العباس معافا - رائحة الموت!!..

جلستُ أحدّقُ في الوجوه ، يعتريني إحساس بالفزع ، كل الرؤوس في وجوم ، ترتسم في الوجوه رغبة في البكاء ، لم أكن راغباً في المجيء ، لكنّ شعوراً أرغمني ..
أطلنا الجلوس في حجرة متوسطة الحجم ، توسطها سرير رَقدتْ عليه الجــثة ، انبعثت منها رائحة ، أحسستُ برغبة عارمة في البكاء ، لم يكن على الميت ، لكنّه إحساس دفعني إليه تخيلي بأنّ الجسد الملقى على السرير كان جسدي ، والوجوه جاءت لتحمل التعازي إلى أهلي .
وأنا أمضغ إحساسي ، رأيتُ جسدي في مكان الجثة مستلقيا على السرير ميتا ، أرقــبُ الجـمع من مكاني وهم لا يدركون صحوتي ، على هيأتي بقيت ، أقرأ السطور المتلوية من حياتي على شفاههم ، ذلك الرجل المسن أظـنني أتـذكره وهو يقول : الله يرحمه ، رغم أنه ... لكن الله يرحمه .
أخي الصغير رأيته منهكا من صبِّ الشاي والقهوة للمعزين ، دمعتان سقطتْ في فنجان القهوة لحظة تقديمه لأحدهم ، لاحظه الرجل فامتنع عن قبولها متحججا بعدم رغبته ، كان أخي قد لاحظ انتباه الرجل ، قذف بمحتوى الفنجان بحركة مفاجئة فـي فمه وبكى بضحك .
لحظة متابعتي اقترب مني أحدهم نازعا الكفن عني ، أغمضت عينيَّ باقترابه ، فاجأني بقبلة على جبيني لم أشعــر بها ، انكفأ بعدها عائدا ، كان أبي جالسا بالقرب من جسدي ، لأول مرة أتأكدُ أنه يحبني ، يا الله ...
الوجوه لا تعنيها جثتي ، ذاك الصمت الذي كان طابع المكان تحول إلى جلبة ، تخيلت أني بسوق الثلاثاء ، لا أكاد أصغي لحديث حتى يبدأ آخر ، لم يكن ذاك الصمت إلا نقابا شفافا ، ما فتئ أن انطوي، كل انقسم إلى فريق ، المسنون ما انفكـوا عـن طــرح قضاياهم ، شيخ القرية لا يبدأ حديثا إلا بقوله : أنا يا جماعة الخير أخاف يوم الحســاب ، الأرض أصابها الجفـاف ، المـطر شحيح ، معي من يشتري أرضكم .
يرد ابن علي : الأرض عـِـرض ، لا أفرط في عـِـرضي .
يقول الشيخ : دعوكم منه .. هذا لا يعرف مصلحته ..
تصمتُ الوجوه ، ويبقى لسان الشيخ كالحية يسعى ...
في الجهة الأخرى جلس صحبي ، وجوههم لا تتغشاها لحـظة الحـزن ، يسترقون نظرة لجسدي الملقى ويكملون حديثهم ..
جابر المتحذلق دائما يقول : الموت يا شباب .. ويصمت ..
حسن : ماذا به الموت ؟
جابر : يعني .. أقصد .. أقصد إن الموت حق .
سعيد : أين سنسمر الليلة ؟
حسن : السهرة عند جابر الليلة ..
علا صوت بكاء النساء في الداخل ، صوته أعاد للوجوه صمتها الشفـاف ، كنت أفكر في موقفي لو كنت بينهم ، هل أهاب الموت ؟ أم أفكر في سهرة الليلة ؟
وكأني الليلة بعينين ثاقبتين ترى دواخل من حولي ، تستشف ما يجول بفكرهم ، أرى زيفا ينتصب أمام العيون ، مَــنْ كنتُ لهم صاحبا أرى أني لا أعني لهم الليلة سوى جسد ميت ، كل من حولي لم يجيئوا إلا لممارسة عادة وملء بطن ، ألا يعنيهم الميت ؟ أم لا يعنيهم الموت ؟
ألم يكن لا يعنيني ؟ لكنه جاء .. نعم جاء، ألا يتخيلون أنفسهم مكاني ؟
حتى النسوة اللاتي أسمع بكاءهن ، هم يضحكون ببكاء ، الليلة ..
الليلة فقط أستطيع أن أفرق بين البكاء والضحك ، لا أحد يبكي سوى أمي وأختي العـانس ، حتى هنا لا أشعر بحزن أحد ، أبي وأخي الصغير يمضغهما الحزن فقط ..
فجأة صــحوتُ من تخيـل أنني المـيت ، لا أزال جالسا في مكاني ، استنشقتُ من الوجوه ذات الرائحة التي تنبعثُ من جسد الميت ، لم أعد أحس حين صحوت من تخـيل أنني بما يدور في الخفاء .
فكرتُ في الانصراف ، قُمتُ قبل أن تختمر الفكرة ، قدَّمتُ التعازي لذوي الميت وأنا أنظر إلى الجسد الملقى على السرير ، في عجلةٍ هرعتُ إلى الخارج ، ترامى إلى مسمعي عويل النساء ، أسرعتُ في المشي ، أخذتُ نَفَساً عميقاً ، لعلِّـي أريد أن أثبت لنفسي بأني لا أزالُ على قيد الحياة ..
أكملتُ طريقي إلى المنـزل ، كانت القرية في نوم عميق غير عابئة بالموت ، كأنـها اعتادت أن تستنشق رائحته ، لذا لم تكترثُ .
أثناء سيري تداعت كل التخيلات إلى عقلي ، لعلني كنت أمارس ذات الزيف ، لكن لأني كنت ميتا لم أشعر بزيفي ، يا الله..
قفلتُ راجعاً إلى الـمنـزل ، دخلتُ إليه ، على مقعد يواجهُ الباب جلستُ ، انبعثتْ من المقعد رائـحــة أعـادتني لجـلستي في العزاء ، مــذعوراً قمتُ ، اتجهتُ لحجرة نومي ، أطفـأتُ المصباح ، رميتُ بجسدي المتهالك على السرير لتعود إلى خاطري صورة الـجـسد الملقى على السرير ، انتابتني قشعريرة ، حاولتُ أن أتفلتَ من أفكاري الـجـنـونية ،ْ جسـدي أرهـقته الأفكـارُ ...
ســأنـام ..
ربـمـا لــن أصــحو ...

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى