عبد الكريم العامري - غريب.. مسرحية

شخوص المسرحية
  • الزوجة
  • الزوج (صوت فقط)
  • غريب
(صالة داخل منزل في وسط الجدار صورة كبيرة لشخصية الزوج وعلى الاريكة في جانب الصالة يجلس رجل (غريب) وهو يفتح جريدة وضعها بالمقلوب. الجريدة تغطي وجهه)
(صوت طرقات متتالية على الباب.. غريب لا يهتم. الزوجة تأتي مسرعة من المطبخ حيث الباب)
الزوجة: ها قد جئت. يكفيكم طرقا على الباب. اسمعكم.
الزوج: (من الخارج) افتحي يا امرأة. الشمس تكاد ان تذوّبني.
الزوجة: لماذا لا تفتح الباب انت هل نسيت مفتاحك؟
الزوج: جرّبته ولم يفتح. هيا استعجلي..
الزوجة: حسناً.. سأجلب النسخة الأخرى من المفتاح. انتظر
(تذهب حيث الجدار الذي علقت فيه صورة الزوج وتأخذ حزمة مفاتيح كانت قد علقت بالقرب من الصورة. الزوج يطرق الباب ثانية)
الزوجة: (بغضب) قلت لك انتظر. لا تطرق الباب ثانية أنا اسمعك.
الزوج: قلت لك استعجلي.
الزوجة: حسنا. الآن عرفت لم يسمونك عباس المستعجل.
الزوج: بدلا من الثرثرة افتحي الباب.
الزوجة: (تضع المفتاح في فتحة القفل وتديره لكنه لا يفتح) ما هذا.. ما به؟
الزوج: ما الذي تفعلينه؟
الزوجة: أحاول فتح الباب.
الزوج: هيا افتحيه.. احرقتني الشمس.
الزوجة: (تحاول فتح الباب لكنها لم تستطع) انا أحاول.
الزوج: هيا. هيا يا كديشة.
الزوجة: حسنا اقبلها منك. اشتم كما تريد.
الزوج: وما الذي تريدينني أن أقول والشمس أكلت جلدي.
الزوجة: قلت لك اصبر انا أحاول ثانية لكن المفتاح لا يدور.
الزوجة: وهل سأبقى هنا طيلة الظهيرة.؟
الزوجة: الباب مقفل تماما. (بيأس) المفتاح لا يدور ابدا. قلت لك ألف مرة عليك إصلاحه لكنك لم تفعل.
الزوج: ضعيه في مكانه جيدا.
الزوجة: (بغضب) وضعته لكنه لا يدور. ما الذي تريدني ان افعل؟
الزوج: (مستهزئا وبغضب) ليس عليك فعل شيء. ابقِ أنت في الظل والتبريد بينما الشمس تحرق جسدي.
الزوجة: أنت لا تصدقني.
الزوج: سواء صدقتك او لم اصدقك ما الذي سيختلف ما زلت في الشمس وأنت لا تعرفين استخدام المفتاح.
الزوجة: قفلك صدئ ما الذي افعله له. ذنبك هذا وليس ذنبي.
الزوج: يا الله. العطش يقتلني. حاولي مرة أخرى.
الزوجة: انا أحاول. وحاولت عدة مرات لكنه يعاند.
الزوج: ومن الذي يعاند؟
الزوجة: القفل أيها المتسرع.
الزوج: حسنا. بينما انت تحاولين فتحه سأستظل تحت الشجرة القريبة. حاولي معه وستنجحين.
الزوجة: خير ما تفعل (تحاول فتح الباب بجهد كبير لكنها لم تستطع)
غريب: (دون ان يرفع بصره عن الجريدة المقلوبة) مهما حاولت معه لن يفتح!
الزوجة: (تتوقف وهي تستمع) ماذا قلت؟
غريب: مفتاح الباب عندي!
الزوجة: (بصوت عال) هل قلت شيئا يا زوجي؟
غريب: زوجك يستظل تحت الشجرة. وأنت لن تتمكني من فتح الباب.
الزوجة: (باستغراب شديد) اذن أنت لست زوجي! من تكون أنت؟ لم يخبرني زوجي أن احداً معه.
غريب: (يكرر بذات النبرة) زوجك يستظل تحت الشجرة.
الزوجة: (بصوت عال تظن أن الصوت آت من الخارج) ومن تكون أنت؟ بائع الخضار ام بائع الغاز؟
غريب: ليس هذا ولست ذاك.
الزوجة: (تستشاط غضبا) هل تستطيع فتح الباب لي.؟
غريب: لم يستطع فتحه غيري.
الزوجة: اذن افتحه وخلّصنا!
غريب: ليس الآن.
الزوجة: (مع نفسها) كأن الصوت في الداخل. (بصوت عال) أنت.. من تكون؟
غريب: هذا أمر لا يهمك الآن.
الزوجة: كيف لا يهمني؟
غريب: (مكررا) قلت لا يهمك.
الزوجة: ان كان لا يهمني فمن يهمه اذن؟
غريب: البيت.
الزوجة: بيتنا؟
غريب: كان بيتكم.
الزوجة: (تضع اذنها على الباب لتستمع ظناً منها أن المتحدث في الخارج) كان ماذا؟
غريب: كان بيتكم!
الزوجة: أنت مجنون..
غريب: لست كما تظنين.
الزوجة: أظن ماذا؟
غريب: تظنيني مجنوناً..
الزوج: (يطرق الباب ثانية)
الزوجة: (بغضب) حقاً انت مجنون!
الزوج: (بغضب) أنا مجنون يا كديشة. انتظريني وسترين جنوني.
الزوجة: (تصمت قليلا) من انت؟
الزوج: يا الله. ما هذا يا امرأة؟ هل انساك القفل زوجك؟
الزوجة: (تصمت ثم بتردد) أنت وحدك اليس كذلك؟
الزوج: ومن تراه يأتي معي في هذه الظهيرة؟
الزوجة: ظننت أن احداً معك.
الزوج: يكفيني ما بي من بلوى لاحتار بك. أخبريني ما الذي فعلتيه بالقفل.
الزوجة: هناك من كان يتحدث معي غيرك.
الزوج: (بغضب) كيف تسمحين لأحد أن يتحدث معك في غيابي؟
الزوجة: ليس في غيابك. بل بوجودك.
الزوج: متى وأين؟
الزوجة: ربما هو الآن يقف معك.
الزوج: وربما هو معك الآن (بعصبية وغضب) ايتها الخائنة. عرفت الآن لماذا لم أستطع فتح الباب.
الزوجة: تتهمني بالخيانة بعد هذا العمر. اسأل نفسك أولا قبل ان تتلفظ بكلامك البذيء هذا.
الزوج: اقنعيني اذن. ما الذي يجبرك على قفل الباب هكذا؟
الزوجة: أنت الذي قفلته وخرجت.
الزوج: (بعصبية مفرطة) لم افعل. لم أفعل.
الزوجة: ولست أنا أيضاً.
الزوج: ربما هو من قام بذلك.
الزوجة: من؟
الزوج: ذاك الذي معك في الداخل.
الزوجة: لا أحد هنا سواي.
الزوج: ألم تخبريني أنك كنت تتحدثين مع أحدهم؟
الزوجة: ظننته انت.
الزوج: (صارخا) ذاك لست انا. قلت لك لست انا!
الزوجة: ان لم تكن انت فمن يكون؟
الزوج: اسألي نفسك. من يكون؟
الزوجة: ها قد عدت لكلامك البذيء.
الزوج: افتحي الباب اذنّ!
الزوجة: قلت لك لست قادرة على فتحه. المفتاح لا يدور فيه.
الزوج: بل قولي لا تريدين فتحه كي لا أرى العشيق.
الزوجة: (بغضب) العشيق؟ حسناً قل ما تريد قوله.
الزوج: (يصمت)
الزوجة: ها.. ما بك...؟ أراك سكت.
الزوج: (مترددا) ما الذي يعجبك فيه؟
الزوجة: ما زلت تشك بي.
الزوج: ربما هو أجمل مني. أو.. اغنى مني. أو.. (يصمت) قولي لي ما الذي يعجبك فيه؟ (يصمت) ها.. عرفت. أتعجبك فحولته؟
الزوجة: (صارخة به) اسكت يا رجل. ما بك. انت تهينني. هل جننت.. لست انا من تخون. عد للعاهر التي جئت منها يا فحل! أنا أنظف من قلبك ومن لسانك الذي تتهمني فيه بالفجور.
الزوج: لم اتهمك. الواقع يقول هذا.
الزوجة: أي واقع هذا؟
الزوج: الباب المقفل وحديثك معه.
الزوجة: هل سمعت حديثي معه؟
الزوج: أنت من أخبرني بذلك.
الزوجة: (بغضب) ها آنذا اكررها للمرة الألف.. سمعت صوتاً وظننته انت.
الزوج: (ضاحكا) صرت لا تفرقين بين صوتي وصوت الآخر.. عشرون عاماً لم تكن كافية لأن تعرفي صوتي.
الزوجة: لا أعرف سوى صراخك واهاناتك الدائمة لي.. هذا ما اعرفه.
الزوج: أنت من يجبرني على الصراخ وتصرفاتك تجعلني قاسيا معك.
الزوجة: لأنك تقحم انفك في كل صغيرة وكبيرة في هذا البيت. لم تعطني الحرية في اختيار اكلي وشربي وملابسي. كل شيء تختاره لي أنت بنفسك واذا ما خرجت عن ذلك أنال منك مزيدا من السب والشتم والضرب أيضاً.
الزوج: أنا المسؤول عنك.
الزوجة: لكنني بشر. بشر من لحم ودم ومشاعر. مثلي مثلك حتى وإن كنت مسؤولا عني. مسؤوليتك لا تجعلك أن تطغى وتتجبّر.
الزوج: هل أنا بهذا السوء؟ هل أنا طاغية؟
الزوجة: اسأل نفسك قبل ان تسألني. ما الذي تسمّي تصرفاتك تلك. ها. قل لي. ان ضحكت انت تريدني ان اضحك معك وان صرخت تريدني ان اسكت وان نمت تريدني أن أنام معك.. تتلاعب بي كمن يتلاعب بدمية. لست دميتك ولن أكون!
الزوج: ما هذا...؟ تطور كبير في السلوك.. (يصفق) لم اسمع منك كلاماً مثل هذا من قبل. ما الذي غيّرك.؟ العشيق المغرم بك.
الزوجة: قلت لك اسكت.
الزوج: كلامك لم اسمعه من قبل.
الزوجة: لأني صابرة وراضية على كل تصرفاتك واهاناتك وأنت تتهمني بالخيانة لذلك كان علي ان أوقفك عند حدّك.
الزوج: توقفينني انا.. أنا سيد البيت.
الزوجة: حتى هذا البيت الذي اعطيته كل عمري حافظت عليه رغم تهورك مع الجيران.
الزوج: (يضرب الباب بقوة) افتحي الباب الآن لا اطيق سماع هذا منك.. الجيران اساءوا لي فكيف تريدينني ان اتعامل معهم.. (يضرب ثانية على الباب) هيا افتحي الباب فحرارة الشمس تكاد أن تقتلني.
الزوجة: قلت لك. الباب مقفل ولا يمكنني فتحه. لديك مفتاح حاول انت ان تفتحه.
غريب: (من مكانه) لن يستطيع فتح الباب.
الزوجة: (تضع اذنها على الباب وتستمع) ها.. ماذا قلت؟
غريب: لن يستطيع فتح الباب ولن تستطيعين أنت أيضا.
الزوجة: (مستغربة) هل انت في الداخل؟
غريب: ومعي المفتاح.
الزوجة: (تنظر في ارجاء الصالة) أين أنت؟
غريب: انا معك.
الزوجة: اين؟
غريب: (يلقي الجريدة المقلوبة جانبا ويكشف عن وجهه) هذا انا..
الزوجة: (تبتعد خائفة عن الباب وتسقط من يدها المفاتيح.. تحاول رفعها عن الرض)
غريب: أتركيها على الرض لن تنفعك بعد اليوم.
الزوجة: من أنت. وكيف دخلت؟
غريب: جئت بناءً على طلبك.
الزوجة: لم اطلب منك المجيء. ولم اعرفك.
غريب: تذكري جيداً.. يبدو أن الرجل الواقف خلف الباب قد انساك كل شيء.
الزوجة: ذاك زوجي.
غريب: كل شيء تغيّر (مؤكدا) بناء على طلبك.
الزوجة: (بغضب) قلت لك لم اطلب منك شيئا.
غريب: (يخرج من جيبه جهاز هاتف يفتحه ويقدمه لها)
الزوجة: (بتردد تأخذ الجهاز تنظر له مستغربة) ما هذا؟
غريب: رسائلك. اقرأيها.
الزوجة: (تتصفح الهاتف بذهول)
غريب: أليست تلك رسائلك.
الزوجة: هذا حسابي في فيس بوك وتلك منشوراتي.
غريب: بل هي طلباتك.
الزوجة: يومياتي اكتبها لأطرد السأم عن نفسي.
غريب: وقد جئتك ملبيا رغبتك.
الزوج: (من الخارج يصرخ بها) لم أتمكن من فتح الباب. حاولي انت نع هذا القفل اللعين.
الزوجة: (صامتة)
غريب: اطلبي منه ان يذهب.
الزوجة: أنا اطلب منه ذلك؟
غريب: تستطيعين فعل هذا.
الزوجة: كيف تطلب مني ان اطرد زوجي؟
غريب: (آمرا) اطرديه كما كنت تفعلين في طرد السأم عن نفسك في رسائلك.
الزوجة: (غاضبة) قلت لك تلك لم تكن رسائل. تلك منشورات.
غريب: لا فرق كلها رسائل.
الزوج: (من الخارج) أنت.. مع من تتكلمين. كأني اسمع صوتك. ارفعي من صوتك. هل كنت تقولين لي شيئا؟
غريب: (بلهجة آمرة) اطرديه.
الزوجة: (تقترب من الباب وتتحدث لزوجها) كنت أقول لك اذهب وارتح في أي مكان.. اذهب الى المقهى او عند صديق.. القفل معطل وفتحه يتطلب وقتا.
غريب: أي لغة دبلوماسية هذه؟ قلت لك اطرديه.
الزوجة: (بصوت خافت) لا أستطيع.
غريب: ان لم تفعلي انت فسأطرده بطريقتي.
الزوجة: (متوسلة) ارجوك. دعنا وشأننا.
غريب: الأمر خرج من يدي. شأنك الآن يهمني.
الزوجة: أنا لا اعرفك. من اين جئت؟
الزوج: (من الخارج) ها.. ماذا تقولين؟
الزوجة: اذهب الآن.
الزوج: ما الذي يحدث بالضبط!
الزوجة: لا شيء. لا شيء. القفل الملعون لا يعطي نفسه.
غريب: اطرديه!
الزوجة: سيذهب.. أؤكد لك انه سيذهب.
غريب: (يشير الى الصورة المعلقة في الجدار) وتلك؟
الزوجة: ما بها؟
غريب: اقلبيها!
الزوجة: كيف؟
غريب: قلت اقلبيها.
الزوجة: (تهز راسها إيجابا مستسلمة) حسنا. إذا كان هذا يجعلك ان تتركنا سأقلبها.. (تذهب حيث الصورة وتقلبها وتظهر صورة غريب في الجانب الآخر، تنظر المرأة مستغربة) ما هذا...؟ صورتك هذه؟
غريب: اتركيها كما هي.
الزوج: (من خلف الباب) أنا ذاهب الآن. حاولي ان تفتحي الباب حين اعود.
غريب: (باسما) لن يعود.
الزوجة: (تقترب من الباب) حسناً.. حسناً سأقوم بذلك.
غريب: (يخرج من جيبه مفتاحا) هذا هو.
الزوجة: المفتاح؟
غريب: مفتاح بيتنا.. ومفتاح حياتك الجديدة حيث لا إهانة ولا صراخ ولا ضرب أيضا. ستكون حياتك أفضل من السابق. لا احد يجبرك على شيء.
الزوجة: (تنظر له مستغربة)
غريب: (ما زال مستمرا) كل رسائلك كانت تقلقني. ولم يكن بيدي فعل شيء الا بتبديل قفل البيت.
الزوجة: وهل ترى ان مشكلتي تكمن في قفل البيت؟
غريب: القفل أولا.. وثم...
الزوجة: (مقاطعة) أكيد اثاث البيت.
غريب: (يشير الى راسه) ثم هذا...!
الزوجة: لم افهمك.
غريب: ليس مهما ان تفهمين انت.. (يشير الى الجمهور) المهم انهم فهموا ذلك.
اظلام

البصرة في
9 آب 2019

هذا النص

ملف
عبد الكريم العامري
المشاهدات
15
آخر تحديث

نصوص في : مسرح

أعلى