أحمد المهداوي - وكمْ من جعدٍ أرداه عقله قتيلا...

لا أدري لماذا كلَّما أقبل عيد الأضحى بكلِّ ما يحمل تحت جناحيه من طقوسٍ، ورمزيةٍ في المخيال الإسلامي، إلَّا ولاح طيفُ الجعد بن درهم أمام عيني كأنِّي ألمحه، وقد تلَّه للجبين خالد القسري عنوةً أمام الملأ، وصاح بهم في أوَّل يوم من أيام عيد الأضحى، وهو يخطب خطبة العيد:

"أيها الناس ضحُّوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضحٍّ بالجعد بن درهم؛ إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما، ثم نزل فذبحه في أصل المنبر"

هكذا، وبدمٍ بارد، وشعورٍ ميِّت قام خالد القسري بذبح الجعد بن درهم، ولهذه الفعلة فقط استحقَّ أن يخلَّد في دفاتر السَّلف، وظلَّ على جريمته تلك علماً من أعلام أهل السُّنة والجماعة.

قتل الجعد بن درهم...نعم قُتل وذنبه أنَّه حاول تنزيه ذات الخالق عمَّا يشوب مكانتها في النفوس، ذُبح من الوريد إلى الوريد وإثمه أنَّه لم يقرَّ بتكليم الله لموسى تكليم البشر للبشر، ولم يعترف بخُلَّة إبراهيم لله، انتُهكت حرمة روحه، وقدسية حياته وجريمته أنه قال بأنَّ القرآن محدثٌ مخلوق، أفكان يستحقُّ الرَّجل مهما بلغ ذنبه، وعظُم جرمه هذا إن سلَّمنا بأنَّه أتى بجرم أن يذبح كما تذبح الشاة ؟!!

من جعل خالد القسري وأمثاله من السلف والسلفيين وصيًّا على الدين ؟! من وهب لأولئك الرَّهط هذا الحق المكذوب ؟!

وأيُّ تطرف هذا يسيطرُ على أولئك النَّفر حتَّى ينتهى الحال ب"المفكرين" ودماؤهم تسيل على أرض الله (المقدسة) ؟!

ألم تكن هنالك طريقةٌ أخرى لمناقشته، ومقارعة الحجَّة بالحجة عوض القتل بتلك الطريقة البشعة التي تشمئزُّ منها النُّفوس ؟!

منذ ذلك الحين، وما قبله وأمَّة محمد ترفل في الدِّماء باسم القداسة، والدِّين، وكأنَّ هذه الأمَّة تخاف على إيمان أهون من بيت عنكبوت، يتزعزع لمجرَّد كلمات، وترتعد فرائصُه في النُّفوس كلَّما باغته صوت تفكير عقلاني، وتحركت في دواخل العقول عاصفةٌ من الأفكار النقدية.

ربَّما ما كان للجعد بن درهم أن يتجرأ ويخرق العادة، ولا أن يفكِّر عكس التِّيار، ولا أن يفرد جناح عقلانيته خارج السِّرب، ربَّما لم ينبغ له أن يقول بما قال من "نفي الصفات"، وطرح مقالة "التعطيل"، ولا أن ينكر صفة التَّكليم، وصفة الْخُلَّة بأن يذهب إلى استحالة أن يتخذ الله إبراهيم خليلا.

لقد أنكر الجعد بن درهم على الله صفتين، لكن هاتين الصفتين ترجع إليها جميع الصِّفات؛ لأنَّ إنكاره للكلام إنكار للشرائع والنبوات والكتب المنزلة، فالله في مخيال الديانات التوحيدية تكلَّم وأرسل الرُّسل، وأنزل الكتب بالكلام، فمن أنكر كلام الله معناه أنكر الكتب المنزَّلة والرسل، وأنكر الشرائع.

بهذا استحقَّ الجعد بن درهم ما حدث له على يدي خالد القسري والي البصرة أيَّام الأمويين الذين روَّضو السلف على الخنوع والخضوع بما يخدم مصالحهم ابتداءً بكبيرهم الَّذي علَّمهم الجبروت معاوية بن أبي سفيان الذي وضع السَّيف على رقاب كلٍّ من علي والعباس من أجل مبايعة ولده بالخلافة المزعومة من بعده.

مُت أيُّها الجعد بن درهم، وذق وبال أمرك لأنَّك لم تتَّبع قول السَّلف حتَّى سخط عليك الخلف امتثالا لمن قبلهم لا عن سابق معرفةٍ بأفكارك...
مُت أنت وأمثالك ممَّن أثارو الفتنة، وحاولوا إيقاظ العقول والضَّمائر...
مُت جزاء ثورتك على المألوف...
مُت لأنَّك لم تكن تشبههم، لأنَّك لم تكن مثلهم أيُّها المفكِّر...
فقد أذنبت حين لم تُلقي السَّمع لمقالة سقراط "ويلٌ لرجلٍ سبق عقله زمانه"...
فالويل لك ولكلِّ من سبق عقله زمانه.

هذا النص

ملف
أحمد المهداوي
المشاهدات
71
آخر تحديث

نصوص في : مقالة

أعلى