يونس بن عمارة - أنجيلكا دومينيكا هافنغتن.. قصة رومانسية قصيرة

“ثلاث عربيّات تيمنني،
في (جيّان)
عائشة وفاطمة ومريم
ثلاث عربيّات ظريفات،
كنّ يرحن لمشق الزّيتون،
فيجدنهُ قد مُشق،
في جيّان:
عائشة وفاطمة ومريم
فيجدنهُ قد مُشق
فيرجعن قانطات
والألوان ضائعة
في جيّان
عائشة وفاطمة ومريم
ثلاث عربيّات نضرات
كنّ يرحن لقطف التّفاح
فيجدنه قد قُطف
في جيّان
عائشة وفاطمة ومريم
دعهُنّ،
من أنتنّ يا سيّداتي
يا سالبات حياتي؟
نحنُ مسيحيّات، كُنّ مسلمات
في جيّان:
عائشة وفاطمة ومريم”

فدريكو غارسيا لوركا (الأعمال الكاملة) ترجمة: د. محمود صبح.

كانت هذه القصيدة تتصدّر هديّة ضخمة تُسمّيها أنجليكا بـ(مخزن حبيبي الصّغير) أهدتها لي.
لقد فرحتُ جدّا، فهذه الهديّة تحوي كلّ شيء تقريبا، من الجوارب والقُمصان الدّاخليّة إلى الأحذية الخفيفة وبيجاما إلى كتب متنوّعة طريفة إلى عطور وألواح صابون متنوّعة، وعلبة ضخمة أخرى تحوي لُبانا عربيّا وبخورا وبعض الأعشاب تقول أنجليكا عنها بصورة مُحبّبة للقلب:
– لقد ابتعتُها من صيدليّة الأعشاب!
وأخيرا: بطاقة بريديّة ضخمة وجميلة.
لم يكن فرحي لمادّيات هذه الهديّة، أبدا، فالهديّة مهما كانت صغيرة تعبّر عن المشاعر…
لكن حبّي أنا وأنجليكا… كان تحدّيا… فأمّها وأبوها ليسا موافقين لأنّي مسلم باعتبار أوّل وعربيّ باعتبار ثان…
– آه… كم كانت ثقيلة عليك…
منحتني قبلة وأنا أتلقّى (المخزن الصّغير!) ووضعته جانبا…
– حبيبتي… ولكن؟!

* * *

التقينا في جامعة أكسفورد، وكانت هناك، كما يقول الصّحافيّون (قصّة حبّ) وبعد شهرين من تعارفنا أوضحتُ لها أنّي مسلم، وأنّها مسيحيّة، وأنّ زواجنا من ناحية ديننا: جائز شرعا.
فقالت أنجليكا: “أجل؟ ولكن ألا تعلم أنّه مُحرّم… في ديني! سأصارحك يا أحمد… لقد تردّدت كلمة (ديني) على لساني غريبة المذاق… أنا لستُ متديّنة أصلا… كلّ ما أعرفه أنّي أحسّ بوجود إله عظيم… لا أعرف ماهيّته”.
– هكذا ستكونين كافرة إن لم تتأكّدي من إحساسك! ولا يجوز الزّواج بكِ!
– أحمد! هل تُحبّني أم تحبّ دينك؟!
أنا لا أحب ديني! أنا أحب الله وأحب صنعة الله التي هي أنتِ…
– إذن أنا حبّ فرعيّ من حبّ أصليّ !!
– يا عزيزتي!… لا تقارني نفسك بالله، الله خالق وأنتِ مخلوق…
– حسنا… إنّ هذا الموضوع شائك… سنواصل كلامنا عن الدّين…
– يجب عليك أن تكوني نصرانيّة حتّى النّخاع… لكي نستطيع الزّواج…
نهضت هنا بعصبيّة وقالت:
– أيّها العربيّ المتخلّف! أنت تحبّني من أجل جسدي… دينك… دينك! لا أحبّك مُطلقا… أحبّني أنا… ثمّ أجد كلّ شيء بعدي… لا تجعلني حبّا عاديّا…
– ولكن…
ولكنّها ذهبت غاضبة…
رويتُ هذه القصّة لصديقي في الكليّة (عليّ)… فقال لي: يا لك من غبيّ أخرق! مباشرة في الدّين؟ إنّها امرأة يا عبد الله… وفتاة… زد على ذلك نصرانيّة وفوق ذلك جميلة. الدّين لا يأتي مباشرة… املأ أذنيها بأحاديث العشق والغرام ثمّ… على الأرض السّلام…
– تريدني أن أخرج عن ديني…
هنا التفت إليّ ونظر إليّ نظرة مُرعبة… وأمسكني من كلا يديّ… وقال: هه؟! اسمع، الدّين هو الدّين… نحن مسلمون ولا أحد يُقارن بنا… أمّا القضايا الأخرى فاستعمل مفتاح (لكم دينكم ولي ديني) تزوّج بها ما دامت نصرانيّة… ولا تكسّر رأسها بالدّين مادامت تمتلك هي واحدا… ثمّ تركني وأنا في حيرة شديدة…

* * *

في الغد أرسلتُ اعتذارا حارّا إلى أنجليكا… مرفوقا بقصيدة حرصتُ على أن تكون لها نكهة نصرانيّة…
أرجو سماحك أيّتها القدّيسة الطّاهرة…
لقد كنتُ جاهلا سطوة نقمتك

اجعليني أركع في محرابك
أيّتها الفاتنة…
لكِ عيون شرقيّة… تقتل المحاربين…
لم يوقف زحف العرب في أوروبا
إلّا القدّيسات الفاتنات !!
وهنا زارتني في شقّتي المتواضعة… وبكت أمامي وقالت أنّها سامحتني… وأنّها ترجو أن أسامحها لكن،
– لكن لا أجد لك ذنبا أسامحك عليه !! أنتِ بريئة…
– لسنا في محكمة: سيّد حمدون! ألا تعرف كيف تخاطب فتاة تبكي؟!
– ومن أين لي أن أعرف، ليس هناك كليّة حبّ في الجامعات !!
– ومن قال أنّه لا يوجد؟… بل توجد… وأنا أستاذتها…
– حسنا… سأكون إذن طالبا لديكِ…

* * *

في لحظة ضعف صارخ وددتُ أن لا أكون مسلما، لذا فإنّي وددتُ لو رجعتُ إلى مصر بلدي وصفعني شيخي (محمّد الشّريفي) مئة صفعة.
ولكن حينما بعثتُ له بهمّي في رسالة كان ردّه هادئا كعادته وأنا ألمح نبرات صوته المعتادة بين السّطور.
يقول النّفسانيّون أنّ صاحب الصّوت الهادئ والرّزين واثق من نفسه ومن كلامه: “وددتُ ألّا تقول هذا الكلام، وددتُ لو أنّك لم تبعث لي تلك الرّسالة ، هذا ضعف كبير منك يا بُنيّ، النّساء كثير، وكرهك لدينك لأجل امرأة سيجعلك تتعذّب فليهدك الله يا بُنيّ، واقرأ القرآن، إنّ القرآن هدى القلوب”.
كنتُ أحبّها، وهذا لا يعني أنّي توقّفت، بل ازداد ذلك أضعاف كأعداد أسّية ترفع إلى قوى متصاعدة بمرور الزّمن لتُخرج أرقاما فلكيّة كما يقول العلماء.
” أنجيلكا دومينيكا هافنغتن” هذا هو اسمها، وهي انجليزيّة اكسفورديّة المولد لكنّها من أصل مسيحيّ لبنانيّ.
أبوها (صفوان اسطفانوس هافنغتن) وقد اكتسب لقب هافنغتن أخد أسلافها النّازحين من لبنان يُدعى سعيد الزحلي (من زحلة بلبنان) كان يتيما فتبنّاه لورد انجليزيّ منحه لقب (هافنغتن)، فلا تتعجّبوا إذن من هذا الاسم العربيّ المسيحيّ الانجليزيّ المُركّب.

* * *

كان جدّ دومينيكا حقيرا بما للكلمة من معاني النّذالة والبؤس، لقد أفسد علاقتنا بالرّسائل المخادعة التي يبثّها هنا وهناك، على لساني ولسانها… ومرّة أمسكني من يدي وقال بحقد: اسمع يا مُتخلّف، أتظنّني سأموت قريبا، لقد عشتُ الكثير ومازلت الضّعف… سوف تموتُ أيّها المُتخلّف على يدي، لا تستحقّ دومي، فلتذهب إلى الجحيم…
فقلتُ ردّا عليه:
– دومي (اختصار دومينيكا) لي، وسوف تخبرك بذلك وسوف أجعلك شقيّا، وسأعجل بروحك إلى النّار…
أخبرتُ الشّيخ الشّريفيّ بما حدث معي بالهاتف فأجاب:
– ألطف به يا بُنيّ، فسوف يصبح من ذوي رحمك، يجب عليك رحمته ومخاطبته بالمعروف.

* * *

“لم تعد تفكّر في أمّك، ولا أبيك يا بُنيّ وفاطمة التي أحبّتك، لقد تركتهم كلّهم يا بُنيّ، وركضت وراء أبجنيكا! هل وجدت فيها الأب والأمّ والصّاحبة والوطن؟! أرجو ألّا تكون (مكسوف الخاطر) يا بُنيّ فمهما فعلت فأنت فلذة من أبيك وروح أمّك”.
أبوك: مسعود الباجي.
وضعت أنجليكا الكأس وقالت بابتسامة صارخة: أبجنيكا!
وضحكت قليلا ممّا زادها روعة فقلتُ مُحمرّا قليلا من الخجل:
– أهالي مصر لا يعرفون النّطق الأعجميّ!
– وماذا يقصدُ بصاحبة؟! هل أنا صاحبة فقط؟!
– الصّاحبة… يا عزيزتي في اللغة العربيّة تعني الزّوجة!
– هل أمّك أمّية… لا تعرف القراءة والكتابة؟
– سيكون أبي أيضا جاهلا لو لم يكن شيخ كُتّاب.
– ها؟!
– وماذا تظنّين؟…
احمرّ وجهها قليلا لمّا تذكّرت أنّها قالت له ذات مرّة “يا مُتخلّف”…
ضحكنا معا من كلّ قلبينا اللذين اجتمعا معا على الحبّ…
اقتربت منّي بهدوء… فشممتُ منها رائحة عطرها الأنثويّ القويّ وأنفاسها المحرقة، تراجعتُ قليلا إلى الوراء… “ولكن أنجليكا !!… ألا ترغبين في تذوّق العصير الجديد؟!”
قالت بتذمّر طفيف: حسنا… سأنهض أنا وأجلبه من الثّلاجة…
تنفّستُ الصّعداء… ثمّ قالت بابتسامة تناست فيها صدّي لها…
– ألا تفعل النّساء العربيّات ذلك… تخدم زوجها بتفان؟!
– أجل… إنّهن يفعلن ذلك في الكتب فقط… أمّا الواقع !!
جلبت أنجليكا العصير… وبعد أن ملأت الكأسين… جلست بالقرب منّي… فالنّساء لا يستسلمن في الجولة الأولى!
قالت بهمس يوحي بالكارثة:
– ألم تقل أنّ الفاتنات الأوروبيّات هنّ اللائي أوقفن زحف العرب؟
أمسكت ياقة معطفي وجذبته جذبة قويّة لتقرّبني إيّاها وقالت: ولكنّك لم تستسلم إلّا لصدّي!
نهضت عن الأريكة من جانبي، وقد أحسستُ أنّ فراغا كبيرا انزاح من قلبي كقطعة جليد منهارة صرختُ بصوت عال: آه… رحماك يا دومينيكا… أرجو العفو.
قالت ضاحكة: العفو؟! ولكن ممّ؟
قلتُ وكنتُ وراءها راكضا وأمسكتُ بكتفيها… وقلتُ:
– حسنا… لا تعتبري هذا إهانة لك… أنا أحبّك يا دومي! كيف أهين من أحبّه؟
طوّقتني بذراعها… وقالت: سأحبّك وأسامحك، ولكن بشرط، انزع الصّيغة الرّياضيّة من كلامك… لا تقل أحبّك يا دومي فكيف أهين من أحبّه؟!! كُن رومانسيّا شاعريّا…
حرّرتني من ذراعيها، قبّلتني ثمّ قالت: لقد قرأتُ وشاهدتُ الكثير… ولكنّي لم أر حُبّا كهذا قط!… ودّعتني بابتسامة وأغلقت الباب…
مكثتُ وحيدا أفكّر… تُرى… ماذا سيكون ردّ فعلها من صدّي لها… كان عليّ! آه يا لي من غبيّ… ستذهبُ إلى واحد آخر… يا للكارثة…
لكن لنأمل ألّا يحدث إلّا الخير… لقد قالت منذ قليل أنّها تُحبّني… أجل! تفاءلوا خيرا تجدوه !!

* * *

كان يحلو لها أن أناديها (فاطمة)… قلتُ لها مرّة في المقهى ونحن نحتسي الليمونادة والمرطّبات: أتعرفين من هي فاطمة عندنا نحن المسلمون؟
– لقد عرفتُ أنّها بنت النّبي.
– أجل، صلّى الله عليه وسلّم.
– صلّى الله عليه وسلّم؟
– أجل… إنّنا نحبُّ نبينا لذا ندعو الله أن يصلي عليه أي يرضى عنه ويغفر له ويرفعه درجات ..وهو المغفور له المعصوم.
– إنّ هذا جميل.
– وفاطمة تُلقّب عندنا بالزّهراء…
– الزّهراء معناها المزدهرة والمنوّرة والجميلة كالزّهرة…
– هذا رائع…
أخرجت دومينيكا ورقة سلمتها لي فقرأت فيها…

وهم ليلة في نيسان

Fantasia de una noche de abril

“هل أنت يا سيّدتي، حبيبة (قزول)* العربي؟
لابدّ أنّك مجيبة بنعم.
بيد أنّ حبّي سينشدك عمّا قريب.
لحن ربابتي وأعذب لغة عربيّة
سمعتها نافذة عربية…” (هناك حذف)
“إنّي أحتفظ، يا سيّدتي، في كتاب أغانيّ القديمة.
بموّال ذي لغز أبيض
هو من أكثر المواويل نعومة
من أكثرها عذوبة
من أكثرها معرفة
موّال يستدعي نجوم عرابيا الواضحة
وأشذاء جنينة عربيّة أندلسيّة
سكونا… هاهو في الليل سلام البدر
ينير النّافذة العربيّة البيضاء…”
إلى أن يقول: “فإذا كنت أنت، يا سيّدتي، ظلّ الرّبيع الأبيض
بين أزهار الياسمين
أو كنت وهما قديما حلم به المغنون
في أبيات غزل عذبة
فإنّي لظل لأغانٍ قديمة
ورمز لجَبْر عريق في الحبّ
بئس المزدهون، إن أقوال العشق لأفضل
فالعرب سادة بيض الوجوه سمّار الليالي
فضعي في شفتيك يا سيّدتي مواويل الحياة
حكم الأوائل الشّاملة
وأنا كذلك يا سيّدتي ظلّ العشق والغرام”.
أنطونيو ماتشادو. القصائد الكاملة (باللغة الاسبانيّة) ترجمة دكتور محمود صبح.

وهنا طبعتُ قبلة عميقة على شفتي أنجليكا… التي أحسّت بزهو ملفوف بالحياء… وقلتُ بهمس… “للأسف أنّ أنطونيو توفّي، وإلّا فإنّه كان يستحقّك أنتِ!”
– لا… لا يوجد من يستحقّني إلّا أنت… ثمّ بدّلت الموضوع في سرعة:
– هل تدري… لقد وافق أبواي عليك، تقدّم للخطبة… وسوف يقبلونك عريسا لي !! لقد قمتُ بخطّة جهنّميّة… ثمّ طفقت تحكي لي بغرابة تامّة، كيف هدّدت والديها بالهرب معي إلى مصر وعدم رؤيتهما مجدّدا، وبينما أحمد طلبني منكم أكثر من مرّة وهو مجتهد في دراسته وأخلاقه عالية… وبعد مدّ وجزر وافقوا… وسوف يعطوننا شقّة كاملة لوحدنا… ملكا لنا وليست مُستأجرة…
– حقّا؟ أنجليكا؟
– أنا لا أكذب عزيزي…
– إذن تستحقّين عناقا كاملا الآن… ونهضت لأقوم ما يجول في رأسي عندما ردّت عزمي بابتسامة “لا يا سيدي! ليس الآن!”.
ثمّ قلتُ وكأنّي تذكّرتُ سيئا مهمّا.
– وجدّك؟
– لقد وافق أخيرا… قال إنّه يحبّني ويريد لي السّعادة فقط… وسوف أقوم في عيد ميلادك القريب بالمصالحة بينكما!…
– ميلادي؟
– أجل… الرّابع عشر من نيسان… ثمّ مدّت صوتها بنيسان كي أتذكّر قصيدة أنطونيو…
– حسنا… والزّواج…
– أيّها العربيّ العجول… الزّواج؟!… هناك شرط اشترطته أمّي… زواج في الكنيسة وزواج في المسجد حسنا؟
– أجل… سأتزوّج بك حتى في معبد فرعونيّ وبطقوس سحريّة!…
– حقّا؟!… ألا تخاف من الفراعنة؟
– أنا أخاف فقط من العيون السّاحرة…
– ها قد عدنا إلى الصّيغ الرّياضيّة قُل يا حبيبي… عيناك يا حبيبتي تثير نبض الخوف من مصيري… ومصير كلّ العشّاق… الموت عذابا بالحبّ…
– يا سلام… سأصبح زوجا… لساحرة وكاتبة وشاعرة!…

*قزول: أمير من قبيلة قزولة ينطق بالقاف البدوية، وهناك بلدة قرب مدينة شذونة تدعى قلعة بني قزولة (Alcola de los Gozules)

تنبيه: كلّ الأشعار حقيقيّة ونسبتها لشعرائها صحيحة، وليست من اختراع المؤلّف. (حقوق القصة الأدبية محفوظة ليونس بن عمارة -ديسمبر 2017)


* عن مدونة يونس بن عمارة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى