عادل الاسطة - وأخيرا تزور يافا..

منذ فترة طويلة وأنا أفكر في إنجاز كتاب عن المدن الفلسطينية التي لها حضور في ذاكرتي الشخصية والأدبية ، المدن التي زرتها قبل العام 1987 ثم انقطعت عن زيارتها ثلاثين عاما تقل قليلا أو تزيد قليلا : القدس وعكا وحيفا ويافا وغزة تحديدا .
تمكنت من زيارة القدس وعكا وحيفا ولم أفلح في زيارة يافا وغزة .
في العام 2000 عقد قسم اللغة العربية في
الجامعة الإسلامية في غزة مؤتمرا علميا أردت المشاركة فيه ولكن السلطات الإسرائيلية لم توافق على منحي تصريحا بحجة أنني " محروق " . هكذا جاء الرد .
سافر زملائي ولم أسافر ولم أر غزة التي زرتها مرات عديدة بعد هزيمة حزيران 1967 .
يافا المدينة التي ولد فيها أبي ، وهي مدينته ومدينة آبائه وأجداده ، ظلت زيارتها حلما يراودني ، وآخر مرة زرتها كانت في العام 1987.
منذ أيلول 1987 لم أر يافا ، وكلما فكرت في زيارتها أشكل الأمر وصعب حتى زرتها أخيرا في ثالث أيام عيد الفطر السعيد في السابع من حزيران 2019 .
اثنان وثلاثون عاما تنقضي ولا أرى مدينة الآباء والأجداد وهي على مرمى العصا . كما لو أنني ابن عاق ل " أم الغريب " التي طالما استقبلت قبل 1948 الغرباء واحتضنتهم ، حتى أنها كانت تبصر بدايات ولادة المشروع الصهيوني دون أن ترى فيه خطرا يهدد وجودها .
مرة كنت أشاهد لقاء بثته فضائية الجزيرة مع شفيق الحوت روى فيه أن أمه سخرت منه حين أخبرها عن الخطر القادم من اليهود ، ولم تصدق ما قاله لها إلا حين رأت جثة أحد أبنائها في 1948 مقتولا على أيدي العصابات الصهيونية .
وأخيرا زرت يافا !
في ثالث أيام العيد زرت القدس لأعيد على أختي .
بعد أن اجتزنا معبر قلندية أخذت أصغي إلى أصحاب الحافلات ينادون :
- يافا. البحر . يافا. البحر .
سألت السائق عن الأجرة وعن الأيام التي تتوفر فيها الباصات هنا على المعبر ، و عن مكان وقوفها في القدس .
لطالما كتبت عن يافا مستعينا بما أقرأ في النصوص الأدبية أو بما أشاهد من أفلام قصيرة أو لقاءات وحوارات عابرة مع أبنائها الباقين فيها يتحسرون على ماضيها ، ونادرا ما أفلحت في استحضارها مما بقي عالقا في ذاكرتي من زيارتي لها قبل العام 1987 .
الصورة التي تشكلت عن المدينة من خلال النصوص الأدبية لم تكن مشرقة دائما ، وقصيدة محمد مهدي الجواهري لم أتمثلها تمثلا جيدا . لقد رسخ ، في الذاكرة أكثر ، نصان كتبهما راشد حسين وسميح القاسم وأظهرا للمدينة صورة قاتمة تطابقت إلى حد ما وما شاهدته بعد 1967 ، وغالبا ما كتبت عن هذين النصين .
كان زوج أختي يقترح علي أن أزوره ليصطحبني إلى يافا ، وغالبا ما كنت أجيب بالإيجاب ولا أبادر .
في القدس في الرابعة عصرا سرنا إلى يافا وكنت أمعن النظر في جانبي الطريق ؛ الأحراش والقرى العربية ومكان استشهاد عبد القادر الحسيني /القسطل ومخلفات حرب 1948 من الآليات الحربية الإسرائيلية التي شاركت في المعارك . كانت هذه المخلفات في وسط الشارع الرئيس ثم ركنت ، بعد توسيعه ، إلى الجانبين .
عندما زرت يافا في 1967 أو 1968 لفتت عمارة شالوم النظر ، فقد كان عدد طوابقها يربو على السبعين ، والآن وأنت في تل أبيب ترى عشرات العمارات ذات الطوابق المرتفعة .
وأنت في يافا الآن ترى الساعة مازالت قائمة وترى فرن "أبو العافية "في مكانه .
وأنا قرب الشاطيء على الرصيف تفقدت الميناء .هل خانتني الذاكرة أم خانني النظر .لم أر الميناء ولم أر الحرش وكأنني افتقدت التلة المقابلة . أخيرا عثرت على التلة ولكنني لم أعثر على الميناء والحرش . كاد الأمر يلتبس علي بخصوص التلة ثم أدركت أن المباني الجديدة التي أقيمت هي ما جعل الصورة مشوشة .
حين كنت أزور يافا قبل 1987 لم يكن يدفعني إلى زيارتها الوعي بالمكان ؛ ما كان عليه وما صار إليه ، على الرغم من أن هذه الفكرة محورية في رواية غسان كنفاني "عائد إلى حيفا " . ما كان يلح علي في حينه هو رؤية مدينة الآباء والأجداد التي طردوا منها وبسبب فقدانها صاروا لاجئين وولدت في مخيم لاجئا يعاني صحيا ونفسيا واجتماعيا وانسانيا .
في هذه السنوات أصبحت أزور مدننا محملا بأبعاد معرفية وبتجربة مرة وبنظرة شمولية ترى في فلسطين شقيها ؛ المنفى والاحتلال ، وتدرك ما معنى هذا القدر من الشقاء والمعاناة لسبعة ملايين لاجيء وستة ملايين محاصر ، وتنظر إلى الماضي بعين الحاضر والحاضر بعين الماضي ، وتردد عبارة " ما متع غني إلا بما جاع به فقير " على النحو الآتي :" ما متع يهودي إلا بما تعذب به فلسطيني " .
في أثناء تجوالي في المباني المحيطة بالساعة وشاطيء البحر رأيت مباني لم أقترب منها من قبل ، مع أنها كانت موجودة وقائمة من العهد العثماني . في هذه المباني كان يقيم القناصل الأوروبيون ويتحكمون في المدينة ويخططون لمستقبلها وما ستصير إليه . الآن هذه المباني غدت محلات لبيع بعض تحف أو أشبه بمطاعم ، وغدت ساحتها خضراء يأتي إليها العرسان لتبادل الخواتم أو غدت مكانا لعرض مسرحية أو لعزف قطعة موسيقية .
المقاعد متوفرة بكثرة ليجلس عليها السائحون أو أبناء المدينة لينظروا إلى البحر .
في ساحة هذه المباني العلوية نافورة ماء تسمى بركة الحظ . ما عليك إلا أن ترمي قطع النقود وتتمنى . هكذا تقول الأسطورة ، ولما كنت أملك شيكلا واحدا فائضا فقد آمنت بالأسطورة وألقيت به فيها وتمنيت ما تمناه الفلسطينيون منذ 1948 ، وتحديدا في فترات ارتكاب المجازر بحقهم ، ولم يتحقق . ضحيت بالشيكل وتمنيت مؤمنا بما تقوله الأسطورة التي عادة ما لا آؤمن بها .
وسألني ابن أختي عما تمنيت .
لن أكتب الأمنية بالحروف نفسها ولكني أقول : تمنيت أن يعيد الله إلى فلسطين سبعة ملايين لاجيء فلسطيني وأن يعيد معهم أبي وأعمامي وجدي وجدتي الأموات .
شاطيء يافا في حزيران ، حيث الحر والرطوبة ، مكتظ بالعرب واليهود ، والملابس غالبا ما تفصح عن هوية كل طرف . هنا يجتمع الشرق المحافظ والغرب المتحرر ، وكل يتصرف بما يؤمن به .
في السادسة مساء تقريبا كان ثمة سائق ينادي :
- بيت لحم . الخليل .بيت لحم. الخليل .
تركت الشاطيء وسرت باتجاه فرن "أبو العافية " وسألت عن أبناء ابنة عم أمي نجاح ؛ سألت عن أحمد وخميس ، فاسماهما عالقان في الذاكرة ، أما أمهما التي أعرفها جيدا فقد توفيت منذ ست سنوات كما أخبرني حفيدها المحاسب . قال لي إن أحمد وخميس مسافران ، وأصر على أن يضيفني بعد أن عرفته بنفسي .
واصلت السير في الشارع الذي كان يضم بنايات قديمة أقيمت فوقها مبان جديدة ، واستبد بي الفضول لمعرفة اسم الشارع ، وحين لم يجبنا بعض العرب ، لأنهم كانوا زوارا لا يعرفون ، فقد سألت شابا يهوديا بدا متدينا يقف على مدخل بناية أشبه بقاعة احتفالات .
- اسلخاه ، ما شم هرحوب هزي ؟
- رحوب يافو .
أجابني وواصلت سيري .
كان الشارع هادئا فحركة المواصلات ، مشاة وسيارات ، كانت خفيفة ضعيفة ويبدو أنها أسبتت واحتاجت إلى " كافر سبت " .
عندما كان أبي على قيد الحياة كنت أعرف منه عن حياته وبيتهم في المدينة . عرفت أنهم كانوا يقيمون في البلدة القديمة ، ثم بنوا بيتا جديدا في حي النزهة ، والغريب أنني لم أطلب منه قبل 1987 أن يصطحبني إليه .كان يزوره بحكم عمله سائقا في شركة باصات ( ايغد ) ويتحدث العبرية مع الذين أقاموا في البيت بعد 1948 ، وفي آخر زيارة له ، كما أخبرني ، لم يجد البيت .لقد رأى كازية بنزين ، والآن حين اسأل عن بيت جدي هناك أقول :
- في حي النزهة حيث توجد " طرمبة " بنزين . ولا أعرف ما ألم بكوشان البيت الذي ظل أصغر أعمامي يحتفظ به ، ولا أعرف ما ألم بمفتاح الدار .
من سنوات قرأت مقطعا شعريا يقول صاحبه :
-" عبثا نحتفظ بمفاتيح الدار ،
فقد غيروا الأبواب " .
وفيما يخص بيتنا فلم يغيروا الأبواب وحسب . لقد هدموا البيت كله ؛ البيت الذي بناه جداي من وراء فرش الكعك .
كانت جدتي تصحو فجرا وتعجن العجين وتصنع الكعك ليبيعه جدي على طلبة المدارس . ولا أدري إن كان جدي في يافا مسحرا ، ومؤخرا عرفت أنه أول مسحر في مخيم عسكر القديم .
كان المساء يحل وعبثا نجحت في الاهتداء إلى حي النزهة ، وكان زوج أختي على عجل لمغادرة المدينة حتى يتلافى أزمة مرور إن كانت هناك أزمة .
في يافا سألني ابن أختي :
- ماذا ستكنب ؟
فأجبته :
- لم أر المدينة بعد . الكتابة تتطلب أن أعود إلى يافا واتحسسها بيتا بيتا وشارعا شارعا ، وأن أجلس في مقاهيها وأصغي إلى أهلها .
هل زرت يافا أم أنني كنت عابرا في الوجوه العابرة ؟
منذ تلك الزيارة وعنوان قصيدة محمود درويش في رثاء "أبو علي إياد " يلح علي " عائد إلى يافا " ويلح علي أكثر سطر شعري له " ويافا حقائب منسية في قطار " .
عبثا احتفظ عمي بالكوشان ، فلقد هدموا البيت كله .
لا بد من زيارات أخرى .

الجمعة 14 حزيران 2019

هذا النص

ملف
عادل الأسطة
المشاهدات
46
آخر تحديث

نصوص في : مقالة

أعلى