حسام المقدم - مُتطوع.. قصة قصيرة

أمام هذا الشاب الثلاثيني، سبع دقائق وعدة ثوان، ثم يموت بعدها! عرفتُ ذلك من خلال قُدراتي الخاصة، حين رأيتُ وجهه، وتابعتُ خطواته في الشارع القاهري الهائج.

كيف أُخبره بالحقيقة، دون أن أتسبب في موته المُفاجئ بالسَّكتَة، قبل انقضاء الدقائق الباقية؟ لا لا، وهل أنتظر حتى أُفكر؟ أسرعتُ نحوه واستوقفتُه قبل أن يدخل محلا للموبايلات:
"اسمع، لا وقت، أنت ستموت بعد ست دقائق من الآن. ماذا ستفعل؟ ما الذي تحب أن تفعله في هذا الوقت القصير جدا؟ انطق، ما رَدُّك، بسرعة".
نظر لي نظرة أكلت كُل وجهي، وكُل جسدي. نزل الدرجتين الفاصلتين بيننا، حتى أصبحنا في مستوى واحد. ضحكَ ضحكة مفاجئة وحادة مثل طلقة:
"طيب، ماذا تتوقع أن أفعل؟ حتى لو كان ما تقوله صحيحا، هل معك مصباح علاء الدين مثلا؟".
"للأسف لا، لكن لابد أن أُخبرك".
"شكرا يا سيدي، عُلِم. سأستعد للموت حالا. لا تقلق. خذ بالك أنت من الطريق. الشارع، كما ترى، مخنوق".
"انتظر، أعرف أنك تشُك في عقلي. لا وقت لذلك، باقي أربع دقائق وثوان قليلة. قُل ما تريد، أو على الأقل أُمنية كُنتَ تتمنى أن تُحققها".
لفَّ برأسه يمينا وشِمالا. نفخَ هواء حارا، لفحَ وجهي أكثر من شمس يوليو القاعدة فوق رأسينا:
"سأكون صبورا على غير عادتي، وسأقول إنني الآن لا أذكر أُمنية مُحددة".
"لا تكن مُستهتِرا. هل هناك أي رسالة تريدني أن أوصلها لأي شخص؟ قُل بسرعة، وأعطني عنوانه أو رقم تليفونه".
"يا عم، قلت لك إن الموضوع لا يشغلني. تَوكّل على الله".
"اهدأ، العدّاد يَعد. ثلاث دقائق فقط تفصلك عن الموت. هل أنقل شيئا للبنت التي كنت تحبها؟ البنت زميلتك"؟
"البنت زميلتي؟ كيف عرفتَ؟ لا أريد لها مشاكل. تزوجتْ وسافرت إلى الخارج".
"وصديقك الذي تتكلم معه يوميا عن البلد وظروفها، والدنيا الواقفة، واقتراب نُقطة الحَسم، ألن تقول له شيئا".
"هل تعرفه؟ أنت قريبه؟ شكلك ليس غريبا عليَّ".
"ومديرك في الشغل، هل أقول له إنك لم تقصد ما قلته منذ يومين، وأن لسانك خانك؟".
"إنه رجل حقير، لكني لا أريد أن أخسره".
"دقيقة واحدة هي الباقية، حاول، ستخرج آخر أنفاسك بعد ثوان. هل تطلب مني شيئا".
"لا. سلاااااام".
صعدَ الدرجات قفزا، ودخلَ المحل. وقفتُ لحظة أتابعه يتكلم، ثم دُرتُ للوراء، عابرا الشارع.
...
واصلتُ طريقي بنفس الحماس. انجذبت عيناي لرجل يمشي بهدوء عن يميني. تأكَّدتُ ككل مرَّة، بمُعَاونة قُدراتي الخاصة اللائقة بِمُمثِّل مُتطوِّع؛ أن الرجل جاهز لاستقبال الخبر الصادم، ومن بعده أسئلتي، عن موته غير الحقيقي القادم بعد دقائق.



حسام المقدم



هذا النص

ملف
حسام المقدم
المشاهدات
25
آخر تحديث

نصوص في : قصة قصيرة

أعلى