أفنان القاسم - الإسلام قبل الإسلام ومحمد غير محمد

لاحظت من خلال كتابتي الجديدة للكتاب المقدس في سفر التكوين ثلاثة أشياء، الشيء الأول: مصر الفرعونية كدولة عظمى في زمنها دكتاتورية بينما يؤكد علماء الآثار كلهم الديمقراطية التي كانت تسود حينذاك والحرية الدينية. الشيء الثاني: الوعد الإلهي بفلسطين والذي تكرر ثلاثمائة ألف مرة كان مجانيًا لمجرد التقوى. الشيء الثالث: الإلحاح على مقبرة الأجداد في الخليل مع جهل صارخ لكاتب التوراة بمكان قبر يعقوب في مدينتي نابلس، فهو يدفنه في الخليل.

إذن هناك علاقة للنص التوراتي بما يحيط به كصيرورة داخل هذا النص بالنسبة إلى زمن كتابته وليس بالنسبة إلى واقع كتابته، فالسياق الاجتماعي يختلف أو سيختلف بعد زمن الكتابة، والسياق السياسي كذلك.

السياق الاجتماعي: بعد اندثار بني إسرائيل كقبائل سامية كانت تعيش في غرب شبه جزيرة العرب، ودخول آخرين في الدين الموسوي الذي تركوه، صار اسمهم اليهود.

السياق السياسي: كرعاة وكأقلية كانوا يحلمون بالأمة التي سيكونونها وبالوطن الذي سيكون لهم وبالأرض التي ستكون لهم. ولتمرير ذلك كان لا بد لهم من نص ديني ذي خطاب إيديولوجي يتداخل فيه الخطاب الاجتماعي، فكانوا الموعودين في سِفر التكوين، وسيكونون المقموعين في سِفر الخروج، وستكون لهم مملكتهم في الأسفار الأخرى.

لكن مجرد جهل كاتب التوراة بمكان قبر يعقوب ينسف الادعاء بالوعد الإلهي، وبكل التوراة كفبركة إيديولوجية لمتهودي ذلك الزمان، الذين نقلوا إلى فلسطين معهم طريقتهم في العيش، وبنوا فيما بعد (أقول فيما بعد) مقابرهم ومعابدهم وبيوتهم (يعقوب في مدينتي نابلس لا كما قال كاتب التوراة)، فالخريطة المكانية للتوراة لا تنطبق على فلسطين، كما يؤكد علماء الأثار أولهم الإسرائيليون، وهذا هو حال من يهاجر من بلد إلى آخر حتى أمس مع الإيرلنديين في أمريكا، وإلى اليوم مع الطوائف اليهودية والإسلامية والبوذية في أوروبا.

بإمكاني أن اقول نفس الشيء بخصوص المسيحية عن التناص في الإنجيل كما قلت عنه في التوراة بين الخطاب الديني والخطاب الإيديولوجي والخطاب الاجتماعي، وعند هذه الدرجة من عرضي لن أربط الإنجيل كنص بنصوص أخرى نقل عنها كما لم أربط التوراة بنصوص أخرى نقلت عنها، نصوص سبقت ونصوص لحقت، المكتبات مشبعة بالأقوال والتقولات، لكني أرمي إلى إثبات أن كل نص ديني مرتبط بما يحيط به من ظروف اجتماعية وسياسية، وهذا النص يوظف إيديولوجيًا لتحقيق هدف ما، وكما رأينا في حالة التوراة لبناء مملكة إسرائيل في فلسطين القديمة.

الامبراطور الروماني قنسطنطين وضمنيًا كاتب الإنجيل جعل من الدين اليسوعي دينًا للمسيحيين، كما فعل كاتب التوراة من الدين الموسوي دينًا للمتهودين (لنقل اليهود)، فالدين بعد تبنيه دينًا رسميًا ينسب إلى ناسه، فيصبح الدين اليهودي، أو إلى رمزه، فيكون الدين المسيحي، أو إلى عقيدته كالدين الإسلامي.

وليكون الدين المسيحي الدين الرسمي للإمبراطورية الرومانية، أعيدت كتابة الإنجيل كما أعيدت كتابة التوراة، من الناحية الإيديولوجية، لتفي بالغرض السياسي، ألا وهو توحيد الشعوب الواقعة تحت الحكم الروماني، وبعد ذلك إقامة حكم للكنيسة مباشرة دون وسيط. منطقيًا المسيحية السائدة ليست المسيحية من وجهة نظر المسيح (أنا أسلم بوجود المسيح بينما هو صورة خيالية كما هو شأن كل أنبياء التوراة) بل من وجهة نظر القوي قنسطنطين، لتدعيم ركائزه، ولف شعبه والشعوب الأخرى في دين توحيدي يوحدهم من حوله كفكرة أولاً وكإمبراطورية ثانيًا، تمامًا كالتوراة التي كانت فكرة أولاً ومملكة ثانيًا لليهود في دين توحيدي يوحدهم.

اعتمادًا مني على نفس الفكرة للتناص الداخلي في القرآن، وعند كتابتي الجديدة لبعض سوره، اكتشفت ما هو مذهل للعقل، وما هو مغير للتاريخ لو ثبت ذلك.

الخطاب الديني في القرآن يتداخل مع الخطاب الاجتماعي وخاصة مع الخطاب الإيديولوجي، وذلك من أوله (التسلسل من آخره) ابتداء من سورة الفاتحة حين يجري الكلام عن الضالين والمغضوب عليهم، النصارى واليهود. علمًا بأن الدينين اليهودي والمسيحي كالإسلام دينا توحيد وموحدين. لكن نعت اليهود بالمعضوب عليهم والمسيحيين بالضالين هو نعت على علاقة بموقف سياسي، سنرى ما هو ولماذا.

في سورة الناس وفي سورة الفلق هناك تأكيد على الشر كمقولة عامة تستحضر في تناصها نصوصًا في الدين والفلسفة لا تعد ولا تحصى، بينما لها في النص القرآني مدلول "معاصر" مرتبط بسياق اجتماعي جديد وبشرط سياسي ملح سأكشف عنه بعد قليل.

في سورة الإخلاص هناك تناص غير مباشر بين القرآن والإنجيل حين يجري التأكيد على وحدانية الله وخاصة على كونه لم يلد ولم يولد ، ولهذا دلالات إيديولوجية واضحة مقابل التثليث، ولكن لماذا الآن؟

في سورة المسد لماذا "أبو لهب"؟ لهب الابن هو رمز النار للزرادشتية، فما هي العلاقة الحقيقية؟

في سورة النصر مضمون إيديولوجي فاقع، لكن السياق غامض، فنصر الله والفتح غير محدد زمنهما بينما لدخول الناس في دين الله أفواجًا غاية سياسية، لشرط خاص هو عسكري بما أن الكلام يدور حول فتح ونصر.

في سورة الكافرون ادعاء فاضح، فالأديان السماوية المعروفة آنذاك كلها توحيدية، اليهودية، المسيحية، الصابئية، الزرادشتية، ومن يعبد الأوثان ليس بكافر في منطق ذلك الزمان. إذن الكافرون مستخدمة كمفردة جديدة في القاموس الديني، وهي موظفة لخدمة غرض سياسي ينتهي بالتهديد "لكم دينكم ولي دين" وليس بحرية الاختيار.

في سورة الفيل تناص تاريخي، فالأحداث تجري في اليمن، بينما يرمي النص إيديولوجيًا (التأويل الرسمي أحداث تجري في مكة) إلى أحداث تجري في بلاد فارس وأخرى في بلاد الشام وغيرها في عهد عمر بن الخطاب.

لهذا التناص التاريخي في سورة الفيل دلالات دامغة تخص القرآن كنص ديني وحكم الخلافة كنظام سياسي.

القرآن كنص ديني مكون من سور عديدة معرضة لإسقاطات تفترض تحريفه كما تم الإسقاط في سورة الفيل وبالتالي تحريفها، والتناص التاريخي للقرآن ولكل نص ديني عملة شائعة، في التوراة، في الإنجيل، في الصابئية، في الزرادشتية، وهذا يفترض أن للقرآن كنص ديني عمر لا يمكن تحديده، وتبعًا لوجهة النظر هذه، وبإملاء من راهن سياسي، القرآن كنص ديني كان موجودًا منذ مئات السنين إلى جانب التوراة والإنجيل والصابئية (الزرادشتية لم تكن موجودة قبل القرآن)، وهذه كلها أديان توحيدية تتداخل وتتخارج ولا تتفارق عن بعضها إلا ببعض السمات البنيوية الخاصة بكل منها.

ما هو دليلي على أن القرآن كان موجودًا مع الأديان الأخرى ومتوافقًا معها؟

أولاً: القرآن لم يذكر على الإطلاق الزرادشتية بين دفتيه، بينما تكلم عن يهود ونصارى وصابئة (المجوس كلمة عامة غير محددة بعقيدة أو بأمة) إذن الزرادشتية جاءت بعده، والزرادشتية هنا عند الفرس وغيرهم منذ مئات السنين، هذا يعني أن "المحمدية" أقدم.

ثانيًا: المعلقات جاءت بعد القرآن لا قبله، في العصر الجاهلي كما يقال، فالمعلقات أكثر تعقيدًا من القرآن من الناحية الجمالية، وأكثر تطويرًا من الناحية الفكرية، بالمقارنة مع سجع الآيات وسذاجة فكرها. إضافة إلى أن المعلقات في تناصها مع القرآن تنقل عنه بعض أبياتها، لا العكس كما يدعي البعض، أو كما يقول عميد الأدب العربي طه حسين بجهل كبير وبتضخيم أكبر، بكتابتها في العصر الإسلامي، وبالتالي فهي منتحلة، بينما كل تناص وإن شئت كل تداخل نصي يكون بنقل نصوص صغيرة عن نصوص كبيرة، بتطور أفكار كبيرة عن أفكار صغيرة، وهذا ما وقع مع المعلقات. ولا يقف الأمر عند ذلك، فكما طور شعراء المعلقات القرآن، المكتوب مئات السنين قبلها، طور المتنبي المعلقات، المكتوبة مئات السنين قبله، وسيطور ربما أفنان القاسم هههههه!!! المتنبي، المكتوب مئات السنين قبله.

ثالثًا: في حروب عمر بن الخطاب التي دامت حسب التاريخ المزور عشر سنين (يا للكذب ويا للافتراء! عشر سنين لتحطيم امبراطوريات شرقًا وغربًا وشمالاً وجنوبًا!) بينما هذه الحروب ها هنا لسعتها منذ قبل حكم إبي بكر بسنين طويلة، وحروب استراتيجية كهذه تتطلب تقنية قتالية عالية، وجنودًا في أعلى مستويات القتال، لا قطاع طرق وبدو رحل وقتلة حملة سيوف وخناجر، كما يقدم لنا الصورة الكاريكاتورية عنهم الفكر السائد والقلم الواطئ، وهم كانوا من التطور (كالأمريكان اليوم) بما يسمح لهم من مواجهة غيرهم. هذه العملقة القديمة للعرب نقرأ أصداء عنها في رد كسرى الفرس على رسالة عمر بن الخطاب، فيتكلم أنو شروان عن هجمات متكررة للعرب سابقة على دعوته إلى الإسلام، وعن اختطاف مكرر للفارسيات، ويحكي خاصة عن "الله أكبر" الذي يطالبه عمر بالإيمان به (التناص الثقافي واضح هنا فالقمر كان الله والله الجديد هو الأخ الأكبر للقمر) بينما يقول كسرى فيما معناه "وليش هالتعب؟"، نحن لدينا الله نفسه. وبدون أي بعد استراتيجي، يدعو العرب بآكلي الأفاعي، وهذا شيء طبيعي من حاكم يهدده عمر ويريد إسقاطه. إنه موقف أبي لهب بشكل من الأشكال، الزرادشتي الذي له النار رمز الإله، لا الإله حسب التأويل الحسب اللهي.

الخلاصة: اليهودية والمسيحية والصابئية ولنقل المحمدية ثم الزرادشتية كأديان كانت موجودة، وكانت متعايشة مع بعضها لسبب بسيط أنها كانت كلها أديان موحدة، لكن الحروب الطويلة التي خاضها ما يسمى فيما بعد حكم الخلافة فرقت الناس على كافة أديانهم من حول هذا الحكم، فلنذكِّر بحرب الردة، وليجمعهم من جديد، تبنى الحاكم آنذاك، كزميله الحاكم الروماني أو الحاكم اليهودي، الدين المحمدي دينًا للدولة، وخاض الحروب باسمه ضد الأشرار (مقولة الشر) بدعم الأفواج (مقولة الفتح والنصر) بعد أن حوله إلى دين الإسلام: محمد المسلم ألبسوه الرداء القريشي الذي نعرفه، وقرآنه هو قرآن عثمان في آخر "طبعة" له، طبعته الإيديولوجية الموافقة لفكر النظام وسياسته، بعد أن أحرق عثمان كل النسخ الباقية التي جمعها، وهذا هو مفهوم جمع القرآن، وأحاديث النبي زورها، فهي عن وعن وعن وعن وعن، وضاعت الطاسة كما كانت تقول المرحومة أمي.

تناص القرآن بينه وبين نفسه، أي التناص بين القرآن والقرآن، شيء مفروغ منه، إذا ما سقنا حملة الفيل، وإذا ما درسنا كودات الله، وإذا ما تكلم القرآن عن ضالين ومغضوب عليهم وكافرين، وقصده من لم يؤمن بالقرآن في نسخته الجديدة، وبمحمد في شخصيته الثانية، وفي اعتقادي هم قلة، لأن الإسلام دين توحيدي مع بعض الرتوش بخصوص الله تتعلق بإِيل أو بالتثليث أو بالربين الصابئي والزرادشتي يمشي على كافة الشعوب التوحيدية، فهم أولاً توحيديون، وهم ثانيًا بالتناص صنعوا لهم مكانًا مريحًا فيه، بعد أن نظروا إلى الرسول كحقيقة صارت، أنا شخصيًا أتعامل معها من هذه الزاوية.


الحوار المتمدن

هذا النص

ملف
أفنان القاسم
المشاهدات
17
آخر تحديث

نصوص في : مختارات الأنطولوجيا

أعلى