أمل الكردفاني/ من القصص القديمة جدا/ المثقف آدم

انحدرت الخراف إلى السهل الأخضر في تؤدة وهي لا تفتأ رعيا وأكلا حتى اتخم بعضها فأستلقى بخمول على العشب البري ، وحين تأكد آدم من قيامه بواجبه نحوها ركن إلى جزع شجرة ثم راح في إغفاءة القيلولة ..
بعد ذلك بساعتين نفض غبار النوم ثم عمد إلى السير بالخراف إلى النهر حتى إذا وصله تركها وشأنها في حين عمد هو إلى إخراج خيط صغير من جرابه الجلدي ، أخذ يزرع فيه خطافات صغيرة بصبر وهدوء .. ثم إذا ما انتهى طمس فيها ديدان الطين ... ليلقيها إلى قلب النهر بعد تطويحها عدة دورات في الهواء.. ثم ليجلس بعدها على حافة النهر وهو ينتظر شيئا من الصيد وغروب الشمس ليكر بعدها عائدا إلى كوخه حيث تنتظره زوجته " مريم " وهي شبه نائمة كعادتها بشعرها الأشعث وعينيها الغائرتين وجسدها النحيل ..لكن ثغرها لا يكف عن الإبتسام .
وفي صباح اليوم التالي يهرع لمقابلة أصحاب الخراف فينقدوه أجره ليعود محملا بما يقيم أوده وأود أسرته الصغيرة ... هكذا ديدنه كل يوم .
عندما وصل بخرافه – في إحدى الأيام – إلى مشارف النهر ؛ ألقى ببصره إلى الشط بابتهاج ؛ إذ جلس رجل ببزة عسكرية وجل تركيزه منصب على صحيفة يطالعها فاقترب منه آدم ملقيا التحية على شريك نصف يومه هذا فبادله الرجل التحية ثم قال :
- ها .... هناك خطأ في الكلمات المتقاطعة هذا اليوم ... لقد أخطأ صاحبها في ترتيب حروف اسم رئيس الدولة ...
قالها الرجل بزهو كمن اكتشف القنبلة الذرية ، لكن آدم التقط جرابه ثم أخرج خطافاته دون أن ينبس ببنت شفه ، عقد الرجل حاجبيه بحيرة ثم غمغم :
- ولكن ... هل أكون أنا من أخطأ في بعض المترادفات الأخرى ... ولكن ... لا ... لا ... عملة اليابان .... أو تدري ما عملة اليابان ؟
اكتفى آدم بقوله :
- لا ... ما اسمك ؟
أجابه الرجل :
- النور ...
إبتسم آدم :
- وأنا آدم أعمل راعيا ...
قال النور :
- يبدو هذا واضحا ... إنه عمل يمنحك الكثير من الهدوء بخلاف عملنا المليء بالمشقة والخطر ..
قال آدم :
- ما هي رتبتك ؟
نظر إليه الرجل بدهشة وهو يتساءل :
- ألا تعرف ؟
طوح آدم خطافه في الهواء ثم قذفه وهو يقول :
- وما أدراني ؟
امتعض الرجل قائلا :
- صقر ونجمتان واضحان كالشمس ..!!
جلس آدم ثم قال :
- أصدقك القول بأنني لا أعلم ..
- حسنا .. إنني عقيد ... إنني أنفرد بنفسي بعيدا عن القوة لأسري عن نفسي بحل الكلمات المتقاطعة ثم قراءة الصحيفة ..لأكر عائدا إلى المعسكر مرة أخرى .. لا شيء أفضل من هذا .. حسنا اخبرني .. أيهما عاصمة أمريكا .. واشنطون أم نيويورك .. إنني حتى الآن أخلط بينهما ..
قال آدم :
- أمريكا !! لقد سمعت بها من قبل ولكن لا أدر أين ..
- أمريكا ؟؟ سمعت بها ؟؟ إنها على وشك أن تحاربنا .. تحارب دولتك ..أظنك لا تعلم شيئا من العالم .. بل وأخشى ألا تكون خابرا لرئيس دولتك ...
ألقى آدم نظرة على خرافه وهو يقول :
- بالكاد .. ولم يجب أن أعرفه .. يكفي أنني أحفظ أشكال خرافي واحدا واحدا ...
- ولكن هذا يسمى جهلا ..
- فليكن ..
- هل ترغب في أن تنعت بالجهل ... هذا أمر مؤسف ... إنك تذكرني ببعض الجنود عندنا ... إنهم لا يفهمون إلا الفك والتركيب وكلمة الأعداء ... إنهم حتى لا يتساءلون عن كنه أعدائهم .. يكفي أن تشير إليهم بأن هؤلاء أعداء لكي تستنفر عقليتهم العسكرية ...
لم يفهم آدم – بل لم يرد أن يفهم – من حديث الضابط العسكري شيئاً ... لكن شيئا ما نخر في قلبه وآلمه وازداد الألم حين قال الضابط ..
- آه ... كم في هذا العالم من جهلاء ...
وحينئذ أدرك آدم أن صحبة هذا الضابط ليست مسلية على الإطلاق ؛ فلم ينتظر غروب الشمس بل عمد إلى سحب صنارته ثم ودع الدخيل ليهش غنمه عائدا إلى كوخه ... ، وهو يتساءل :
- هل أنا جاهل ..؟
عندما جلس إلى زوجته سألها :
- هل تعرفين أمريكا ..؟
نظرت إليه زوجته ببلادة ممزوجة بدهشة فقال :
- حسنا ... حسنا ... هل تعلمين من هو رئيس دولتنا ..؟
غمغمت :
- ما هذه الأسئلة الغريبة يا آدم ... يبدو أن مسا شيطانيا أصابك ..
نظر إليها آدم بقلق ثم قال :
- هل .. هل نحن جهلاء ..؟
القت إليه مريم بدورها نظرة ثم انقلبت على جنبها وهي تقول :
- سأنام فغدا لدينا أعمال كثيرة ... هيا نم واطرد من عقلك هذه السخافات ...
لكن آدم لم ينم ... ، ظل ليلتها مؤرقا .. يأكله ألم لا يدر ما كنهه ، وفي لحظة ما خيل إليه أنه يرغب في ملاقاة هذا الضابط مرة أخرى ، وقبل بزوغ الفجر كان آدم قد غط في نوم تخللته كوابيس وأحلام دارت كلها حول غرقه في النهر ..
وكغير عادته تأخر هذا اليوم في الخروج بخرافه ولم يتسن للخراف الإطعام من كلأ السهل حتى هشها آدم نحو النهر وهو يأمل في مقابلة الضابط وبالفعل رآه من بعيد فصاح آدم :
- النور ..
التفت النور وابتسم مرحبا ، فترك آدم الخراف لغريزتها التي توجهها إلى الماء واسرع بخطاه نحو الضابط ... وحيث جلس إليه قال :
- هل استطعت معرفة العاصمة الأمريكية ..
قال الضابط :
- بالطبع ... إنها واشنطن
لوى آدم رأسه متسائلا :
- كيف يمكن لمثلي أن يتخطى الجهل ... ؟
أجابه الضابط :
- عليك على الأقل أن تكون مثقفا ..
هز آدم رأسه :
- أمممم ... وكيف أكون كذلك ..؟
- بأن تعرف شيئا من كل شيء ... ولكن خبرني ... هل تجيد القراءة والكتابة ...
- نوعا ما ...فأنا لا أعرف الكتابة ولكنني أقرأ بصعوبة ... إنني ... إنني لم التفت إلى هذا ...هل .. هل هذا ضروري ؟
- حسنا ... نعم إنه ضروري ... ولكن عليك متابعة الأخبار في المذياع هذا يعطك شيئا من الثقافة في الوقت الحاضر ..
في صباح اليوم التالي ، ودع آدم زوجته متجها إلى العاصمة كي يشتري مذياعا صغيرا من هناك ... ثم عاد به وبعد عدة مشاورات مع زوجته استطاعا فك شفرته ومعرفة أسرار تشغيله ، وأيما سرور ذلك الذي شعر به عندما أخذ يتقلب بين المحطات الإذاعية الواحدة تلو الأخرى .. ولكن زوجته قالت :
- اخفض من صوته قليلا فنحن على وشك النوم ..
كانت الأخبار تتداعى في أذنيه وهو يستمع لشتى الأعاجيب عن دول بعيدة وأسماء غريبة وأحداث أغرب وأعجب .. وعن حروب ودماء .. وموتى وجرحى وصرعى وقطط وكلاب وثلوج وأمطار وفيضانات .... يااااااه ....
لم يكن يظن أن العالم واسع لهذه الدرجة بل وضيق لهذه الدرجة .... نعم إنه واسع عندما يسمع عن بلاد بعيدة كانت في تصوره أبعد من النجوم .. وضيق حيث تتكالب أخبارها جميعا في جهاز صغير لا يبغ حجمه حجم راحة اليد .
ومرة أخرى استيقظ آدم متأخرا عن خرافه ليتكرر تأخره ويزداد يوما بعد يوم حتى أن خرافه تأثرت نفسيا بذلك .. فقلَّ طعامها وهزلت ونحلت ... كان آدم يحمل المذياع معه في كل مكان ، تحت الشجرة ، وهو يلقي بصنارته ، ثم وهو عائد بخرافه ، حتى أن زوجته قالت له في إحدى الليالي :
- لقد ولهت بهذا المذياع .. عليك أن تفكر في عيالك ..
- همس آدم :
- آه .. عيالي ... إنني أتثقف يا امرأة ...
- لم يمنعك أحد من هذا الذي تقول .. إنما عليك الإلتفات إلى عملك قليلا ..
انقلب آدم نحو زوجته وهو يقول بدهشة :
- يا امرأة ... لقد اكتشفت أن هناك أشياء كثيرة في هذا العالم ...لم نكن نعلمها ... تصوري أن هناك شعوب بأكملها تتقاتل الآن ... وأخرى تعمل وتصنع ، وأخرى تموت من الفقر ... إييه ... إن العالم يعج بالضجيج دون أن نسمعه .. تثقفي .. تثقفي يا امرأة ... هل تحبي أن تنعتي بالجهل ..؟
غطت زوجته وجهها بثوبها وهي تقول :
- لقد أصبحت تهذي وأنت مستيقظ كما أنك أصبحت تهذي وأنت نائم ... إغلق هذا المذياع ونم ..
أغلق آدم المذياع ثم اضطجع على جنبه الأيسر دون أن يربت له جفن إلا حيث انقضت ساعات وساعات فاستيقظ متأخرا ... ، وبخمول عمد إلى حظيرة الخراف فهشها ليؤدي عمله ... وهناك وعلى ضفة النهر ألفى صديقه الضابط الذي سأله :
- أراك تتأخر عن ميعادك كثيرا هذه الأيام ...
هز آدم رأسه قائلا وهو يتثاءب :
- هذا المذياع بدأ يسبب لي إزعاجا .. تصور .. تصور أن زوجتي أخبرتني بأنني بت أهذي في النوم ... كما أن خرافي أصابها النحول والهزال بسبب تأخري عن مواعيد طعامها التي اعتادت عليها ..
قال الضابط :
- آآ ... الآن أصبحت تتصرف كالمثقفين بالفعل .. إنها بداية طيبة ...
تساءل آدم بدهشة :
- بداية ... هل تقول بداية !!
- بالطبع ... يلزمك الكثير لكي تكون مثقفا ...
نظر آدم في وجه الضابط قائلا :
- إذا كانت هذه هي البداية بكل ما فيها من قلق وكوابيس وتأخر عن العمل فكيف سيضحى حالي في النهاية ...!! لا ... لا .. إنني أشعر بأن حياتي تنقلب إلى جحيم .. حسنا يا صديقي ... هل تمتلك مذياعا ؟
- كنت أمتلك واحدا لكنه ابتل بالماء فتعطل ..
مدَّ آدم بمذياعه إلى الضابط وهو يقول :
- حسنا يمكنك أخذ مذياعي بدلا عنه ...
أحس آدم بعدها بأن الهدوء قد بدأ يعود إلى نفسه ... ولكنها كانت على الأقل تجربة لن ينساها أبدا ...​
  • Like
التفاعلات: مصطفى معروفي

تعليقات

و أنا أقرأ قصتك الجميلة أخي أمل تصورت لو أن غرامشي كان حاضرا أثناء هذا الحوارالذي دار بين الراعي و العقيد، أراه بدون شك سيسفه العقيد هذا "المثقف"الذي لم تسعفه ثقافته في معرفة عاصمة الولايات المتحدة.
باختصار إنه لولا هذا الراعي و الفلاح بصفة خاصة لما عاش العقيد و معه أشباه المثقفين و أضرابهم.
تحيتي لك مولانا.
 
أعلى