مريد البرغوثي - رنّة الإبرة.. شعر

تطريز ثوبك صامتٌ ... و يقولُ
الأخضر المبحوح نايٌ ناعمٌ
مسته كف الريح و الراعي
و أزرقه دفوفٌ حولها شعلٌ و أحمره طبولُ
و منمنمات رسومه همس و إصغاء
و غامقها به نعس
و فاتحها له نفس
و فاجرها خجولُ
و الخط يصعد، مستقيما، من وقار الذيل
حتى الخصر
يلمس قوسه، و يميلُ
وفوق الصدر تصخب حفلة الأشكال،
زهزهة الجنائن،
مندرين هائجٌ
ذهبٌ و رمان ٌيرنُّ، وأشهبٌ يرنو
و كحلي كوخز الجرح،
عشبي كلذعة غصن نعناع بكوب الشاي
و الأكمام في وهج تجمع فوقه وهجٌ
و أسرار موزعة على كفيك خافية وبادية
و من زمن إلى زمن
تزوغ من الزوال ولا تزولُ
و سواد ثوبك إن حكى أوجاعه
أبكى العرائس و الشيوخُ
و ذلك الغيم الذي يمشي جوار الله حسب هواه
حتى لا يطيق الإكتناز بمائه فيسيلُ
هذا حدادك منذ كنت
فأي ذاكرة تسير على التراب إذا مشيت
و أي هول إن عتبت على زمانك
يا كريمة، و هو مقلال بخيلُ
من عهد كنعان البعيد
و من حكايات الخرافة
و هي تلمع كالذخيرة تحت توراة الحديد
و من خبيئات الموانىء في سواد البحر
و الحراس نصفٌ في سبات دائم، والنصف حولُ
لم يبصروا الأولاد مصرورين
في صوف البطاطين القديمة
و البغال تكاد تدمع و هي تحملهم وراء النهر
والأقفاص تأخذهم بعيدا فوق موج البحر
و انفرط المكان على الأماكن فجأة
لتضيع زينتنا على الطرقات
حتى ظننا الرائي قباحا في الخيام و لم نكن
بل إنه المنفى قبيح، و الرحيلُ
التين و الزيتون و البلد الأمين
و شال رأسك , كحل عينيك الإلهيّ
القلاع الغامقاتُ
رنين إبرتك التي وقعت على ليلٍ
سهرت سواده و بياضه
و مخدة الغيم التي اتكأت عليها
قامة السرو المسافر في الأفقْ
و خطى الضيوف
صهيل حب الهال
ضوء البرتقالة حين مال الغصن و انتبه الشفقْ
و يخور كهان الجبال
خطى الصحابيين
تربيت النخيل على القباب
و رعشة الرطب الجني
و شمسك الأولى و بحرك
كيف زُجّت كلها في خيمة
و الأزرق العينين يغزل أحجيات السحر
صحراء و خضّرها/
فسبحان الذي لم يعرف الأشجار
إلا منذ جاء الإشكنازيون من وارسو
لتكسير العظام على بيادرنا
ليغمرها حدادك و الحقولُ
متنا كما متنا، و نحيا مثلما نحيا
و نعلم أن من يلق العذاب كما لقينا
سوف يصفن صفنة، و يقولها
إن الفلسطني مخلوق جميلُ
ليل ينور ليله الليلي أكثر من قمر
فعلى رقائق قبة الذهب التي نعست، و ما نامت، قمر
و على أصابع ذلك الولد المحجب قرب متراس، قمر
و على قميص البنت وهي تميل نازفة، قمر
و على جبينك حين تلتفتين للجندي نافرة، قمر
و أكفنا بلهاثها الملحوق تطرق كل باب مغلق
والموت يلمع سنه المكسور في ضوء القمر
وسواد ثوبك صامت، لكن كفك منذ أن قالت، تقولُ
تدحو الفطائر كل عيد
أو تزوق للمواليد القماط
و تمسح الأحزان و الدم والبلاط
وتعصر الزيتون في القفف المهولة
تنسج الأزهار في ركن المخدة للصغير
وفي الصباح تشد شحمة أذنه
وتعالج البلل الغزير على السرير
ترد شالتها تعزي في القتيل
ترد شالتها وتذهب للتهاني
تزرع الريحان في الشرفات
تشغلها مقادير الأرز
وآخر الأخبار من جهة الفدائيين
والبنت التي حردت لأن حماتها وصلت
وأنباء الوفاق العالمي ووجبة الغد و الغسيل
مدي يديك إلى المراسي النائيات جميعها
لمي الصناديق التي حملت صغارك في سواد الموج
ربيهم
أعديهم ليوم الملك
فكي السحر والألغاز عنهم
واجمعيهم مثلما جمعت يداك الزعتر البري في الصبح النظيف
ومثلما علمت إبرتك الصغيرة
أن تلملم شارد الألوان في أطراف ثوبك
مثلما اجتمعت علامات القيامة بين كفك والأصابع
وهي ترمي صبرها في مقلع الصوان
ثم تهز أكتاف الشوارع وهي تقصي وهي تدني
وهي تحجب أو تنيلُ
أنت الكنائس والكمائن
والمساجد والمساجين الذين يراكضون زمانهم
بالقيد أو بالقرفصاء
وأنت من ماتوا على خط النهاية
والمتاريس المقامة حولهم
والفل والفولاذ أنت
وأنت ما في الشوق من غضب
وأنت اليأس مكتملا ، يحاول
أن يشد غزالة الأمل الكبيرة من رؤوس قرونها
أنت البقاء والابتداء
وأنت أول أمهات العيد
بهجته ودمعته
عمود الدار ، والبال الطويلُ
تمشين بين مسالك
فيها المهالك دانيات والنجاة بعيدة
والخوف كالذئب الأليف بباب بيتك
صامت، متنعم بالشمس
يغلق عينه ، ويطل بالأخرى عليك
على خطاك، على نواياك الصغيرة
فليكن!
خفنا بما يكفي لنذكر كل ماشاؤوا لنا نسيانه
خافي قليلا ثم مري من نداءات الجدود
إلى زقاق فيه حصة خوفهم
خوف الغريب من المقيم
وخوف زي العسكر الكاكي من الألوان تزحف في الطريق
وخوف عينيْ قاتل
من أن يحدق في ارتكابهما القتيل
أنت انكشاف الرأس في هذا العجاج بناره ودخانه
مري كأنك كل البلاد تمر بين عيونهم
فلك الطريق لك الطرقْ
ولك المكان على امتداد مكانه
لك وخز كوع جنينك المشتاق في جدران بطنك للحياة بحلوها وبمرها
لك قوة الموتى الذين تأبدت فيهم مطالبهم
فلا أحد يروّضهم
ولا أحد يخوفهم
ولا أحد يضللهم
ولا أحد يبدل فكرة سقطوا على دمها
فإن الموت نوع من عناد خالد
لا يبرح الموتى
وينتظرون،
ينتظرون في صبر طويل لهثة العداء
بالدمع الذي لا دمع يشبهه،
فمري، ولتمري الآن، مري بعد عام،
بعد أعوام
خذينا حيثما شاءت خطاك
وحيث شئت
وأينما أعطت يداك إشارةً
فهي الإشارة، والقيادة ، والدليلُ.

هذا النص

ملف
مريد البرغوثي
المشاهدات
25
آخر تحديث

نصوص في : مختارات الأنطولوجيا

أعلى