سفيان صلاح هلال - الحرفش..

أخبرتني أم عبدالرحمن أن رجلا طلب لقائي، وأنها أدخلَتْه (المندرة) وهو الآن في انتظاري
قمت ألعن زبائن صنعتي الذين لا يفرقون بين الأوقات في طلباتهم وسألت مستنكرا وأنا أضع رجلي في البلغة وألبس الجلباب الذي كنت خلعته توًّا من شدة الحر: "بالذمة فيه حد ييجي يقابل حد في الحر دا بعد صلاة ظهر الجمعة ويطلب منه أي حاجة؟".
حين نزلت وجدت رجلا أربعينيا ينتظرني ومعه طفل يرتدي ما يشبه لباس العريس المودرن أو رواد حفلات الأوبرا، رحبت بالضيفين وناديت لأطلب مشروبا ساقعا يرطّب على قلوبنا ولم أنسَ أن ألمّح لشدة الحر، وكأني أشتم الزائرين بالذوق، كان الرجل يقول:
"والله، ما له لزمة، إحنا جايين لك في موضوع كده، وربنا يجعل على إيديك الفرج".
لم أسترح لكلمة "جايين"! أن يأتي رجل لطلب ما، هذا عادي، لكن ما طلب الطفل عندي؟ ضحكت في سري وقلت لنفسي:
"ربما يكون الولد دا اللي عامل عريس بيحب البنت "ليلى" بنتي اللي في الحضانة وجاي يخطبها" وضحكت من خيالي، رغم أني لا أستبعد أي شيء من ناس هذه الأيام.
عرفني بنفسه، وأن اسْمه "إدريس" وولده "يوسف" وأنه أسماه تيمنا باسْم " يوسف إدريس" وأخذ يمدح فيه ويقدمه كنجم تليفزيوني وإذاعي استضافته بعض القنوات وكان في وسط كلامه يسألني: "تعرف المذيعة الحلوة اللي اسمها .....؟ ده استضافته وفضلت تبوس فيه،...، تعرف المذيعة المليانة شوية اللي اسمها ... ده استضافته وفي آخر اللقاء حضنته وادته بوستين على خدوده ".
تحسرت على أيامنا التي أكلنا فيه ضربا في الكتاتيب والمدارس والمنزل من آبائنا وأجدادنا وأساتذتنا بكل ما يضرب ومالا يضرب به بداية من العصي وحتى الشباشب لحد ما علمونا القراية والكتابة واحنا في تانية ابتدائي.. وزاد شكي في ما سيطلبه الرجل؟؟
- تحت أمرك يا أبو جو، ربنا يخليهولك ويبقى الهجان إن شاء الله وتحبه كل اللي تشوفه، ابتسم الرجل وهو ينهنه مثل الأبله
- سمعت إن حضرتك أديب وبتكتب وكده، والواد ابني باين اسْمه أثر عليه وبيكتب روايات زي نجيب محفوظ -ضحك وهو يقول-: هو حوّد شوية وما طلعش كاتب قصة زي يوسف إدريس، بس زي بعضه نجيب هو اللي خد نويل
- جميل جميل، ما شاء الله! روايات مرة واحدة! في سنة كام يا جو؟
- أولى إعدادي يا أستاذ
- ما شاء الله
- وكاتب ايه يا جو
- الرواية ده يا أستاذ، قدّمَ لي كشكولا مكتوب عليه (الحرفش)، هززت رأسي وقلت الكتاب باين من عنوانه
- طب ما تقرا شوية علينامن روايتك، صمت الولد ودفن وجهه في صدره واحمرت أوداجه، تدارك أبوه قائلا: أصل يوسف بيتكسف خد حضرت واقرا بنفسك
- فتحت الكشوكول وجدت الولد نقل نقل مسطرة اسم الكتاب، اسم المؤلف، دار النشر رقم الإيداع... غير أن كل كلماته تنقصها حروف المد والهمزات والنقاط .. قلت له ضاحكا:
- انت بتكتب بحروف العربية الأصلية ما شاء الله قبل النقط والترقيم والكلام الفاضي دا، رد أبوه:
- لأ، هو بيملي وأنا إللي أكتب له عشان سيل أفكاره ما يطقطعش، بس بأخلّيه يراجع ورايا ليكون نسينا حاجة كده
- ما شاء الله، طب عندي اقتراح، إنتم تشربوا الحاجة الساقعة وتسيبولي الكشكول دا وأنا أترجمه واقراه وبعدين تُفرَج
- وماله يا أستاذ أنا مسجله في الشهر العقاري ورقة ورقة!

هذا النص

ملف
سفيان صلاح هلال
المشاهدات
19
آخر تحديث

نصوص في : قصة قصيرة

أعلى