محمد كريم الساعدي - جماليات الفهم الغيري عند جيل دولوز

إنَّ صياغة الخطاب الغيري في فضاء العرض يتطلب تحديد ملامح الآخر الثقافية التي يمكن أن تتلاءم مع الصياغات المسرحية ما بعد حداثية في ضوء فلسفة الاختلاف ،وما قدمه بعض فلاسفة ما بعد الحداثة في هذا الشأن، ومنهم الفيلسوف الفرنسي (جيل دولوز) في كتابه (الاختلاف والتكرار) ، والذي يوضح فيه ملامح الاختلاف التي تظهر في التكرار بين (الأول) الأنا وبين الآخر الغيري ، وهنا يستخلص الباحث بعض هذه الملامح التي يمكن أن توظف في السياق الثقافي للعرض المسرحي ،
إن عملية توظيف المفاهيم التي يتطرق لها (دولوز) في تحديد ملامح (الأول / الأنا) و(الآخر / الغير) المفترضة في العرض المسرحي وخطابه الغيري يتأتى من تأكيد (دولوز) على عمليتي الاختلاف والتكرار الناتج عن أفعال الاستمرارية في العرض المسرحي ورسم الملامح لكلا الطرفين في المسافة الجمالية على خشبة المسرح ، والتأكيد على أن الموضوع المسرحي ينطلق من دائرة هذا الحراك المبني على الاختلافية الثقافية الناتجة من تكرار الحركة بين النقيضين الأول ،وهو الإمثول والمرتبط بالمفهوم في مقابل الآخر الغيري للأمثولة والمتمثل في تمظهره في لحظات الإفراط التأكيدي لهذه الإمثول ، ومعياره الأصالة في تأكيد خاصيته الغيري عن الأول المادي ، وبذلك ينطلق الآخر عن غيريته التي تعد روحية وعامودية لأفقية الأول / الأنا المسيطر في الدقة المعلنة ، إن روحية الآخر التي لا تظهر إلا من خلال المغايرة أو المباينة التي تفرضها عملية اللامتساوي واللامشترك مع الأنا وهي بذلك قاطعة وتحتاج في تكرار خروجها عن المفهوم الشرطي للأنا إلى من يفسر هذا التمظهر في الحركة المستمرة للأحداث والأفعال في المسافة الجمالية على الخشبة ، وكأن الموضوع المراد نقده أو دحض أفكاره يطرح أفقياً من أجل تمظهر المختلف عنه عمودياً وأثره نفسي روحي يتبين على الطرف الغيري في الصراع على المسرح.
إنَّ نظرة دولوز للغيرية تأتي في كون الموضوع هو ليس فقط في تمظهر الغير في بعض حالات الظهور المعلنة أو التي يراد لها أن تظهر في دور ما ،بل هي حالة متداخلة في علاقاتها وتفاعلاتها التي تسهم في تأدية هذا الدور في ظهور ما وتمظهره المتكرر في حالات متعددة في الأحداث.
إنَّ ترجمة أفكار المخرج على وفق رؤيته الإخراجية يتطلب توضيح عمل المخرج على عناصر العرض المسرحي لإظهار الصورة الغيرية على وفق الملامح الغيرية لـ (دولوز) والتي يعمل على إظهار هذه الملامح في مشهدية العرض المسرحي للوصول إلى تأكيدات تمظهرية الانا والغير في العرض من أجل تجاوز سطوة الأنا التي تكرس حدودها في كل المسافة الجمالية على الخشبية ،وبالتالي يكون العمل على إظهار المتناقضات وإسقاط عملية التكميم المتعمدة على الآخر الغيري وتمظهره في العلاقات والتفاعلات في داخل الحدث ذاته ، ومن هنا يفرض واقعاً جديداً يظهر فيه الشيء والشيء الآخر في الوقت نفسه ، واقعاً غير مستقر غامضاً ومراوغاً ومذيباً للحدود التي فرضها (الأول / الأنا) في علاقاته وتفاعلاته في تكوين خطابه ضد الآخر ، فكسر الحدود وزعزعة مفاهيم الأنا لأجل خلق مشهداً جديداً يكون فيه ظهور الآخر الغيري كبنية جديدة من التمظهر في العلاقات الواجب تكوينها في المشهد المسرحي ، حتى تبدأ عملية بناء سياق جديد من التكوينات قادرة على تشكيل الفضاء في العرض وفق رؤى جديدة قائمة على عدم الاستقرار والمراوغة لتذويب الحدود والتمركز التي أوجدتها الأنا في العلاقات مع الآخر الغيري.
إنَّ هذا الفهم الجديد في تشكيل العرض المسرحي لدى المخرج يتطلب فيه تكوين الرؤى الجديدة من خلال عناصر العرض المسرحي على وفق بناء العلاقات والتفاعلات الخاصة بتطبيقاتها على خشبة المسرح ، ومن أهم هذه العناصر هو الممثل الذي يقدم الشخصية الدرامية بعد تحويلها من نص مقروء خال من التعبيرات الجسدية فتحيله إلى كائن يتصرف على خشبة المسرح قادر على إظهار الرؤى والأفكار وتطبيقها في ضوء الأحداث المعروضة.
إنَّ الخاصة الأدائية لدى الممثل في المنظور الغيري تقوم على تأكيد الأفعال الغيرية في العرض من أجل إعادة المفاهيم المسلوبة إلى الواجهة التي غيب عنها الآخر بفعل التهميش والإقصاء ، ومن هنا يأتي فعل التأكيد والتكرار للوصول إلى الغاية المنشودة ، وأفضل مكان يتأكد فيه فعل الممثل في هذا المضمون هي الخشبة التي يشكل عليها فعله الثقافي الغيري تجاه (الذات الآنوية)، على اعتبار إن المسرح يشتمل على كل من الوساطة والتكرار يستحوذ على كل أداء ويجبر المشاهد على إدراك وجود شيء في طبيعة كل من المسرح والأداء يوحي بعدم وجود مرة أولى ، أو أصل فكل ما يوجد هو التكرار وإعادة العرض.
إنَّ طبيعة الأداء التمثلي الغيري الذي يعمل المخرج على توظيفه في العرض المسرحي يقوم أساساً على تهشيم المعلن ثقافياً لصالح المغيب ، إذ تتمركز العملية الأدائية التي تنسب إلى الأداء ما بعد حداثي على الحركة الدائمة للامستقرة ، وعدم الاستقرار هو نتاج لعدم الانتماء الذي يسعى إلى التغيير الدائم للوضع القائم أو للحدث الظاهر والتنفيذ يتطلب اشتغال على عدم جعل المعلن يثبت أو يستقر أو يأخذ فعل التأكيد في ذهنية المستقبل ثقافياً ، فالمثل في أدائه الغيري على الخشبة يعمل على تفكيك الرواية الرسمية من خلال الأفعال الضدية القائمة وعلى زعزعة المستقر ثقافياً في العصر عن طريق حركة دائمة وإحساس بعدم الانتماء ، أو رؤية لا تكف عن التغيير ، وان هذا الحدوث يشتمل على التحرر من الأشكال والأنماط المحددة. والسبب في أن الأداء على الأخص يعد مناسباً لتجريب ما بعد الحداثة هو انه يشاركه رفضه لان يشغل مكاناً معيناً ، فهو يتأرجح بين الحضور والغياب ، وبين الانتماء وعدم الانتماء الذي يعطي للأداء التمثيلي الغيري صفة الرفض وعدم الخضوع للمعلن ومخالفته ثقافياً ، حيث إن الأداء الغيري في أسلوبه المراوغ يستند إلى زعزعة القصدية والتموضع والتمركز لصفات الغيري الثقافية المراد تأكيد المغاير لها وإظهاره في العملية الأدائية الغيرية التي تهدف إلى تشكيل المسافة الجمالية في العرض المسرحي.
إنَّ عناصر العرض الأخرى تسهم في دعم الجانب الثقافي الغيري الذي يريد المخرج إظهاره في العرض من خلال دعم الخصائص التي يقدمها التمثيل الغيري على خشبة المسرح والقائمة على عدم الانتماء للموقف المعلن المراد نفيه وإظهار المغيب ثقافياً ، لذلك فان الأداء الغيري للشخصية المسرحية ينطلق من توظيف الخصائص الأدائية بجسد الممثل ومكملاته غير الجسدية من ديكور وإضاءة وملابس ومكياج وإكسسوارات يحمل في طياته رسالة مزدوجة : احدها لذلك المتلقي الذي يشاركه منصة التمثيل ، والأخرى لمن يشاهده في صالة العرض هذه الرسالة عبارة عن مجموعة من الشفرات تتضمن داخلها معنى ما. وقد تكون هذه الشفرات أو العلامات سمعية (كلامية ، موسيقية ، مؤثرات صوتية... الخ) أو مركبة (كل ما يتعلق بالشغلات المنظرية فوق المنصة).
إنَّ ما تقدمه عناصر العرض الأخرى للأداء الغيري يسهم مساهمة فاعلة في إظهار ملامح العرض الغيري على الخشبة ، فكل عنصر من العناصر المكملة للأداء تساعد إلى نوع المكان المغيب ثقافياً ، مثلاً فالديكور يشير إلى نوع المكان وعلاقته في تحفيز الشعور النفسي عند المتلقي اتجاه هذا المكان ، فإذا كان المقموع ثقافياً ينتمي إلى حضارة أو ثقافة معينة فان الديكور قد يظهر الانتماء الثقافي وما وقع عليه وكذلك الأزياء والإكسسوارات أو نوع المكياج المستخدم كما أن للون سواء كان على مستوى الأزياء والديكورات أو على المستوى الإضاءة ، فان اللون له الفعالية ذاته في دعم الجانب الثقافي والاجتماعي والسياسي للآخر الغيري ، وكذلك بالنسبة للأصوات سواء كانت لغة معينة أو موسيقى دالة أو مؤثرة صوتي فأنها تسهم كلها في الإشارة إلى صورة ثقافية مغيبة أو موقف ثقافي يحاول المخرج برؤيته الإخراجية إلى إحيائها وتفعيل صورتها في ذهنية المتلقي الذي قد يغفل عنها بسبب انشغاله باحتياجاته الحياتية وهمومه اليومية ، لذلك فان كل من الأداء الغيري ودعم عناصر العرض الأخرى تعمل على خلق جو مسرحي قادر على إيجاد ارتباط بصورة فنية ثقافية تشير إلى الغيرية المغيبة ولها تأثيرها على الوضع النفسي والجسدي لكل من الممثل وأدواته الغيري والمتلقي لهذا الغيرية الثقافية المتصدية للأنا المتمركزة على موقف محدد من هذا الآخر الغيري.
إنَّ مستويات الظهور الغيري في العرض المسرحي على وفق الرؤية الإخراجية تنطلق في ثلاثة مستويات وحسب تكوين صورة الآخر في العرض ، وهذا المستويات الثلاثة تسهم من خلال مكملات العرض المسرحي في إنتاج الفعل والحدث الغيري على بناء وتطبيق الرؤية الإخراجية عند المخرج ، وانعكاساتها الحركية والصورية والسمعية في المسافة الجمالية التي يتم تشكيلها على الخشبة.
فالمستوى الأول (ألضدي) وهو الشكل المباشر الذي يعبر فيه عن الآخر الغيري ، وما يقع عليه من أفعال الذات الآنوية في تشكيل صورته وتسويقها في العرض المسرحي ، وهنا يبني المخرج هذا المستوى الذي يستمد صورته من دائرة العلاقات الثقافية والإنسانية التي تشكل طبيعة العلاقة بين الذات والآخر الغيري ، إذ إن الآخر في هذا الدائرة الثقافية هو المقموع ثقافيا بسبب العلاقات القمعية والاستعبادية إذ الأمر يتعلق بفعل ثقافي مرتبط بحالة المجتمع الحضارية وهو الفعل الذي نعتمده من أجل الفصل بين ما نقبله بوصفه ينتمي إلى دائرة العقل وبين ما نرفضه باعتباره لا عقلاً أولئك الذين شكلت أجسادهم الوقع الخصيب لارتحال السلطة، والذي انعكست أفعالها من خلال الأجساد والألوان والصور وغيرها مما يجعل إظهارها في العرض المسرحي يتمثل في الصراع الثقافي بين الذات الآنوية والآخر الغيري من خلال أجساد الممثلين أو الأزياء أو الديكور وغيرها.
أما المستوى الثاني في مستويات الظهور الغيري في العرض المسرحي فهو ظهور (مشهدي) وهنا يدخل في دعم الصراع الدرامي المسرحي ، إذ إن هذا الظهور يأخذ حضوره من خلال ما يريد أن يكون عليه الآخر من صورة مثالية يعمل على تشكيلها ويكون مسيطراً عليها في تحقيق وتبيين الأهداف الذاتية للآخر الغيري في فكرة الصراع بينه وبين الذات الآنوية المسيطرة في الصراع الثقافي المتشكل في العرض المسرحي.
وأخيراً يأتي المستوى الثالث وهو الظهور الغيري الرمزي في العرض المسرحي عن طريق المرجعيات الثقافية التي عمل الآخر الغيري تشكيل وجودها الفعلي وتحقيق كينونتها من خلال الصور الرمزية أو النظام التمثيلي الرمزي ، الذي ينتج أثاره في الألوان أو الديكورات أو الأقوال التي تعطي للوجود الرمزي الغيري مدلولاً مسبقاً على أن هذه الرمزية للآخر الغيري هي مؤشرة ثقافياً في دائرة العلاقات قبل الانطلاقية الفعلية في العرض المسرحي ، أي أن هذه الرمزية الغيرية هي التي تكونت بفعل سابق في صراع مخفي يظهر رمزياً في دائرة العلاقات ، وأن الذات الآنوية عملت على تشفير الآخر من خلال العمل على إبعاده ثقافياً عن الصورة المباشرة ،وبالتالي انعكس هذا الاستعباد على شكل رمزي شكل الآخر الغيري في منظومة الصراع الفكري ضد الذات الآنوية ، وهذا يظهر في العرض المسرحي في مستوى رمزي يؤكده المخرج في تكوين منظومة الصراع الدرامي من خلال الإشارات أو الإيحاءات أو الألوان أو الطقوس أو العادات التي يوظفها في الإشارة المرجعية الرمزية للآخر الغيري من أجل رسم ملامح الصراع بين الطرفين.

هذا النص

ملف
محمد كريم الساعدي
المشاهدات
81
آخر تحديث

نصوص في : فلسفة

أعلى