ناصر الجاسم - قارع الطبل وطائر الليل.. قصة قصيرة

الحر يسلخ الشحوم من الأجسام والراقصون يدكّون الأرض بأقدامهم.. الجيوب مفتوحة وأنوار العرس و العرق يسحّان على الثياب وعلى ساحة الرقص.. أعقلة تضحك وأخرى تتقافز على الجماجم المنتشية.. شابان متلاحمان بسيفيهما يعرضان رقصة الحرب بزيهما العسكري.. الشاعر الكبير عبد الله الناشي شاعر القرية المجدد ينشد والمسبحة السوداء تدور خرزاتها بإبهامه:

يالله يالمطلــــــوب عـــــــــنا
منشي مخاييل الســـحـــاب
حنا هل العــــادات حــــــــنا
عند الشدايد ما نهــــــاب
ومنهو حاربنا ما تهــنـى
لا عاد ولد اللاش خــــاب
والضيف لمن جا وطنـــا
يعيش مرفوع الجــــناب

شاعران من الدرجة الثانية يلقن كل منهما صف الراقصين الذي يقابله كل بيت شعر قاله الشاعر الكبير . .
يبدأ التلقين بشاعر اليمين و ينتهي بشاعر اليسار في تناوب رائع.. قارع الطبل هتمي يدور في الساحة بطبله و يضربه بماسورة تمديدات كهربائية برتقالية اللون بانفعال بالغ مغمضًا عينيه في شبه غيبوبة عمن حوله.. النشوة تسكره والخبرة تميزه عن الآخرين وتقدمه عليهم..
خمسون سنة وهو قارع الطبل الأمثل بالقرية.. لا أحد يجرؤ على حمل الطبل و هو موجود.. الفرصة السانحة إذا مرض أو غاب و نادراً ما يغيب أما إذا مرض تحامل على نفسه و أمسك بالطبل..
التائقون إلى وراثته في قرع الطبل يؤثرون الفرجة عليه ليتعلموا منه على الالتحام بأي من الصفين..
لم يكن هتمي راضياً عن أداء الراقصين السريع فهو يشبههم براقصي الديسكو.. حاول كثيراً طردهم من العرضة لكنهم فرضوا أنفسهم عليها.. كانت أكتاف الراقصين تروح وتجيء كبحر يمد و يجزر في آن واحد.. يسقط هتمي ميتاً في الساحة ويتدحرج الطبل من يده فيهب إليه مسرعاً واحدٌ من المحرومين منه.. يتوقف الشاعر الناشي عن الإنشاد و يلتف الراقصون والشعراء والمتفرجون حول هتمي ويشقون جيبه.. يصيح قريب له فيهم: تفرقوا.. هواء.. نَفَس يا جماعة الخير.. يكشف القريب عليه و يقرر: خلاص.. هتمي مات.. نادوا على الإسعاف..
العريس ريزان يغادر المخيم المنصوب منكس الرأس محوقلاً تارة ومهمهماً تارة أخرى.. جلس المتفرجان ضيف الله و مهنا على دكة بقالة الباكستاني توحيد القريبة من ساحة الرقص يشربان البيبسي البارد مكومين طرفي ثوبيهما في حجريهما كاشفين عن سرواليهما الأبيضين و توحيد يعد الريالات التي كسبها من بيع البيبسي.. قال مهنا و هو يودع سيارة الإسعاف بنظراته الأسيفة:
- النفس أسرع الأشياء، و هي أسرع من الضوء و ذلك يناقض ما تعلمناه في المدرسة من أن الضوء أسرع الأشياء..
تجاوب معه ضيف الله فقال:

- الشمس عبارة عن كتلة هائلة من الضوء، و هي تمرض ومرضها الكسوف وضوؤها تقاس سرعته، أما النفس فلا يعيق سرعتها أي شيء ولا أحد يستطيع حساب سرعتها.. فمن يستطيع حساب سرعة نفس الإنسان حين يغضب أو يموت؟!
- لقد رأيت كيف كان هتمي سريعاً في موته!
- يوجد أمور كثيرة لا نستطيع قياس سرعتها أو بالأحرى لا تقاس.. مثل سرعة الحب.. سرعة النوم.. سرعة الجوع.. الشبع.. العطش.. التخيل.. الكره.. ولكن الأكيد أن الأشياء القبيحة تذكرنا بسرعة الأشياء الجميلة..
- وضح جملتك الأخيرة..
- موت هتمي سيذكرنا بسرعة بجمال قرعه للطبل، وكذلك عندما تفوتك فريضة وتنساها ستتذكرها حتماً عندما تُحدِث!
- هذا صحيح.. و قد حدث ذلك معي أكثر من مرة، فالحدثان الأكبر والأصغر كلاهما قبيح والوضوء والصلاة كلاهما جميل ثقيل.

صوّت مهنا على توحيد بلهجة آمره طالباً منه جلب علبة تبغ لم يحدد نوعها، فضّ الشريط الذهبي بعنف.. بدا من مسكه للسيجارة بأصابعه وإشعالها والتخلص من رمادها بين ساقيه أنه يدخن لأول مرة في حياته. سأل مهنا ضيف الله و هو يخرج الدخان من فمه فقط:
- ألا تعتقد أن كثرة الضغوط النفسية تقتل المبادئ و النفوس؟
- حسب ما جاء في التقارير الطبية لمراكز البحوث الأمريكية فإن الضغوط النفسية الناتجة من الأسرة و العمل تشكل سبباً مباشراً في الوفيات.. و قد يكون هتمي مات من جراء الضغط النفسي الرهيب المفروض عليه من الراقصين برفضهم تخفيف الدكّ على الأرض و الالتزام برتم الأجداد الهادئ..
- الله يعين ريزان على نحسه و حزن قلبه..
- لا تتفاءل كثيراً.. فقد يكون الآن دافناً وجهه في صدر زوجته.
- لا تظلمه.. فالحزن يعطل شهوة الرجال..
- لا شيء يعطل شهوة الرجال، فسحاب ضاجع زوجته يوم وفاة أمه و حملت، لقد كانت تتناول أقراصاً مانعة للحمل وفي ذلك اليوم لم تتناولها ظناً منها بأنه لن يقربها و لكنه فعل..
- قد يكون بفعلته تلك يتهرب من حزنه..
- الإنسان يهرب من أحزانه بأشياء معقولة كالنوم لساعات طويلة أو بممارسة حماقات يخجل الإنسان عن ذكرها، أما بمضاجعة زوجته يوم وفاة أمه و عند اشتداد النحيب وارتفاع العويل فلم يذكر ذلك في كتب الطب النفسي..
- الناس يبالغون في كل شيء وأكثر مبالغاتهم في شهوة الجنس، فلربما تأثر سحاب بما يقال وفعل فعلته.
- نعم.. و أكبر دليل على ذلك قول الشمام محسن: (اجلس في الشارع ترتاح أعصابك)، وها نحن جالسان فيه وأعصابنا تعبة..
- منذ ولدت و أنا أرى المطر مسؤولاً عن غسل سعف النخيل والنسيم مسؤولا عن تمشيطه، و هتمي مسؤول عن قرع الطبل، و الأولان باقيان على ممارسة وظيفتيهما أما هتمي فقد فصله الموت عن ممارسة وظيفته فالحمد لله أنني فقدت جميلاً يعوض.
مر بهما المنادي للصلاة على الأموات و قال بلهجة داعية: هيا جنازة هتمي جهزت و لم يبق إلا دفنه و الصلاة عليه.. سارا بعيون محتارة بين النوم و البكاء، و توحيد يغلق بقالته في عجلة ليتبعهما.
قال الراوي: إذا قرع هتمي الطبل يخرج من عتمة الظلام طائر من طيور الليل و يحوم في السماء فوق ساحة الرقص ومنذ أن مات هتمي لم ير الناس ذلك الطائر.. فقد حاول ورثة هتمي في قرع الطبل إظهاره لهم لكنهم فشلوا و لم يعد أحد في القرية بعد ذلك ينظر إلى السماء متحرياً رؤية الطير والعرضة مقامة..




هذا النص

ملف
ناصر الجاسم
المشاهدات
108
آخر تحديث

نصوص في : قصة قصيرة

أعلى