جعفر الديري - عبدالله خليفة: المسرح البحريني عاجز عن معالجة قضايا الناس

كتب – جعفر الديري

على هامش العرض المسرحي "السادة النواب" لمسرح الجزيرة، التقت "الوسط" بالكاتب والناقد البحريني عبدالله خليفة عضو لجنة تحكيم الأعمال المسرحية في حديث عن المسرح البحريني والتصورات والطرح الجديد الذي تقدمه المؤسسات والمسارح الأهلية ..
* هذه المسرحيات التي تعرض ضمن نطاق المؤسسات الخاصة والمسارح الأهلية هل تختلف عن تلك التي تعرض ضمن نطاق حكومي سواء في تجربتنا نحن في البحرين أو على مستوى الخليج العربي؟
- ذلك راجع الى النص والعرض، بمعنى هل يتجه النص والعرض الى قضايا عميقة، هل يقدم تقنيات جديدة هل هو على مستوى متطور، فكل هذه الجوانب هي التي تبين مدى جودة أو سوء العرض، اذ ان هناك مقاييس عامة فنية فكرية هي التي تحدد ذلك وليس طبيعة المنتج سواء كان شركة خاصة أو حكومية أو كان فرقة هواة أو أية مجموعة تقوم بالعمل، والمهم كيفية بناء العمل وتجسيد الدلالات الفكرية والفنية على الخشبة ومستوى أداء الممثلين فيما يطرحون وما يحشدون من أحلام الناس.

الموازنة ليست عائقا

* لكن ألا يمكن أن يشكل غياب الدعم المالي بالنسبة إلى المؤسسات الخاصة أو المسارح الأهلية عائقا أمام الانتاج المسرحي الجيد؟
- لا تشكل الموازنة عائقا حقيقيا أمام أي مبدع يريد أن يجسد ما يختلج في نفسه سواء كان مؤلفا أو كاتبا مسرحيا أو كان رساما أو ممارسا لأي شكل من أشكال الابداع، فالمهم ماذا يدور في داخله وماذا يريد أن يجسد ومن ثم يستطيع أن يتغلب على العقبات كافة. لكن الحافز الروحي العميق بعرض قضايا الحياة والناس تلاشت عند الكثير من الفنانين والمجموعات المهتمة بالشأن الفني، اذ يهتمون بشكل أساسي بمسائل الأرباح والشهرة، ولكن مسائل العرض الجميل والتأثير في الحياة مفقودة عند الفنانين عموماً، وعلى ذلك لو توافرت لديهم هذه القوة الروحية والفكرية لكان بامكانهم التغلب على أية عقبة، خذ مثلا السينما الايرانية فهي في بلد فقير جدا ولكن هذا البلد الفقير يفوز بجوائز سينمائية عالمية مع أنه ليست لديه امكانات مادية أو تقنية حتى، ولكن النخب الفنية في مجموعات بسيطة من الفنانين العاملين في مجال السينما يحترقون من أجل فنهم ويقرأون ويتابعون ويضحون بالكثير لكي يؤسسوا فنا سينمائيا جميلا، ولكنك تلاحظ أن الفن السينمائي العربي وخصوصا المصري وعلى رغم الامكانات الضخمة من أموال واستوديوهات فإنه ينتج أفلاما في منتهى الرداءة، فالمسألة اذاً ليست مسألة امكانات ولكن مسألة روح ومواقف وتأثير.
* ألا توجد أهمية للمال في العرض المسرحي، فالمسرحية تحتاج الى عدة أمور لتبدو بشكل جيد قادر على استثارة المشاهدين وتشجيعهم؟
- اعتراضا على هذا الكلام أقول انه عندما كان البلد فقيرا وكانت المسارح فقيرة والمثقفون فقراء في نهاية الستينات ومطلع السبعينات كان الفنانون ينتجون أعمالا أكثر جمالا وقربا من الناس، وكانوا في خلق مستمر وانتاج مستمر، ولكن عندما زادت أموالهم أصبحت اهتماماتهم مادية وتجارية فتقلص عندهم الدافع الروحي والثقافي لانتاج أعمال ابداعية، فبالتالي أصبحوا عاجزين ليس لضعف الأموال لديهم ولكن بسبب تراجعهم في الاهتمام بالثقافة وتحليل الحياة والاقتراب من الناس والابتعاد عن التغلغل في مشكلات الحياة وقضاياها، فحب التطور والاصلاح هو ما يخلق فنا عظيما. مايكل أنجلو مثلا لم يكن له رصيد في بنك البابا! ولكنه كان يرسم أكثر من اثنتي عشرة ساعة يومياً وهو متعلق بسقف الكنيسة، فهي عملية تضحية أساسا، ولكن الآن قلّت هذه التضحية. وهذا شأن لا يتعلق بالفن والمسرح فقط ولكنه شأن الثقافة عموماً، فاذا قمت بالتضحية من أجل الثقافة تهون كل الأشياء وتكون لديك قدرة على الانتاج. ولكن الآن تغير الأمر فلم تعد لدى الفنان القدرة على اعادة خلق الحياة ولم تعد لديه قدرة على خلق نماذج مشوهة في الحياة وتعريتها بحيث تعطي الجمهور دفعة جديدة، اذ نلاحظ مع تحولات ومحاولات الحريات المطروحة في الثقافة والحياة السياسية أنهم (أي الفنانين) غير قادرين على نقد أي شيء في الحياة على رغم أنهم كانوا يقولون ان الرقابة كانت السبب في منعهم من عرض مشكلات الناس، فالمشكلة اذاً داخلية لديهم أكثر منها قضايا خارجية تتمثل في الموازنة أو الرقابة أو هيمنة الدولة.

نماذج كاريكاتيرية

* الصورة التي حفظها تاريخ المسرح العالمي "لموليير" واجتهاده وراء تأسيس المسرح وعروضه المسرحية التي كان يدور بها من مكان الى آخر هل هي صورة لا تتوافر لدينا أبدا، بمعنى أن المخلصين الذين يعتد بهم تلاشوا تماما؟
- هناك مخلصون طبعا وهناك قلة من المستميتين في الانتاج الفني والمسرحي بأشكال بطولية أحيانا وهو أمر لا ينكر، ولكن يتم التوجه دائما ناحية توجهات معينة من الفنون الصعبة والغرائبية أو غير الشعبية. وموليير كان يحاول أن يمزج بين تقنيات الفن الجديد والوصول للناس اذ ان عملية المزج هذه هي التي تنقذ المسرح على مستوى تطور التقنيات الفنية وعلى مستوى تطوره كمسرح يعتمد على التذاكر. ولكن هنا في البحرين أصبح المسرح لا يعتمد على التذاكر لأنه لا يتجه الى الناس ولا يقوم بعرض جوانب معينة جماهيرية تجذب الناس، فبعض المسرحيين يقومون أحيانا بعمليات استخفافية بعقول الناس فهم يعرضون نماذج ليست نقدية جميلة وانما كاريكاتيرية ويتجهون الى الاسفاف على أساس أنه أسهل طريقة للشعبية ولكن هذا في حقيقة الأمر يعتبر إضرارا بالشعبية ذلك أن الشعب ليس غبيا بحيث أنه يقبل بأي طرح، فالشعب يريد أن تطرح نماذج شعبية ناقدة للحياة وتعطي متعة معينة، فحتى على مستوى المسرح في الخليج مثلا دولة الكويت استطاعت أن تخلق مسرحا جماهيريا ومتعة فنية لذلك وفرت الجانب النقدي في الحياة الاجتماعية وجانب المتعة، فأنت عندما تقوم بالاهتمام بالجوانب الفنية وتقطعها عن مجمل العملية الفنية، فإن ذلك سيؤدي الى ضمور المسرح، فالمسرح لا يعتمد فقط على الأدوات الفنية بل على المناقشة مع الناس، وما يجري الآن هو محاولة احتضان من قبل المؤسسات الحكومية لمسرح غير قادر على الصمود أو على الاعتماد على نفسه بشكل حقيقي.
* هل تبالغ المسارح البحرينية في تصوير المشكلات التي تعترضها؟
- الكلام عن هذه المشكلات ما هو الا تبرير لمشكلات فكرية وابداعية تعاني منها المجموعات الفنية، ففي بداية المسرح في البحرين كانت المسرحيات تعرض في أماكن متعددة وبسيطة جدا في عروض معقولة، فهل كانت الموازنة في ذلك الوقت كبيرة؟! اذن لا توجد عوائق حقيقية تواجه الفنان وهو يستطيع أن يقدم الجيد. والبحرين اليوم في مخاض ويمكن في السنوات الأخيرة أن تخرج من الحركات الاجتماعية الأخرى مسارح جديدة وامكانات جديدة اذ اصبح الجيل القديم غير قادر على متابعة المرحلة الجديدة التي يمر بها البلد والعالم عموما.
صحيفة الوسط البحرينية
العدد : 732 | الإثنين 06 سبتمبر 2004م الموافق 23 ذي الحجة 1440هـ

هذا النص

ملف
جعفر الديري
المشاهدات
29
آخر تحديث

نصوص في : مسرح

أعلى