يحكم و من يصوت , هو اختلاف فكري سياسي بين الارستقراطية المالكة للفكر و طبقة التجار الراغبة في حماية مصالحها عبر فعل السلطة من خلال تجارب السوفسطائيين و تصوراتهم .
ولذا اعتبر افلاطون ان النظام الديموقراطي هو فعل اختيار لكن ليس على قاعدة عددية وكمية و لكن على قاعدة كيفية , من يحكم ليس من حاز على اكبر عدد من الاصوات داخل صناديق التصويت او داخل حلقات الاكورا و فق تصورات السوفسطائيين الداعين الى اعتبار الحقيقة نسبية , و ان لكل شخص حقيقته الخاصة , و ان تجميع الحقائق النسبيبة يقود الى بناء حقيقة عامة و كلية مما يجعل للحقيقة بعدا كميا و عدديا , عكس التوجه الافلاطوني و الذي اعتبر ان من يملك الحقيقة المطلقة وهو من يحق له الحكم , لذا فالديموقراطية هي حكم افضل الرجال و اعقلهم , لو منحنا الفرصة للعبيد ان يحكموا سنصل الى اللامكان حسب رؤية افلاطون .
بين رؤية افلاطون الداعية الى اعتبار الديموقراطية كنظام يمنح السلطة للعقلاء و افضل الرجال , أي الاحتكام الى الحقيقة الكيفية باعتبارها حقيقة واحدة و مطلقة , لا تتغير لا يمكلها الا العقلاء و الفلاسفة او على الاقل من يعرفون الطريق اليها , وبين السوفسطائئن الداعين الى جعل السلطة مفتوحة امام الجميع عبر امتلاك حقيقة كمية يساهم في بناءها الجميع عن طريق فعل التصويت .
بين الحقيقة المطلقة و الحقيقة النسبية و العددية يؤسس ارسطو لنموذج ثالث للديموقراطية باعتبارها نظام للوسطية و الاعتدال عبر فكرة التناوب , حين اعتبر ان الديموقراطية ان تكون محكوما بالتناوب [2] .

يعتبر ارسطو أن أحسن الدول نظاماً هي التي تكون الطبقات الوسطى فيها أكبر عدداً وأعظم قوة من الأغنياء أو الفقراء , ممايقود الى اعتبار الفعل السياسي هو فعل اعتدال و وسطية و ان من يحكم ليسوا الفلاسفة و العقلاء المالكين للحقيقة و ليسوا العبيد و التجار الباحثين عن اللذات و اشباع الرغبات و لكن يتحقق الانسجام الاجتماعي حين تقود الطبقة الوسطى شؤون البلاد , وهو مما اسماه بالوسط الذهبي . في حالة غباب الطبقة لوسطى و او قل عدد افرادها الطبقة التي تفوقها في العدد، سواء أكانت طبقة الأغنياء أم طبقة الفقراء، وتولت بنفسها تصريف الشؤون العامة ..، وإذا ما سيطر الأغنياء على الفقراء، أو الفقراء على الأغنياء؛ لم تستطع هذه الطبقة أو تلك أن تقيم دولة حرة[3]."
واعتبر ارسطو ان بناء الدولة المنسجمة رهين بالحفاظ على التوازنات الهشة داخل المجتع و بتنظيم مصالحه ورهاناته من خلال اسناد الحكم لطبقة الوسطى فهو يعتبر أن أحسن الدول نظاماً هي التي تكون الطبقات الوسطى فيها أكبر عدداً وأعظم قوة من الأغنياء أو الفقراء .. وفي جميع الحالات التي قل فيها عدد أفراد الطبقة الوسطى عن الحد الواجب تغلبت عليها الطبقة التي تفوقها في العدد، سواء أكانت طبقة الأغنياء أم طبقة الفقراء، وتولت بنفسها تصريف الشؤون العامة ..، وإذا ما سيطر الأغنياء على الفقراء، أو الفقراء على الأغنياء؛ لم تستطع هذه الطبقة أو تلك أن تقيم دولة حرة.."
فانتقاد افلاطون للديموقراطي كان محكموما بسياق تاريخي خاص مرتبط بنتائج الحرب البيلوبو نيزية و التي انهزمت فيها اثينا وحل الخراب و عم الهلاك و انتشرت الفوضى و كذا اعدام استاذه سقراط .
هذين الحدثين كان لهما تاثير واضح في بلورة تصور معادي للنظام الديموقراطي و بالتالي الدعوة الى جعل الحكم في يد فئة قليلة عالمة و مفكرة بدل تشتيته على باقي الجموع مما يعني ضياع مسؤولية الحفاظ على لنظام .
فالنظام الديموقراطي في نظر افلاطون هو نظام يكون كل فرد حر ان يفعل ما يريد وهو ما يقود الى اللانظام و الفوضى .
و يمكن التوقف على عيوب الديموقراطية في التأصيل الافلاطوني من خلال قصة السفينة و الربان الواردة في كتاب الجمهورية حيت يماثل بين الحكومة التي تقود الشعب , و بين ربان سفينة يقود سفينة وسط البحار , المشكلة تظهر اذا اصيب الربان ببعض العيوب العمى او الصمم مما يفقده القدرة على القيادة , بعدها يبدأ تنافس بين ركاب السفينة من يتولى القيادة نيابة عن الربان العاجز . معتبرين ان قيادة السفينة مجرد لعب و لهو وتجارة ولم يدركوا ان الربان الحقيقي عليه ان يكون عالما باحوال النجوم و بفصول السنة حركة النجوم و الرياح و بجميع الموضوعات التي لها علاقة بالبحر .
افلاطون عبر حكايته الطويلة و الرمزية يترافع ان قيادة الشعب و الحكم هو علم ينبغي ان يبق من اختصاص من لهم خبرة و علم ودراية , فالحاكم ينبغي ان يكون شبيها بالربان يجيد القيادة وسط العواصف

[1] دفيد هيل : نمتذج الديموقراطية الجزء الاول و الثاني ترجمة فاضل جتكر معهد الدراسات الاستراتيجيةالطبعة الاولى بغداد 2006 ص 11
[2] دفيد هيل : نمتذج الديموقراطية الجزء الاول و الثاني ترجمة فاضل جتكر معهد الدراسات الاستراتيجيةالطبعة الاولى بغداد 2006 ص 29
[3] قصة الحضارة . ويل ديورانت . المجلد الثانى . حياة اليونان ص2591

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى