1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة استخدام موقعنا، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات.. اقرأ أكثر.

العباس معافا - بكــــاء

  1. مقبرة القرية واقعة ما بين بيوتها وواديها من ناحية الجنوب ، كنت متوجها لها قاصدا ( عشة ) يسكنها رجل مسن ، كل ما أعرفه عن هذا الرجل بأنه ليس من أهل القرية ، قيل لي أنه يسكن المقبرة منذ زمن بعيد ، لم يستطع أحد من القرية أن يبعده عنها لأنه يقوم بالاهتمام بها ، لذا تركوه هناك .
    لم أعلم أمي عن ذهابي إلى المقبرة ، كنت عازما على نبش قصة لطالما أججت نارا لا تنطفئ منذ علمي بها ، لم أكن أعلم ما سأقوله ، لكن هناك ما يجب أن يقال ، لا أدرك من أين أبدأ ، لكن شيئا يحثـني على البداية ..

    بمجرد دخولي للمقبرة شعرت بشيء يخترقني ، بشيء يصفعني بمقت ، ألم حقيق لا أستطيع احتماله .

    عشة الرجل قابعة في ركن من أركان المقبرة ، نور بسيط ينبعث من ذلك الركن ، مضيت إليه وجلا ، توقفت أمامه ، ناديت يا عم .. يا عم ، قليلا إذ به يخرج من عشته متوكئا على عصاته .

    قال : من ؟

    قلت : أنا .. !!

    قال : أنت من ؟

    ذكرت له فلانا وقلت : هل تذكر هذا الاسم ؟ .

    جلس على كرسيه الواقع بجانب باب العشة صامتا .. رأسه للأسفل ، كررت سؤالي : هل تذكر هذا الاسم ؟ .

    قال : نعم أذكره .. ( وصمت ) .

    جلست على الأرض بمواجهته ، منكسا رأسه لا يزال ، قلت له : ماذا تعرف عنه ؟ .

    للحظات بقي صامتا ، أعدتُ عليه سؤالي .

    قال : الله يرحمه .

    قلت : آمين . وماذا ؟

    قال : ماذا تريد ؟

    قلت : أنت تعلم ما أريد .

    رفع رأسه باتجاهي قائلا : الله يرحمه أينما كان .. !!

    قلت : أنت الوحيد من يملك إجابات لأسئلتي ، أدرك أنك الوحيد الذي يملك راحتي ، تعرف الكثير عن خفايا هذه المقبرة ، وأعرف أن لديك بغيتي .

    قام من مكانه متوكئا على عصاته ، من جلستي قمت ، خلفه بقيت .

    قال : هناك . ( وأشار بعصاته على ناحية من القبر) هناك كان قبره قبل أن .. ( وصمت ) .

    قلت : قبل أن .. ماذا ؟ .

    قال : قبل أن أفجع بما رأيت .

    قلت : أكمل .

    قال : قصته لا يعرفها أحد من أهل القرية ، أنا من شاهد القصة بعيني ، تلك الليلة كانت أغرب ليلة عشتها ؛ مفترق طرق لحياتي كلها ، لم أحك لأحد ما رأيت تلك الليلة ، شيخ القرية هو الوحيد الذي أعلمته فقط ..

    قلت له : أكمل .

    تحرك من مكانه متجها لداخل عشته ، تبعته ، جلس على كرسيه الوحيد بداخلها ، أمامه وقفت ..

    قال : بعد أن دفناه ، تفرق المشيعون كل إلى بغيته ، كنت لا أزال محتفظا ببقية من فتوة ، دفناه بعد أن صلينا عليه العشاء ، عدت بعدها إلى مكاني هذا ، مرت ليلة على موته ، في عصر تلك الليلة ذهبت لقبره ، بالماء رششته ، عند غروب الشمس عدت لعشتي ، تلك الليلة .. ( وصمت )

    شعرت به يبكي ، قلت له : ماذا حصل تلك الليلة ؟ .

    قال : تلك الليلة رأيت ما لا أصدقه لولا رؤيتي له .. ( وصمت )

    سمعته يبكي فعلا هذه المرة ، كنت لا أزال ممسكا بنفسي ، قلت له : ماذا رأيت ؟ .

    قال : لم يعد له وجود في قبره ، نعم اختفى من لحده ، تلك الليلة سمعت أقداما تتحرك في المقبرة ، كانت الظلمة بهيمة ، لكني رأيت .. والله رأيت .. ( وصمت ) .

    استغرق هذه المرة في بكائه بلا انقطاع ، ذرفت عيناي ، لكني تغلبت على حالة البكاء ، قلت له : أكمل أرجوك .

    تخلص من بكائه قائلا : لا أدري ماذا رأيت ؟ لكنه بيدين طويلتين كلها مفاصل ، يتحرك بواسطة يديه ، جسده كجسد حيوان .. لا بل إنسان .. آآآآآه لا أدري هل هو حيوان أم إنسان .. كلاهما ، قدماه صغيرتان ، في أعلى ظهره ( مِـنْْـسَاب ) ، رأيته يدور حول القبر ، ما هي إلا لحظة حتى أخرج الميت من قبره ، علقه بـمنسابه وجره مختفيا ، لم أعرف ماذا أفعل ؟ ، باتجاهه ركضت ، لكني . لكني فشلت في اللحاق به ، بحثت عنه في كل أركان المقبرة لكني لم أجده .. والله لم أجده .. ( وصمت ) .

    استغرق في نشيجه ، لحظتها لم أحتمل ، رحت أغط في بكاء متواصل لولا أنه أكمل ..

    قال : لم أعلم بنفسي إلا وأنا أطرق باب شيخ القرية ، حكيت له كل ما رأيت ، ما هي إلا لحظة وإذ بشيخ القرية يجرني باتجاه المقبرة ، رأى القبر ، قال الشيخ لي ماذا حصل ؟ قلت له كل ما شاهدته ، قال لي أمتأكد مما تقوله ؟ قلت له بعينيَّ رأيت ، قال الشيخ حينها آمرا أن احفر القبر ، ترددت قليلا لكني وافقته ، أحضرت عدتي ونورا لنرَ ، كان القبر على هيئته لولا أن فتحة في ركن من أركانه بجهة اللحد عند رأس الميت ، حفرنا القبر ، لكننا لم نجد الميت بداخله ، تأكد الشيخ مما قلته وقال ( سعيد نباش ) والله هو .. !! قلت من هذا ؟ قال هو من أخذه ، ثم قال لي الشيخ أنه عندما زار الميت أيام مرضه قبيل موته قال له أن سعيد نباش ( تِـحَـلاَّبُـهْ ) ، قال لي الشيخ أن الميت طلب منه طلبا بأن يجعل على قبره من يحرسه ثلاث ليال ، لكنه لم يفعل ربما لأنه لم يصدق مقالته ، قلت للشيخ أين هو الآن ؟ قال لي في علم الله ، أتبع الشيخ قائلا لي على أن ما حصل الليلة سيبقى بيننا ، قلت له نعم ، طلب مني أن أعيد القبر على هيئته وذهب ، أعدت القبر كما قال الشيخ وعدت لعشتي خائفا .. ( وصمت ) .

    كنت واقفا مكاني لا أدرك شيئا ، كل ما قاله لي كان كالحلم ، تمر الصورة على مخيلتي وأنا صامت .. نعم صامت .

    قال لي : أنت ثالث من يعلم ، لا أدري لم قلت لك ، لكن شيئا خفيا كان يجبرني على البوح بأمر هذا الرجل لك ، من أنت ؟

    قلت : أنا .. أنا .