رانيا قمداني - صُراخ الأبجدية

مرحبًا،
أو.. حسنًا لا داعي لهذه المقدّمات المبتذلة
أكتبُ الآن دون أن أعلم ما رقم هذه الرسَالة، فقد توقفتُ عن عدّها منذ أن تورطتُ في كتابتها وانتهى الأمر، فأصبحتْ كالدواء أتناولُها في المساءاتِ الوحيدة، وفي غسقِ الليالي الباردة
هذه رسالةٌ أخرى مشوهة،
فكلما قررتُ كتابة شيءٍ ما تفرّ الحروف من رأسي وترتطمُ ببعضها وتنكسر، فتنتحرُ الأفكار في رأسي تباعًا وأبقى فارغة إلاّ من ضجيجِ الخُواء الذي يعتريني.
يُؤذيني أنني لا أستطيعُ كتابة حرفٍ واحد، كما أني لا أستطيعُ التخلص من كل تلكَ الفوضى التي تتجمّع في صدري والتي دائمًا ما تُحدث عرقلة هناك، وكنتيجةٍ لذلك.. مجرد نصٍ فارغ مليئٍ بالقلق
فالكتابةُ ولادة متعسّرة تظهر بعد إجهاضنَا للكثير، لذلك دائمًا ما تأتي الكلمات مصحوبة بنزيفٍ حاد، كما يُؤلمني عدم قُدرتي على معالجة ذلك.
كان عليك أن تناديني (رانيا) هكذا دون قيودٍ تمنعكَ من نطق إسمٍ لفتاة كل تملكه هو وجهٌ شاحب والكثير من الأقلام، وأمنياتَ بعيدة
كان عليك أيضًا التوقف عن طرحِ سؤالك المُؤذي "هل أنتِ بخير؟“، وكان عليّ أيضًا التوقف عن قول إجابتي القاتلة "نعم، أنا كذلك“
كنتُ سأخبرك بالكثير، كأن أحكي لكَ مثلاً عن البُقع الحمراء التي ظهرت على وجهي بسببِ الحساسية من تذوقي لملعقَة "فلون“ بالخطأ، كان طعمهُ مقززًا جدًا، وكنتَ ستخفّف من ذلك بشتمك له ونعته أيضًا بالمقزز
كنتُ سأخبرك أيضًا بأن يدي شُفيت تمامًا، ولكن الجروح والندوب أبت أن تختفي بسببِ ذلك الحادث اللعين، وكانت ستُزهر تلكَ الجروح فقط بسؤالٍ واحدٍ منك
لكنني وفي النهاية أفضّل الإحتفاظ بأشيائي لنفسي، وسكب ثرثرتي على الورق، فالأوراق فقط من تستمعُ إليّ بإمعانٍ دون أن تتذمّر من ذلك، ودون أن تقول لي:"من نيتك؟“
أنا أكتبُ لأنني أدركت أن الصّمت كُفر، وأنّ السكوت ذنب، لذلك أكتب وأصرخُ في آنٍ واحد، كي لا ينفجر ما بداخلي يومًا، ويذوبُ طيني بي.. وأنتهي.

هذا النص

ملف
رانيا قمداني
المشاهدات
32
آخر تحديث

نصوص في : بلا تصنيف

أعلى