محمود عبد الوهاب محمود - المرأة.. قصة قصيرة

بالرغم أنها لم تفقد القدرة بعد على العطاء الغزير إلا أنها تبدو ممعنةً فى البعد. العقل يسير ببطء –لكن بإصرار-نحو التوحد، العينان تذهلان أحياناً لا تلويان على شىء، والوجه يخلو من القسمات، الأرجل تهتز فى عصبية لا إرادية، لا أحد يعلم السبب، لكن الباحث المدقق يمكن أن يرى فيها نكوصاً نحو الطفولة، وتعجلاً للرحيل فى نفس الوقت.​
السادسة والسبعون سن الجلال وقد بلغته المرأة، ليس رحيل السواد من الشعر بالأمر الجوهرى، ولا انحناءة القامة التى يتميز بها معظم من تخطى السبعين، لكن اهتزاز الأرجل عند الجلوس هو العلامة الفارقة التى ترجح -إلى أقصى حد – التفسير الذي أطلقه، وهو أنها تتعجل الرحيل.

فى زياراتى الأسبوعية تعطينى نقوداً، تمد يدها وهي واقفة برزمة من الأوراق، تعطيها ببساطة كأنها حق لمن تلقى، أقوم من مجلسى شاكراً محتضنها، مقبلاً وجنتيها، أود أن أقول إننى لا أحتاج النقود لكن لا أفعل، لأننى أعلم أنها تحتاج لأن تعطى أكثر مما أحتاج لأن آخذ.
شكرا يا خاله.
أعلم أن التواصل بالنسبة لها يزداد صعوبة، لكن من منا يستطيع أن يوقف الرحيل؟
وأعلم أن العطاء بالنسبة لها خروج من التوحد، كسر للحلقة الصماء التى تعزل الأصوات والإنفعال بالأشياء، لا؛ لم يكن ما تفعله سلوكاً نمطياً يميز المصابين بالمرض، وإنما كانت فيما تفعله بقية من شخص، من نار كانت بالأمس مؤججة.
أى التفسيرين أقل إيلاماً؟
أربت على ظهرها ممتناً، أطيل لبعض الوقت، أمنحها لحظات من التواصل إضافية.
ترجع إلى الكرسى المقابل، تجلس راضية، تفتح القرآن، تقرأ وهي تهتز، أكون مطمئنا عليها فقط عندما تقرأ القرآن.
كانت قبل رحيل الزوج أنشط، هو قد رحل منذ ثلاث سنوات، كان الوقت فى رمضان، وكان جالسا على نفس الكرسي الذي تجلس إليه الآن.

عندما أبلغونا فى الصباح بالوفاة ذهبت إليها، توافد أقارب الزوج وأقاربها، صامتة كانت معظم الوقت، لكنها كانت تبكي قليلاً بين الحين والآخر.
ليس البكاء هو ما يعبر عما فى الداخل، فقد يكون الصمت أقوى من البكاء إذا كان صمتاً مخيفاً كصمت هذه المرأة.
عندما حملنا الرجل من غرفة نومه إلى باب الشقة ارتفعت صيحات بعض النسوة مخترقة جلال الموقف بحياء، مختلطة ببكاء يعلو تدريجياً باقترابنا من الباب.
ومازلت أسمع تلك العبارة:
مع السلامة يا أحمد.
كان أحمد هو الأخ للبعض، والزوج للمرأة التى تسكن الدعة والطفولة ملامحها، كأن لم يمسسها شىء، كأنما هى متصلة بتيار علوي لا أراه، يغنيها عن مواساتنا ودموعنا الهينة.
وبينما كنت أنزل السلالم، كنت ما أزال أرى وجهها الذي تقلقنى ملامحه ومصيره بأكثر مما تقلقنى الوجوه الأخرى الباكية.
أسبوعان، تعطينى ملابسه بنفس البساطة التى تعطينى بها النقود، إستدعتنى، فوجئت بالملابس موضوعة على السرير، طلبت منى أن أختار ما يناسبنى حتى تتصرف فى الباقى، أخذت الملابس، لم أشأ أن أربت على ظهرها هذه المرة.

لكن لما ماتت أختها الكبرى قبل نحو عشر سنوات كان رد فعلها أقوى، دخلت فى دوامة من النحيب المتقطع، دام حوالي ستة أشهر، وأصيبت بالاهتزاز اللا إرادى للفخذين وأحيانا لليدين.
داويناها لمدة ستة أشهر حتى بدأ البكاء ينقطع بالتدريج، لكن اهتزاز الأطراف ما يزال إلى اليوم له بقية.
الملاحظ أن هذا الاهتزاز اللا إرادى لم يحدث فور وفاة الأخت، كانت هادئة عندما كنا ننقل المتوفاة من الإسكندرية إلى القاهره، بعد الصلاة كنا جميعاً فى المدفن، وكانت هى الوجه الهادىء الوحيد ضمن وجوه النسوه اللاتى حضرن الدفن.
أسبوع وبدأ النحيب المستمر واهتزاز الأرجل، رد الفعل أثار الانتباه ولم تفلح المواساة فى أن يكون لها أى معنى.
عندما كانت تسأل عن السبب فيما تفعله كانت تقول إنها لاتدرى.
- زهقانه.. زهقانه.
كان هذا هو السبب الذي تقوله دائما، وكانت عندما تجيب أحياناً بـ:
- مش عارفه مالى.
يمثل ذلك بالنسبة لنا إيضاحاً على نحو ما.
بمرور السنوات بعد السبعين بدأ النكوص، الغضب الرقيق لأسباب لا تستدعى، النسيان، فيض المحبة.
عزومة الأسبوع على الغذاء، المرطبات التى لا أريدها، تأتى بها، أقول لها مجدداً أنها تزيد الوزن، والحفاظ على الوزن أمر شاق بعد الأربعين.
تنظر إلى بإشفاق، أعلم أنها لا ترى الوزن الذى أتكلم عنه.
تقوم تعطينى الفاكهة بعد الغذاء.
- يا خاله لا آكل فاكهه بعد الغذاء، إستريحى الآن.
أعملك شاى؟
كتر خيرك، مش دلوقت.
طب لو عايز حاجه قول.
تنتهى من أعمال المطبخ، تأتى، تجلس فى مكانها المعتاد إلى الكنبة أو إلى الكرسى المواجه لى.
لو بقية الخالات موجودات أترك لهن مهمة التواصل، أستريح لوجودهن معها، تكون دائما معها خاله على الأقل، كان هذا ضرورياً وإلا كان النكوص أكثر سرعة.
لكن أنا أرى عينيها تبتعدان، ينسحب الوعى منهما إلى الداخل، فتبدو النظرة والطيبة والابتسامة شاردات لا يستندن إلى قوة الوعى.
هذا هو السبب الذى لأجله أترك الخالات يقمن عنى بمهمة التواصل.

لكن الذى اعتراها فى أربعينات العمر كان – حقاً – شيئاً مثيراً للدهشة.
أعاقتنى الطفولة وقتها عن إدراك كنه التغير وعلاماته، ليس كما يحدث الآن وأنا أتفرس ملامحها وأمحص علامات النكوص.
من الفساتين بدون أكمام وارتداء المايوهات أحياناً على شاطىء ميامى إلى الحجاب، من سماع الموسيقى والأغانى إلى هجرهما حتى الرصين، والارتحال إلى محطة القرآن، التفاسير، التواشيح فى رمضان، كتب فقه السنة، صحيح البخارى، كتب أخرى قديمة مجلدة باللون الأخضر باتت على المكتبة البنية اللون.
معاش مبكر بعد الخمسين وإستزادة من كل ما سبق، تزامن هذا مع زواجها بالرجل. فهل جذبها الرجل بمنطقه؟ أم هى التى إختارته بناء على توجهها الجديد؟

طالما أذكر وقت الصبا، كنت أحاول دائماً أن أسمعها الجديد من الأغاني، في أواخر السبعينيات كانت هناك موسيقى جيدة، لكنها كانت قد بدأت الشك بأن الموسيقى مفسدة والكلام به غزل غير لائق. فكانت تردنى إلى قمم الأعمال الغنائية القديمة فى الأربعينات والخمسينات، ألحان لعباقرة الملحنين، وأشعار بها غزل عفيف وأخرى تصوفية، ثم تقول لى أن شيئاً من هذا لم يعد يؤثر فيها، الآن اللحن المهيب هو السائد.
فى تلك الأوقات كنت أحس أنها فى سجن ليس له ضرورة، ما الداعى لأن تضيق هكذا متع الحياه ويقل عددها؟
كانت المناقشات كثيراً ما تأخذنا إلى الدين، فى الحلال والحرام، وفى الشبهات.
وكان الحاج أحمد حاضراً، يوجه، يناقش، يطرح الأسئلة المباغتة، وينقض بالمنطق فى ضربة مؤثرة إذا ما كسب عقل صبى مراهق جولة أولى.
الآن رحل من كان صاحب المنطق كما رحل كثير من الأحباء، ترى أين ذهب الجدل والنقاش؟
وها هى المرأة تبدو سعيدة، تضحك مع الأخوات، بينما أفكر أنا فيها من على البعد، وهى توغل في البعد حتماً، إن أوقفه التواصل بعض الشىء فهو إيقاف مؤقت، أما الابتعاد فهو المستمر.
أراها الآن، أضحك للحظات التواصل، أطمئن، أتوهم أن ما أكتبه هراءً، لكن عندما تغيب شمس التواصل يرتجف القلب من ألم محتمل.

لا زلت أسمع الأغانى، أطرب، أبكى، ولم أنسج بعد ثوباً فريداً مثل الذي نسجته منذ أكثر من ثلاثة عقود.
هل تعلم مشقة إحساسى بالاغتراب؟ بالتوحد؟ بجزيرة الصمت التى توشك أطرافها أن تظهر من الأعماق؟
هل تدرك أنها ذاهبة نحو التوحد؟
وهل هى حزينة لذلك؟
لقد قطعت هى المسافة كلها ولازلتُ بعد إلى الوراء.

أشفق عليها؟ لماذا؟
تأخذنى زفرة خفيفة، أعلم أننى لن أستطيع الوصول إلى إجابة:
هل تدرك ما أفكر فيه؟
أم أن التيار العلوي يكفيها ألم الإدراك ولذاعة المذاق؟

هذا النص

ملف
محمود عبد الوهاب محمود
المشاهدات
43
آخر تحديث

نصوص في : قصة قصيرة

أعلى