محمد بنصالح - التلفاز يظهر ويختفي !

الوقت ليلا.. أحدق في شاشة التلفاز في شيء من البلاهة، عيناي ترفعان لافتة المطالبة بحقوقهما؛ النوم.. النوم.. لا، أعترض.. فك اعتصام !. آليت على نفسي السمر، فمازلت من عشاق الليل وسكونه، إنه أجمل وقت حين ينصرف البشر نيام، لأبقى أنا أحرس نومهم، رفقة نداءات طائر الخبل في شرفة منزلي، ونباح كلب الجيران.. لقد تذكرت، فلم أسمع نباحه هذه الليلة ؟ إني قلق اﻵن على غيبته الموحشة.. أتراه كيف حاله؟ عزيزي يا كلب، لماذا أخرس صوتك الطروب؟ فكرت قد يكون تخاصم مع حبيبته الكلبة، فلاذ المسكين في كنف الصمت سارحا في خيالاته، مستحضرا فيها وجه حبيبته الحسن وذيلها القاني المثير.. مهلا.. ما لنا ومال غرام الكلاب؟! لكني لاحظت بأنكم متابعين معي في خشوع ! غريب أمركم يا سادة.

***

إن ليلي طويل، لا ينقصه سوى ليلى، وهي تلبس لي الأحمر وترقص أمام أنظاري الزائغة، ثم تغدق علي في ليلنا ما تشاء، أو ما أشاء، أو ما شئنا معا أو... إلى هنا يكفي يا هذا.. لكن بدلا منها كان التلفاز؛ لولاه لجننت حتما.

أرتشف رشفات تكاد تكون قطرات من فنجان قهوتي، وأشاهد فيلم (حركة) وأختلي إلى نفسي.. السيارات تطير في الهواء كأنها عصافير ! النيران تأتي على المباني، وأناس فارقوا الحياة متروكين على قارعة الطريق.. هذا وصف فيلم سهرتي، حتى بدا التلفاز يظهر ويختفي! ذكرني بالفرح في دنياي ؛ إنه يظهر ويختفي، لا يلبث يرسى حتى ينفلت، إنه آت هارب لا ألفة يلقاها، فتراه منصرفا.. حتى وإذا طال الغياب فيعود إلى كنفي في ضباب الليل، حتى يتلاشى صحبته.

تكاد تختفي التلفاز ثم تظهر، تدوب وتنظفئ شمعة ليلي، هكذا يتوادع سمري.. ثم فجأة سمعت صرخة حادة متمادية في الخارج، ثم تلاها صوت ارتطام.. صرخة أوقف عيناي من تسللهما نحو النوم، فهرولت إلى الشرفة لتبيان الأمر.. وقفت أنزه عيني في الشارع الممتد مخترقا ظلام بسيط، يكسره وهج القمر.. أصرف أنظاري يمنة ويسرة باحثا عن مصدر الصرخة، حتى تبين لي مشهد بث القشعريرة في عظامي، رفعت أنظاري إلى السماء، مصابيح الله شاهدة معي.. فجأة حزنت السماء فبدت النجوم كأنها تتنهد حسرة، ثم طغى جو بارد حزين مخيف رغم أننا في قيظ أغسطس.. بهرت أنفاسي وشوكت. اشتعلت في أنظاري الاستزادة أكثر من ذلك المنظر الذي بدا لي مخيفا، ثم خيل - بعد - أنه مهيب يرعش في الروح.. صرخة صادحة تلك مازالت تصدح في أعالي مخيلتي، لتضيف لذلك المشهد طابعا شيطانيا.. لكأني أعانقي نفسي فأغمضت عيناي لهنيهة وفتحتهما لعلي كنت واهما.. فلست كذلك.. لا، فقد كان هناك.. هناك يرمق السماء في ثبات.. إنها لحظة الفناء! فتناهى إلى أسماعي تلك الصرخة من جديد، وها هي تكرر نفسها أكثر فأكثر.. كأن الغبش ينجلي عليها فتبدو في كل تارة واضحة.. ثم ازداد الصمت طبقا حتى بدا بأنه لاغي ! فما عاد الصمت صامتا، ولا الضجيج لاغيا.. كل ما يحيط بي كأنه لا موجود سوى القمر ونوره الذي يزكي لي استمرار الحياة.. فركت عيناي جيدا، وأعدت رسهما في ذلك المشهد.. لكن أين الدماء؟! هل عجز قنديل الشارع من تبيانها؟ لا أعتقد ذلك، لقد أطلق ما عنده من وهج حتى قد تظهر لك من الأعلى نملة تدفع حبة حنطة نحو منزلها.. إذ ذاك فكرت هل هذا رجل أم خشبة؟.. حسنا سأخبركم : لقد تبين لي رجل ضخم يمتد على الرصيف، لا شك بأنه ميت اﻵن. لكن ليس هذا ما أرعدني، فيا ما شاهدت الموتى في حياتي، فما عادت لحظة الفناء تقرض في شعرة، بل ما شاهدته لم أر له مثيلا في عمري المديد.. لقد رأيت رهط من القطط تقتات على رأس الرجل الميت هناك!.

بقيت أتساءل كيف مات؟ ربما سقط من العمارة منتحرا.. أو أحدهم سرق عمره في جريمة شنعاء.. أو هل يعقل بأن تكون القطط هي الفاعلة؟! إلا أن صوت الإرتطام على الأرض يرجح كافة الإنتحار.. لقد ألقى آخر نظرة إلى الحياة في الهواء صارخا مودعا بينما السماء في كاملة زينتها.. عيب هذا عيب، أي يائس عظيم هذا يودع الدنيا في أبهى حللها ؟!. لو قررت الإنتحار يوما ؛ لكنت فعلت في زمهرير ديسمبر.. لكن ليل جميل مثل هذا، والسماء تزينت بقناديلها، والقمر قد أخذ شرقا منها مكانا له، كأنه يراقب الأرض في هدوء ؛ فلا يدعو سوى لملاقاة ليلى في الخيال وهي تلبس الأحمر.. لا صرخة الوداع يا مسكين واستدعاء الموت قبل ميقاته.. تذكرت جدتي : كانت تخشى الموت وتتفادى ذكرها في عمر يطرق أبواب القرن.. فماذا دهاك أنت يا منتحر هناك؟.

بقيت رفقة النجوم نراقب جثمان المنتحر، أو دعوني أقول الميت - حتى أتجاوز الجزم - بينما الناس لائذون في قعر النعاس.. فكرت ماذا بي فاعل؟ أتراني أتجاهل الواقعة، وأعود لمجلس تلفازي وأواصل ليلتي على مجرى عادتي؟ أو أطلب الشرطة لإعلامهم بأمر الميت ذاك؟.

قررت إعلام الشرطة.. بعد ذلك عدت منزويا مع قدح قهوتي.. أفكر بالقطط التي تلتهم رأس الرجل !

***
التلفاز يظهر ويختفي !
***

أحملق في تلفازي وهي تعرض لي برنامج للحيوانات.. يكاد رأسي يسقط أسيرا جراء جحافل النوم الغازية.

الثعلب يضبح في التلفاز ، عيناي تنهران، أعيدهما إلى جحرهما ! ثم تعاودان السقوط وأعيدهمـ... الثلعب يضبح في التلفاز.

***
" فجأة سمعت صرخة حادة متمادية في الخارج، ثم صوت ارتطام.. صرخة أوقف عيناي من تسللهما نحو النوم، ثم هرولت إلى الشرفة لتبيان الأمر"
***

الثعلب يضبح في التلفاز !

***
التلفاز يظهر ويختفي !
***

ليلى تحبني، تقول أنت عمري وما بعده وإلى ما بعد الأبد.. لن تفرقنا حتى الموت نفسها، بل سنموت معا، ويعيش حبنا لتخلده القردة.. إني لا أقدر على فراقك. أجيبها بتوأم أقوالها : "أنا لك حتى آخر زغبة في جسدي.. سنغني يوما مع الذئاب، وسنأكل القطط المشوية، أعرف أنك تحبينها، أنا أيضا".. تبتسم ليلى لتشهر بأنيابها الجميلة، أقابلها بابتسامة أعرض، لكنها ابتسامة فارغة ؛ لأني فقدت أنيابي في معركة سالفة مع الخرفان.. توادعنا وتناظرنا طويلا، ثم تنصرف ليلى إلى حال سبيها وهي تلعب بذيلها الجميل.. يتعسل لساني جراء مشيتها، حتى خرج من فاهي ثم...

***
التلفاز يظهر ويختفي !
***

فتحت عيناي، فوجدت لبوءة تعارك رهط من الجواميس في التلفاز.. إذن كنت أحلم بـ ليلى وسط الحيوانات.. ثم سمعت طرقات على الباب.

غريب من يريدني في هذا الوقت ؟! إنه احتضار الليل وقرب انفراج الفجر، أوليس البشر نيام من غير سواي؟. فتحت الباب فإذا بي ألقى رجلين من الشرطة

- هل أساعدكما في شيء؟

قال أحدهما : "لقد تلقينا مكالمة من رجل أعطانا عنوان هذه الشقة؛ وأخبرنا بأن هناك رجل ميت في الشارع المقابل لشقته، من المرجح بأنه انتحر وقد تكون جريمة قتل.. (بقيت أحملق فيهما كالمعتوه. حتى اسطرد) هل أنت من اتصل برقم الشرطة ؟"

- أبدا !

- هل من أحد غيرك في الشقة ؟

- لا أحد سواي، ولا أتذكر متى اتصلت بالشرطة

تبادل الشرطيان النظرات.. ثم تحدث الشرطي الثاني : "هل يمكننا أن نستطلع سجل المكلمات في هاتفك؟"

- يمكنما ذلك

سلمتهما هاتفي الخلوي.. بعد برهة من تفتيش هاتفي ؛ نظر إلي أحدهما بحدة حتى كادت نظرته تحرقني، كأني كنت سببا في افساد نومته الهنية، أو سلبته من على أحضان زوجته عنوة.. ثم قال :

- لماذا تكذب ؟ لقد اتصلت بالشرطة وها هو الرقم موجود في سجلات هاتفك هذه الليلة !

لم أنطق شيئا، مكثت غير مصدق وغير مدرك ما يجري، فأنا لم أستعمل الهاتف هذه الليلة ولا علم لي بجريمة ولا انتحار؟!
قال أحد الشرطيين : "أأنت مريض؟"

أجبته بأني معافى ولا مرض بي.. فقط عندي عطب واحد في جسمي ؛ إني أتبول ثلاث وعشرين مرة في اليوم، ومرتين في الفراش.. مسالكي البولية تلفة ! هذا كل شيء.

واصل الشرطيان التنقيب في شقتي حتى عثرا على وصفة طيبة :

- قلت بأنك لست مريض.. وماذا تعني هذه الوصفة ؟

- اعذرني فقد نسيت.. الأسبوع الماضي زرت طبيبا فرنسيا بعدما استيقظت لأجد جرح في رأسي؛ لم افهم كل كلامه واكتفت بقول (ok) وأعطاني هذه الوصفة.

- أنت مصاب "بالسرنمة" أيها الكهل الطائش (ثم التفت إلى مرافقه) هيا فلنرحل من هنا

- هييي أيها الشرطي انتظر، ماذا تقصد "بالسرنمة"؟ قل لي ما معنى "النمرسة !" لماذا لا تجيب انتظر، انتظر لحظة؟.

لا جدوى، لقد رحلا غاضبين.

قال بأني مصاب "بالسرنمة" ، لا شك بأن هذا الداء عنده علاقة بالمسالك البولية !.



تمت

هذا النص

ملف
محمد بنصالح
المشاهدات
58
آخر تحديث

نصوص في : قصة قصيرة

أعلى