جليل طليمات - مختصر حول العلاقة بين الدين والدولة

إن الإصلاح الديني في المجال الحضاري لمجتمعاتنا ليس مجرد مسألة دينية أو لاهوتية وإنما هو أيضا مسألة دنيوية , سياسية بالتحديد تتعلق بتحرير الدولة من الدين , أي من الاستناد إليه لالتماس المشروعية منه لسلطتها وتشريعاتها وقوانينها , فبهذا " التحييد" للدين من تدبير شؤون الدنيا يتحقق الفصل الفعلي بين الدين والدولة ,فيحتل الدين, بالتالي موقعه السامي المتعالي كمجال مستقل عن أية وصاية أو توظيف له في الصراع السياسي وفي إدارة الشأن العام . ذلك هو مضمون العلمانية وجوهرها باعتبارها آلية لتدبير عقلاني للعلاقة بين الدين والدولة يمنع أي تخليط أو تشابك بينهما بما يحافظ للدين على هيبته ورفعته ,ويحمي الممارسة الفردية والجماعية لعباداته وطقوسه وشعائره , ويضمن حرية المؤمنين ويحصنها من تدخل أية سلطة خارجية مهما كان موقعها في الهيكلة السياسية للدولة . فهل يعني ذلك رفع الدولة يدها كلية عن الشأن الديني ؟
إن علاقة الدولة الحديثة بالدين هي بالتحديد علاقة تدبيرية للمجال الديني غايتها حماية الدين "كمشترك اجتماعي وإنساني وروحي" من أي استثمار في الحقل السياسي وصراع المصالح يحوله إلى أداة تفكيك وتدمير للرابطة الأساسية الجامعة بين أفراد وفئات المجتمع ألا وهي رابطة المواطنة , ولا سبيل إلى ذلك غير إعمال القوانين وتطبيقها بصرامة في مواجهة أي شكل من أشكال التلاعب بالدين أو توظيفه في التحريض على الكراهية والعداء للآخر المختلف رأيا أو مذهبا أو عقيدة ..ألخ , فمن مقومات وأسس الدولة الوطنية الحديثة ممارسة احتكار الحقل الديني والإشراف على تدبيره وتسيير مؤسساته بما يضمن إبعاد السياسي عن الديني الدعوي في التنافس على حيازة السلطة السياسية أو من أجل تحقيق مكاسب سياسية معينة بالاستناد إلى الدين كمشترك روحي واجتماعي وثقافي له هيبته وقدسيته في الوعي الجمعي. .
إن سياسة عمومية حيادية وتحديثية للحقل الديني هي ما ينبغي أن تشكل الرافعة الأساسية لمشروع الإصلاح الديني في مستوييه المعرفي والعلمي الذي يستهدف " إصلاح فهم الدين" والخطاب الديني من جهة , و"إصلاح تسيير "الشأن الديني" كمكون رئيسي من مكونات الشأن العا م عبر هيكلة وتحديث مؤسساته وتجديد خطابه بما يحقق الأمن الروحي للمجتمع ويحصنه من الفتن , من جهة أخرى .
وفي هذا السياق فإن الفعل الثقافي والتربوي التنويري للنخب الثقافية والعلمية يحتل مكانة مركزية حاسمة في مشروع الإصلاح الديني, وذلك لدورها المنوط بها ,ذاتيا وموضوعيا , في بناء قيمة المواطنة باعتبارها الرابطة الأساسية اللاحمة الجامعة بين أفراد المجتمع بغض النظر عن الاختلاف بينهم في العقائد ونمط التدين . إن نشر ثقافة دينية عقلانية متصالحة مع الذات ومع العصر, هو "الطريق الحريري" نحو إغلاق كل الأبواب التي تأتينا منها جراثيم التطرف الديني, ونحو الفصل الواعي والفعلي بين الديني والدنيوي , بين الإ يمان كعلاقة روحية حميمية بين الفرد المؤمن و خالقه , وبين السياسة كمجال للتنافس على السلطة ولصراع المصالح المتناقضة ...


هذا النص

ملف
جليل طليمات
المشاهدات
14
آخر تحديث

نصوص في : مقالة

أعلى