الأخطل الصغير بشارة الخوري - المتنبى والشهباء..

نفيت عنك العلا والظرف والأدبا
وإن خلقت لها إن لم تزر حلبا
خذ الطريق الذي يرضى الفؤاد به
ولا تخف فقديما ماتت الرقبا
واسكب على راحتيها روح عاشقها
ومص من شفتيها الشعر والعنبا
أفدى الشفاه التى شاع الرحيق بها
وهم بالكأس ساقيها وما سكبا
كأنها نجمة طال السفار بها
عطشى رأت وهى تمشى منهلا عذبا
توسدت شقتيه بعدما نهلت
وفارقت صاحبيها الليل والتعبا
ما للشفاه الكسالى لا تزودنا
فقد حملنا على أفواهنا القربا
بمهجتي شفة منهن باخلة
جاران تحسبنا إن تلقنا غربا
أهم بالنظرة العجلى وأمسكها
إذا قرأت على ألحاظها الغضبا
أنا الذى اتهمت عيناه قلبهما
فرحت أخلق من نفسى لى الريبا
أأمنع الشفة الدنيا ولو طمحت
نفسي إلى شفة الفردوس ما انحجبا
ويمطر الضيم في أرضي وأشربه
وكنت لا أرتضي أن أشرب السحبا
ذر الليالي تمعن في غوايتها
فقد حشدت لها الأخلاق والعربا
شهباء لو كانت الأحلام كأس طلا
في راحة الفجر كنت الزهر والحببا
أو كان لليل أن يختار حليته
وقد طلعت عليه لا زدرى الشهبا
لو ألف المجد سفرا عن مفاخره
لراح يكتب في عنوانه حلبا
لو أنصف العرب الأحرار نهضتهم
لشيدوا لك في ساحاتها النصبا
لكن خلقت لأمر ليس يدركه
من يعشق الذل أو من يعبد الرتبا
تعرى البطولة إلا من عقيدتها
والجبن أكثر ما تلقاه منتقبا
ملاعب الصيد من حمدان ما نسلوا
إلا الأهلة والأشبال والقضبا
الخالعين على الأوطان بهجتها
الرافعين على أرماحها القصبا
حسامهم ما نبا في وجه من ضربوا
ومهرهم ما كبا في إثر من هربا
ما جرد الدهر سيفا مثل سيفهم
يجري به الدم أو يجري به الذهبا
رب القوافي على الإطلاق شاعرهم
الخلد والمجد في آفاقه اصطحبا
سيفان في قبضة الشهباء لا ثلما
قد شرفا العرب بل قد شرفا الأدبا
عرس من الجن في الصحراء قد نصبوا
له السرادق تحت الليل والقببا
كأنه تدمر الزهراء مارجة
بمثل لسن الأفاعي تقذف اللهبا
أو هضبة من خرافات مرقعة
بأعين من لظى أو من رؤوس ظبى
تخاصر الجن فيها بعدما سكروا
و بعدما احتدمت أوتارهم صخبا
فأفزع الرمل ما زفوا وما عزفوا
فطار يستنجد القيعان والكثيا
تكشف الصبح عن طفل وماردة
له على صدرها زأر إذا غضبا
كأنه الزئبق الرجراج فى يدها
أو خفقة البرق إما اهتز واضطربا
نادى ابوه عظيم الجن عترته
فأقبلوا ينظرون البدعة العجبا
ماذا نسميه قال البعض صاعقة
فقال كلا فقالوا عاصفا فأبى
فقام كالطود منهم مارد لسن
وقال لم تنصفوه اسما ولا لقبا
سنبعث الفتنة الكبرى على يده
فنشغل الناس والأقلام والكتبا
ونجعل الشعر ربا يسجدون له
فإن غووا فلقد نلنا به الأربا
واختال غير قليل ثم قال لهم
سميته المتنبي فانتشوا طربا
وزلزلوا البيد حتى كاد سالكها
يهوي به الرحل لا يدري له سببا
يرى السراب عبابا هاج زاخره
والرمل يلتحف الأزهار والعشبا
إيه أخا الوفرة السوداء كم ملك
أعاضك التاج منها لو بها اعتصبا
غضبت للعقل أن يشقى فثرت له
بمثل ما اندفع البركان واصطخبا
هل النبوة إلا ثورة عصفت
على التقاليد حتى تستحيل هبا
ما ضر موقدهاوالخلد منزله
إذا رمى نفسه في نارها حطبا
طلبت بالشعر دون الشعر مرتبة
فشاء ربك ألا تدرك الطلبا
إذن لأثكلت أم الشعر واحدها
وعطل الوكر لا شدوا ولا زغبا
لولا طماحك ما غنيت قافية
بوأتها الشمس أو قلدتها الحقبا
قد يؤثر الدهر إنسانا فيحرمه
من يمنع الشيء أحيانا فقد وهبا
أبا الفتوحات لم تزج الخميس لها
ولا لبست إليها البيض واليلبا
تأتى التخوم فتلقاها مهللة
مثل المريض أتاه بالشفاه نبا
ما الفتح أهدى إليك الروض والسحبا
كالفتح جر عليك الويل والحربا
ولو فتحت بحد السيف لانحطمت
تيجان قوم حشوعا الظلم والرهبا
ما كل ما يتمنى المرء يدركه
ويدرك الغاية القصوى وما طلبا
خذ ما تراه ودع شيئا حلمت به
فرب حلم جميل أورث العطبا
يا ملبس الحكمة الغراء روعتها
حتى هتفنا أوحيا قلت أم أدبا
كأنما هي أصداء يرددها
هذا إذا بث أو هذا إذا عتبا
قالوا استباح أرسطو حين أعجزهم
وإنه استل من آياته النخبا
مهلا فما الدهر إلا فيض فلسفة
يعود بالدر منه كل من دأبا
من علم ابن أبي سلمى حكيمته
وقس ساعدة الأمثال والخطبا
يا خالقا جيله لولاك ما عرفت
له الأواخر لا رأسا ولا ذنبا
آمنت بالشعر مذ أنشاك آيته
وكان عرشا من الأصنام فانقلبا
أضرمت ثورتك الهوجاء فالتهمت
من القريض الهشيم الغث والخشبا
وغال شعرك شعر الكائدين له
لنفسهم حفرت أيديهم التربا
حتى رجعت وللأقلام هلهلة
فى كف أبلغ من غنى ومن طربا
عفوا نبى القوافي أى نابغة
لم يزرعوا حوله البهتان والكذبا
منعت عنهم ضياء الشمس فانحجبوا
فهل تلومهم إن مزقوا الحجبا
لم ألق كالشعر مظلوما فقد حشدوا
لحربه حسد الحساد والنوبا
يرمى بكل قبيح من مثالبهم
ويرفعون له الأنصاب إن ذهبا
مثل المسيح تغالوا فى أذيته
وألهوه ولكن بعدما صلبا
قالوا الجديد فقلنا أنت حجته
يا واهبا كل عصر كل ما خلبا
أفكرة لم تكن فتقت برعمها
وجدة لم تكن أما لها وأبا
بعض الجديد الذي يدعونه أدبا
يموت في يومه هذا إذا وهبا
إن لم يكن لك حسن الوجه تعرضه
فقد ظلمت به اثوابك القشبا
أتسعد الروضة الخضراء بلبلها
حتى يفي الروضة الشهباء ما وجبا
أيقنت أن سعيدا آخذ بيدى
لما سما بى إلى إخوانه النجبا
أتيتهم فكسوني كل سابغة
وكنت ألبسها لا تبلغ الركبا
تيها عروسة سوريا فقد حملت
لك القوافي على راياتها الغلبا



---------------------------
(1) ألقيت فى الحفلة التكريمية التى أقامتها عاصمة سيف الدولة فى تشرين الأول 1935 لصاحب الديوان

هذا النص

ملف
بشارة الخوري (الأخطل الصغير )
المشاهدات
52
آخر تحديث

نصوص في : مختارات الأنطولوجيا

أعلى