ميس داغر - أنطوانيت.. قصة قصيرة

اعتادت منذ نعومة أظفارها أن تطلّ على بيت الرب من نافذة منزلها المروية وروداً في البلدة القديمة، ثمّ تنزل خطوات قليلة أبعد من عتبتها فتجد نفسها في الباحة الكنسية الواسعة. أمّا منذ سنة، فصار يتعيّن عليها أن تقطع المسافة الطويلة بين منزلها الجديد البعيد باتجاه حارتها القديمة الساكنة في شرايينها.
تخرج في العاشرة صباحاً متدثرة بمعطفها الأسود الموصول لما تحت ركبتيها الذائبتين، تنكفئ كقبضة اليد على رفيقتها الحنون، العكازة التي صاحبتها منذ عشر سنين على الأقل. تسير باتساع خطى طفلة صغيرة في ظهيرة أحد مشمسة، حتى إذا ما أصبحت في جوار الحوانيت الصديقة، رشقها معارفها القدامى بالتحيات المباركات حيناً، أو التعليقات المتندّرة حيناً آخر، والمتوارية خبثاً في غالب الأحيان.
يكلّفون أنفسهم في معظم الأيام عناء تذكيرها بمنزل ذويها القديم ذي النكهة المعتقة، الذي استغفلها شقيقاها ورحّلاها منه منذ عامٍ إلى منزلٍ قصيٍ دون روح، قبل أن يحوّلاه إلى مطعمٍ سياحي. غير أنّ أنطوانيت لا تكلّف نفسها عناء التفكّر في سلوك المعارف هذا، بل تكتفي بنثر ابتساماتها كإكليل ياسمين مفروط وهي تجيبهم برضا القديسين: الدنيا قسمة ونصيب. ولا تتذكر شقيقيها إلا عند الصلاة، فتدعو الإله أن يبارك لهما فيما آتاهما، وتشكر الرب على كل حال.
تخرج من مبنى الكنيسة بعد أن يفعمها دفءُ الله ومحبته، فتجلسُ على مقعد انتظارٍ طويلٍ عند باب الدير، تتنفّس باتساع صدرها، فتتملّى عروقها بنبيذ حارتها العتيقة. وكما في كلّ مرة، يبدأ في التوارد حولها عددٌ من الصغار اللاهين، ترمي إليهم بحلوى بيض الحمام المنقرضة إلا قليلاً، ويرمون إليها بملاحظاتهم البريئة: أنطوانيت، ليش شعرك منكوش زي الكنافة الخشنة؟ وأبيض زي ثلجات السنة الماضية؟ ليش بطلتي تصبغيه زي النسوان؟
تُرسلُ من مغارة فمها ضحكة بعمق الحارة القديمة، وتتحسّس شعرها بيدها أثناء إخبارها للصغار أنها لم تعد بها حاجة إلى صبغه.
لا تعدم أن تجد في لفيف هؤلاء العفاريت حولها جنيّاً ذا شعرٍ أسودَ ناعمٍ، وحدقتين متحفزتين كحدقتي ثعلب، أو جنيةً ذات جدّولتين بنيتين وعيني غزالة، يُربكانها بالسؤال بين الفينة والأخرى: أنطوانيت، طب ليش متجوزتيش؟
لا تستطيع في هذا العمر الذي سقطت عنه كل أوراق التوت إخفاء بؤرة روحها أمام أطفال هذه الأيام الحاذقين، فتتململ في مقعدها، وتضحك من بحيرة قلبها العذبة، ثمّ تحاولُ تضليل الصغار: مضّلش شباب في البلد، كلهم سافروا عأميركا!
وبأناةٍ تامة، تلملمُ ضحكتها بعد أن يلفح ذاكرتها شتاءٌ قارسٌ، وتبرق آثار هجرٍ قاسٍ في حدقتيها.
ثم تمضي في آخر النهار عائدة من حيث أتت، كقصة حبّ ولدت واندثرت في الظل من غير أن تترك خلفها صخباً في الحارات. ولا تبتئس لأجل هذا أبدا. تصلي أنطوانيت وتشكر الرب دائماً، وتوقنُ -بكل المغفرة التي تؤنسُ وحدتها في المنزل القصيّ- أنّ الجنة لا ريب فيها.
من المجموعة القصصية “معطفُ السيّدة”



* منقول عن موقع الناقد العراقي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى