عذري مازغ - رويشة والفن الأمازيغي..

من المبالغة القول بان رويشة لم يضف شيئا، لكن من المبالغة أيضا القول انه أسطورة الفن الأمازيغي، على مستوى الغناء والصوت واللحن يمثل مغني محمد ذروته في الذكور ولا سبيل للمقارنة مع أصوات أخرى، وتمثل يامنة عقى اجود الأصوات على الصعيد النسوي (مع التغييب التام لمساهمتها الرائعة وهو إقصاء متأثر بموجة الفكر الذكوري مع المد القومجي في المغرب)، رويشة نقل النوطة الموسيقية إلى الأمازيغية عبر آلة الوتر (تتشابه نغماته مع وتر العود) ونقل بالتحديد مقامات فريد الأطرش إلى الفن الأمازيغي (مقام الربيع بالتأكيد) وهي مقاطع كان رويشة ينزلها كما لوكانت إلزامية أو لزومية في الإنتقال بين عزف اغنية وأخرى او في الفراغات بين الإنتقال من غناء بيت شعري وآخر، مع التأكيد أيضا أنها ليست وحدها، بل هناك أيضا مقاطع من النوتة الغوانية والنوتة العيطية التي أتى بها المرحوم بوزكري من مراكش (مقام أليام ومقام أجي لييا ألالة أونجيك دنوبي عليك، بعد ذلك مقامات من إبداع رويشة نفسه، مقام حارو عيني..)، باقي المقاطع في الأغنية كانت تخضع إلى إيقاع اللغة الأمازيغية (أويذ آمان أذسوخ، إسول إسول.. والبقية وهي بالتأكيد تلاعب بها رويشة فنيا بملإ الفراغات في كل الأغاني التي غناها) هذه الاغاني تشكل في إقاعها نمط النوطة الأمازيغية وهو مختلف بالطبع على المقامات الأخرى ، هذا مايجب التأكيد عليه: لكل لغة نوطتها الموسيقية المتميزة، وهنا يجب التنبيه إلى الفسيفساء التنقيحية في الفراغات، هذا بالتأكيد شيء أبدع فيه رويشة، لكن ليس الأمر أكثر من هذا، على مستوى الإبداع في الأغنية، أجزم أن كل الأغاني الأمازيغية التي غنت في فترة السبعينات وما قبلها الستينا، ثم الثمانينات وبداية التسعينات ليست أكثر من نقلة نوعية هي تحول الغناء في أحيدوس إلى الغناء في "القصارة" أي نقل أغنية أو أغاني كانت تغنى في أحيدوس الذي يعبر في نمطيته على نمط الإنتاج الرحالي ذي الميزات التاريخية المختلفة عن نمط الإنتاج في الملكية الخاصة وهو تحول عام مع دخول الإستعمار الفرنسي بانتقال الملكية الجماعية للأرض إلى الملكية الخاصة (هذا أمر يحتاج إلى تحليل متوسع انطلاقا من قراءة سيميولوجية لنمطية أحيدوس نفسه انطلاقا من شكله الدائري مرورا بفضائه البيئي وصولا إلى حركيته المعبرة بشكل كبير على نمطية الرحال)، تخضع النوطة لمنطق ما ؟ صحيح هي تخضع لمنطق اللغة، وكل الموسيقى بلغة ما، خضعت للترنيم بلغة أخرى غير إيقاعات لغتها هي من وجهة نظر خاصة تمثل تلوثا في السمع..ليس الأمر في سلامة النوطة، الأمر في سلامة اللغة، لا يمكن غناء أغنية امازيغية بنمط اللغة الإنجليزية (يمكن التماهي طبعا، لكن في سلامة الإيقاع الموسيقي للغة من خلال أختيار الكلمات ذات إيقاع التماهي، تتماهى إقاعات اللغة الامازيغية مع العربية المغربية وليس المشرقية وهي تعبير موضوعي عن التميز والتنوع، الأغنية المغربية العربية برغم مماهاتها المشرقية لها إيقاع نوطي خاص، عبد الوهاب الدكالي نموذجا).. استطيع القول بخصوص رويشة (ليس لي عداء شخصي معه، ولم أكن ممن رفضوه لكونه لم يغني الأغنية الملتزمة) كان رويشة خلاصة تحول كما أشرت سابقا( ليس هناك فرد يغير المجتمع، الأنساق هي من يغير المجتمع، وهذا ما يجب التأكيد عليه)، الأنساق بالطبع لا تعترف بالأسطورة بل هي نتيجة تراكمات، لم يقنعنا رويشة على نمطية اتجاهه الموسيقي في شيخوخته وابنه الوريث لشيخوخته لم يستطع برغم تملكه المعرفي الموسيقي الموروث من والده، لم يستطع أن ينال مكانة أبيه، والأمر في اعتقادي ليس في إتقان النوتة الموسيقية بل في غياب مباديء التأسيس للتنوع الذي عاش في صلبه رويشة نفسه (يجب التأكيد هنا بأن ترنيم النوتة وحده ليس كافيا فالكثيرمن الصبية الآن يتقنونها)..ثمة شيء هو سبب التنوع، هو تراكم الأنساق والتحولات فيها، رويشة متاثرا بمرحلة الشيخوخة ليس هو رويشة الذي تتقاذفه الأنساق الحيوية، يختلف أيضا رويشة الباحث عن "قصارة" ونشوة الخمريات عن رويشة المتربع في منزله ينتظر مكالمات هاتفية، يختلف كثيرا عن رويشة الزاهد في مرحلة التقرب إلى الموت التي لم ينتج فيهاسوى قصائد زهد لا تعبر عن الحياة، تعبر عن الموت المخيف، تعبر عن المخيال الديني المناهض للحياة، وهذه نقطة الضعف عند رويشة (تختلف طبعا أغاني الشاب رويشة المفعم بالتنوع الموسيقي عن رويشة المهيأ موضوعيا للموت) لذلك لم يبدع في أخر أيامه إلا ما يلازم ثقافة الزاهد المتصوف (الاغاني الدينية بشكل كبير في آخر أيامه مطبوعة برنة الضياع عن الحق: رويشة متأثرا بالمخيال الديني حول الآخرة في الفهم الإسلامي. نسي رويشة فجأة انه وليد بيئة ابي نواس في الخمريات.. ونسي أيضا انه ابن بيئة الأطلس المتوسط متمسكا بجذوره الشريفة.. في إعطاء صورة من التميز الأخروي بالإنتساب إلى الأسرة العلوية "الشريفة". إلى النبي بشكل خاص..نسي أنه هو في الحقيقة وريث ثقافة الأطلس المتوسط بخنيفرة بلد العهر والشيخات بكل معايير الثقافة المشرقية المترسخة في بنية العقلية المغربية ( مع كل التقدير لهؤلائي النساء اللواتي تحملن كل عبء الثقافة الإقصائية المشرقية)، رويشة متأثرا بمشرقيته الوهمية، كان ولا يزال رويشة المبدع في تحويل الترنيمة الأمازيغية ذات الإقاع الخاص إلى الترنيمة الدينية المنقحة بترنيمة الملحون في شكله الصوفي الديني، هذا بكل تاكيد ما يخافه عشاق الامازيغية على الرغم بأن رويشة تنكر بشكل مطلق لانتمائه الثقافي، رويشة الشاب ناطق للأمازيغية بشكل فصيح جدا، في شيخوخته ينطقها بلكنة معربة، من يصدق هذا التحول؟؟ يصدقه فقط منطق التحول تاثيرا بثقافة مابعد الإستقلال حيث النغمة الناصرية هي الذوق الرفيع (هذا هو ما يفسره تأثيره بمقام الربيع لفريد الأطرش، بخصوص هذا الصدد كان تأثيره بفريد الأطرش موسيقيا أكثر مما يعتقد البعض عن انه تأثير محمد عبد الوهاب ذي الصوت الجميل،).
لا شك أن بلاغة الجنازة في توديع رويشة هي أعمق من حجمه، ففقدان نظرة تؤسس للفن الامازيغي تستلزم عفويا مثل هذا الإعجاب، والحقيقة أن في الأمر ما يدعو للتساؤل، لا أحد مثلا يعرف شيئا عن عيشة تاغزافت، وأكثر من ذلك لم تثر جنازة حمو اليزيد مؤسس فن القصارة، ويتقن الضرب على العود والكمان وكذا الوتر والبندير أيضا، لم تثر سوى ذكريات للتأسيس، مع أن فن "القصارة" كما أشرت سابقا هو هذا التحول الإجتماعي من ثقافة الترحال إلى ثقافة الإستقرار (التحول من الملكية الجماعية للمزارع وحقول الرعي إلى الملكية الخاصة مع التفاوت التطوري الحاصل في المجالين: مجال الزراعة الذي استقر على الملكية الخاصة ومجال الرعي الذي بقي حتى حدود الساعة على أساس الملكية الجماعية متحولا إلى شكل ملكية مخزنية (أراضي المخزن أو أراضي الله من حيث الملك خليفته ليتحول المغرب إلى عزبة للملك)،
يتشكل مجتمع الترحال من أغصان لقبائل لها مجالها الزراعي الخاص ومجالها الرعوي الخاص (بعض الخرافات في التعليم الإبتدائي تقر بالأمر(مادة الجغرافية أساسا)، لكنها لم تقر يوما بأحقية ملكية هذه الجماعات لأراضيها بسبب التحول الكولونيالي في فرض الملكية الخاصة (الكثير من المزارع الجماعية أصبحت مزارع ملكية بموجب التفويت الإستعماري (الكولونيالية الفرنسية للمغرب مقابل عقود التبعية التي تحتل اتفاقية إكسليبن أهم إنجاز مغربي في عهد الإستقلال)، لا يهم الأمر الآن بقدر ما أن هذه الإشارات تساعد على فهم التحول من نمط إنتاج تقليدي رحالي في أساسه إلى نمط إنتاج مبني على الملكية الخاصة، لكن لماذا الغناء والرقص مرتبط بالضرورة بهذه النمطية من التحول؟؟
هذا بالتحديد مانريد ان نعالجه في هذا المقال العجالي المرتبط بصخب صيحة موت فنان امازيغي الطبع مشرقي الهوية بإرادة ذاتية، والأمر بالنسبة لي ليس تحاملي على مشرقية رويشة، ففي مغرب التنوع يمكن للمرإ أن يتدبر شكل انتمائه.
يتميز مجتمع الرحال بكونه مجتمع يحكمه الهاجس الأمني الطبيعي جدا، ليست هناك حدود دولة بل حدود مجالات يتحكم فيها نفوذ القبيلة استنادا إلى قوتها العصبية (أستند هنا إلى تعريف ابن خلدون للعصبية)، لا وجود لدولة الملك إلا في الوهم (سليمان العلوي اعتقل لدى القبائل الأمازيغية طيلة ثلاث سنوات أو أكثر) (زواج العلويين من الاطلس المتوسط كان يحكمه الهاجس الامني في أكثر من مرة)(حرق غابات الأطلس في الحاجب وأدار ووشن من طرف الملك إسماعيل العلوي (هناك تامريازت تغني بالأمر عند قبائل أيت بومزوغ وأيت معي لا يسمح مجال هجرتي لذكرها بالتفصيل الواجب، الرج بخنيفرة كنقطة جمارك وأشياء اخرى تستلزم استنطاق الأنتروبولوجيا المغربية التي لها علاقة باسماء مناطق معينة او لها علاقة بالتواصل البدائي لدى القبائل: إيش واكو: جبل الدخان، جبل عوام، إغرم أوسار..عاري أوسار، إيغزر أرسوظ (الواد الحار)... وما إلى ذلك).
يتميز سكان الرحل بإقامة خيام على شكل دائري يتوسطها قيام حضائر للحيوانات وبنك المنتوجات الإستهلاكية على شكل دائري أيضا، يمضي اليوم كله في الرعي الجماعي ليملأوا الحضائر منذ غروب الشمس،، الشكل الدائري عادة هو شكل التحكم في الرقابة (الكل ينظر في الإتجاه المقابل للكل الآخر تخوفا من هجمات أجنبية، هاجس أمني محض)، بعد يوم من العمل المضني في المجالات الرعوية أو الزراعية، يحتاج المرء للحياة الإجتماعية، بالنسبة للمتزوجين (لا أقولها بفهم ديني) لا مشكلة في الأمر بسبب العقود العرفية المتعارف عليها، بالنسبة للشباب الكادح يعتبر أحيدوس مجالا للعلاقات الإجتماعية، يتخذ أحيدوس شكل دائري أو نصف دائري والامر مبرر أنتروبولوجيا، في السهل تتخذ الخيام شكل دائري، في المناطق الجبلية الوعرة التضاريس تتخذ شكل نصف دائري تحادي فيه الخيام الواجهة التي تستلزم المراقبة، (تعبر صينية الشاي على هذا النمط أيضا وهي شكل انعكاس الحياة النمطية لشعب الرحل في عاداتها اليومية).. في مناطق السهول الشاسعة تتخذ القيم شكلها الدائري، يعبر أحيدوس على نمط ما بعد العمل حيث الحاجة للعلاقات الإجتماعية التي تستلزم التوالد والتكاثر وقوة القبيلة، هذه الأمور تتسم بشكل من التلقائية (لا تفترض المشاركة في أحيدوس مقياسا محددا وهذه أحد أسباب نجاحه عالميا وهو أحد أسباب إقحامنا في العهارة بالفهم المشرقي من منطلق العلاقات خارج الشرعية الدينية (خارج شهادة الشيطان أو الفقيه)، يفترض نوعا من التاقلم والتكيف وهو شكل من الإنتماء لثقافة القبيلة أو الإعتراف بها). كل الأغاني في هذه المرحلة عبرت عن هذا النمط، حتى في شكل تجاوزها للمألوف (الإبداع الشعري خصوصا، تشبيه الغياب باليأس: أوحرخ إناس إيوعذاوينو.. رحلخ أخويخاي أمازير: عييت أو سئمت، قل لعدوي (في الحقيقة حبيبي) خرجت من مقامك، أو تركت طللك): عادة لا تسعف الترجمة في الأمر: أمازير، هو بصمة الخيمة، مكان الخيمة عند الرحيل حيث لا ينبت في مكانها عشب وتبقى طللا يعبر عن فراغ ..« إسيريد وولينو أحشرافن ام أمازير: أنبت قلبي عشبا كما ينبتها طلل (في الحقيقة أمازير، بصمة الخيمة) ويقصد عشبا متقطع لا يفرش المكان كما يجب)....... هذه كلها أغاني رحالية لا تنتمي إلى منزلة الملكية الخاصة، هذه هي الأغاني التي اشتهر بها رويشة وهي أغاني تنتمي إلى جيل ماقبل رويشة، يعبر رويشة عن الأمر بتلقائية فريدة عن موقعه التحولي حين اعتبر مقام موسيقي بانه يقترن باسمه: رويشة في الأصل تعني مقطعا موسيقيا أطلسيا يمثل نقطة التحول بين الغناء والرقص الرحالي الجماعي والغناء والرقص الفردي الخاص، تعني كلمة رويشة في الأمازيغية خلط شيئا: يحكيها رويشة أيضا بامانة في أحد استجواباته كونه التقى مع فنان من عين اللوح: امره بالعزف، ولما نظر إلى اصابعه كيف تتحرك قال له : ثرويذ شا: مزجت شيئا، والحقيقة أن رويشة في الاصل هي مقام موسيقي خاص لم ترتقي المعرفة حينها لنسميها مقام موسيقي...

يتبع



* ملاحظة: أختلف في قراءتي هذه عن أكنوز المكي الباحث في التراث الغنائي الأمازيغي وصديق رويشة نفسه في قصائده التصوفية الملحونية


تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى