عبد الرحيم شراك - فتات أحلامه..

جلس منهزما بهدوء فوق الزربية التقليدية الباهتة. كان شاحب الوجه و مثقلا بالهموم، تبدو الكآبة الشديدة على ملامحه. أخذ ينظر إلى أرجاء الغرفة بحسرة و أسى، مفكّرا فيما يمكن فعله. أخذ يتأمل فُتات أحلامه المتوضّع فوق الأرض الباردة، بعد كل المشاكل التي حصلت له. هذا ما تبقى منها بعد أن تم تحطيمها وكسرها بلا هوادة أمام عينيه. لم تعد أحلامه موجودة مثل السابق. أضحت الآن مختلفة جدا، بل و مجرد فُتات فقط.
احمرّت عيناه من البكاء، فلم يعد يدرك ما يوجد أمامه! لم يهدأ باله، منذ وقعت الواقعة. أخذ يدقق جيدا في بقايا أحلامه. كانت تنبعث منها رائحة الفشل التي ملئت المكان برمته. ظل جسمه الضعيف يرتعش باستمرار و أحس أنه قد ينهار في أي لحظة. لكنّه استجمع قواه أخيرا و ضغط على خوفه، ثم قرر أن ينظر إلى الفتات مرة تلو الأخرى. عساه يخفف ذلك الألم العميق بالداخل. كان يشعر بإحساس لم يذق طعمه من قبل. حرّك يده في اتجاه الفتات برفق، أراد أن يلمس أحلامه مرة أخرى ليحس بها، و يحتضنها إذا استطاع.
تحرّك رغم الحزن الشديد الذي يغمره، ثم فكّر بإمكانية جمعها من جديد. فلا زال هناك بصيص أمل بداخله، و لا بأس من المحاولة الأخيرة في النهاية.
أمسك في بادئ الأمر حلمه بأن يصبح مهندسا. يا حسرتاه! لقد اتبع أهواءه بتهور و أصبح ذلك الطموح الآن مجرد قطع دقيقة، لأنه لم ينجح في التخطيط للأمر. أمسك بعد ذلك حلم الزواج بيديه المرتعشتين. لقد سمع كلام الناس بتأجيله للعيش حرا طليقا، لكنه وجد نفسه اليوم وحيدا. أمسك أحلامه الأخرى تباعا، كان يريد أيضا أن يتخلص من صفاته السيئة ويكتسب أصدقاء جددا. كان يطمح أن يصبح شخصية ذات وزن ثقيل في المجتمع، و يزور بلدان العالم أجمع. كل ذلك ذهب أدراج الرياح. تحسر بيأس على أحلامه الكبيرة و الطفولية كما كانوا يقولون دوما. ابتسم حينما تذكر تشجيعات معلميه في مرحلة دراسته الابتدائية. لكنّ دمعة أخرى ترقرقت في عينه اليسرى، ثم سقطت بسرعة على أحلامه المتفتّتة التي ارتوت منها لوهلة!
كان يمسك بكل قطعة يجدها ثم يضعها بحزن بين يديه، لقد استطاع جمعها بالكامل في وعاء صغير. كان يريد أن ينظر إليها في كل مرة ليحس بالحسرة أكثر أو ربما بالأمل المتبقي بندم.
إنه يقف الآن حائرا بعد أن وأد أحلامه بنفسه، جاهلا بما يصنع بذلك الفتات. كان هذا الفشل هو غاية أعداءه ، لقد استسلم لهم و رضخ لآرائهم. لكنه أيضا يتحمل جانبا من المسؤولية وربما الجانب الأكبر منها. كان إنسانا ضعيفا جدا، فسمح لهم باللعب في حياته كما يحلو لهم. انهزم بسهولة تاركا المجال لهم لتدمير أحلامه شيئا فشيئا. لكن، ماذا يملك المسكين ليفعله الآن؟ إنه يذرف دموعا غزيرة جدا ناظرا إليها بحزن. لم يستطع إلا الاحتفاظ بالفتات في الوقت الراهن، عسى أن يلوح حل ما في الأفق !انغمس بعد ذلك في التفكير بكل الأيام الماضية، فقد اتّقدت شعلة جديدة من الأمل في داخله.
بينما هو جالس في مكانه، فاجأ أفكاره دخول الأعداء من الباب مجددا! أعلموه بقسوة أنهم يريدون أخذ الفُتات أيضا.لكنه نهض من مكانه بتحد، مقررا أن يدافع عن بقايا أحلامه بقوة هذه المرة. تجمعوا حول المكان بسرعة، فنظر إليهم بغضب و صرخ في وجههم:" ألا تريدون أن تتركوا لي شيئا ؟! أريد أن أحس بطعم الحياة فلا أستطيع العيش دون أحلامي!"
لمع بريق نادر ساطع في عينيه، ثم سالت بضع دموع دافئة منها. قال بعزيمة قلَ نظيرها: "سأدافع عن هذا الفتات حتى ولو كلفني ذلك حياتي، فهذا ما بقي لي من أحلامي!" أخذ ينظر إليهم من جديد، تمالك نفسه و حاول أن يبدو أقوى في هذه المواجهة. لكن، ما لبث أن ازداد عدد أعدائه بسرعة هائلة، ثم اقتربوا منه واحدا تلو الآخر و في كل مرة يصبحون أكثر قوة ! أحاطوا به و ذكّروه من جديد بماضيه الأسود و أحلامه التافهة السخيفة كما كانوا يفعلون دوما. أكّدوا له بقوة أن الفشل هو حليفه الدائم، و النجاح هو عدوه اللدود.
هبّت ريح اليأس فجأة، كانت كافية ليحدث ما حدث. أدرك أنّ الأوان قد فات حين قرر الثورة ضدهم. كانوا أقوى منه هذه المرة أيضا مثل جميع المرات السابقة. لم يعد لعينيه ذلك البريق، فتخلى عن فُتات أحلامه بعد أن دافع عنه لآخر رمق. استسلم لأعدائه الذين أعلنوا انتصارهم، ثم أخذوا الفتات معهم. لقد أصبح الآن شخصا عاديا جدا و بدون أحلام.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى