عبد القادر وساط ( أبو سلمى) - من أحلام الفنان الإسباني جوان ميرو Joan Miró

رأى جوان ميرو، فيما يرى النائم، أنه يمشي وحيدا، عبر زقاق ضيق، في صبيحة باردة.
كانت أرضية الزقاق كلها مكسوة بالأوراق البنكية، من مختلف الفئات والألوان، لكنه واصل طريقه دون أن يهتم بالأمر.
في أقصى الزقاق، فوق مرتفع صغير، كان هناك منزل معزول، آيل للسقوط.
أمام ذلك المنزل، كان يقف شيخ مسن، يبدو من لباسه ومن الحقيبة الضخمة التي بجانبه، أنه على أهبة السفر.
اقترب منه الرسام الإسباني مبتسما، ثم حياه قائلا:
-كيف حالك يا صاحب السعادة؟
كان جوان ميرو يعرف أن ذلك الشيخ المتعَب سفيرٌ لدولة مجهولة، لا توجد في أية خريطة من الخرائط.
قال السفير للرسام:
-كما ترى، منذ سنوات عديدة وأنا واقف في هذا المكان، أنتظر السائق الذي يحملني إلى المطار، في سيارة تابعة للسفارة، لكن دون جدوى.
في تلك اللحظة بالذات، توقفت بالقرب منهما سيارة حمراء عتيقة، لكنها لم تكن سيارة السفارة، التي ينتظرها صاحب السعادة. بل كانت تابعة لسجن تولون، وكان على متنها الشاعران تريستان تزارا وماكس جاكوب، الهاربان للتو من ذلك السجن الرهيب.
مباشرة بعد نزولهما من تلك السيارة، انطلقا راكضَين باتجاه جوان ميرو وهما يلوحان بأيديهما ويرددان:
-أخيرا نجحنا في الهرب، يا جوان، أخيرا نجحنا!
سألهم صاحبُ السعادة إن كان يستطيع ركوبَ تلك السيارة، والتوجه بها إلى المطار، رغم أنه لا يملك رخصة سياقة، فتحمَّس الجميع للفكرة. وعندئذ تطوع جوان ميرو ليحمل حقيبة السفير ويضعها على المقعد الخلفي الفارغ.
بقي الثلاثة يتابعون مشهد السفير الشيخ وهو ينطلق بسرعة مدهشة. وحين اختفى عن أنظارهم، اقترح جوان ميرو على صديقيه الذهاب على الأقدام إلى حانة "الأسد القطبي"، القريبة من ذلك المكان.
-فكرة جيدة يا صديقي، ينبغي أن نحتفل فعلا بهروبنا من السجن، قال تريستان تزارا، وهو ينحني ليجمع أكبر قدر ممكن من الأوراق البنكية المطروحة أرضا.
-لا تتعب نفسك، قال جوان ميرو، إنها أوراق بنكية مزيفة. السفير هو الذي أخبرني بذلك.
-لن يفطن أحد للأمر، أجابه تريستان تزارا.
عند باب الحانة، كانت دولوريس، زوجة جوان ميرو، واقفة في انتظاره. قالت له إنها لم تستطع البقاء بالداخل، بعد أن رأت فأرا ضخما يتقافز بين أرجل الزبائن. قالت إن صراخها ملأ الحانة عند رؤية ذلك الفأر، لذلك آثرت الخروج والانتظارَ أمام الباب.
علق زوجها ضاحكا:
-لا عليك، يَروون أن الملكة إليزابيث نفسها تشرع في الصراخ كلما رأت فأرا في سلالم القصر!
تقدم الأربعة إلى داخل الحانة، وهناك فوجئ الشاعران تريستان تزارا وماكس جاكوب أن مدير سجن تولون هو الذي كان يقف خلف الكونطوار، متنكرا في هيئة بارمان.



هذا النص

ملف
عبدالقادر وساط ( أبو سلمى )
المشاهدات
32
آخر تحديث

نصوص في : بلا تصنيف

أعلى