أدب المناجم عبدالرحمن مجيد الربيعي - أبرز شعراء المناجم في تونس ، محمد عمار شعابنية ينفض غبار الوقت بسخرية خاصة

محمد عمار شعابنية شاعر تونسي كأنه ( يصرّ) على التغريد خارج سربه, وكأن وجوده بعيداً عن العاصمة وفي مدينة (المتلوي) اقصى الجنوب وحيث مناجم الفوسفات الشهيرة قد جعله بمنأى عن شعر المدينة وحيث يلهث الكثيرون وراء (وهم الأسماء) ومحاولة تقليد (الرائج) و(الشائع) منها. ومن هنا فان محمد عمار شعابنيّة استمر على ايقاعه الأول الذي بدأ به مع زملاء له ارتأى بعض النقاد تسميتهم بـ ( شعراء المناجم) وارتضوا هم هذا الوصف بل وطربوا له. كما ان شعرهم أطلق عليه هؤلاء النقاد اسم ( الشعر المنجمي) , وكان محمد عمار شعابنية أبرزهم واكثرهم تمثيلاً لهذا الشعر. لكن السنوات الأخيرة شهدت غياب أصوات هؤلاء الشعراء ولم تعد التسمية متداولة كما هو شأنها في السبعينيات التي عرفت حركة أخرى سمي اصحابها شعراء من غير العمودي والحر. هؤلاء الشعراء صالوا وجالوا ووجدوا نقاداً انتصروا لهم. لكن الأهم في كل هذه الحركات طموحها الى تحريك ما هو راكد. اما نماذجهم فلم يعد منها الا الطاهر الهمامي لانه متواصل وكتب رسالة جامعية عن هذه الحركة صدرت في كتاب, ويظهر بين فترة وأخرى الشاعر الجيب زناد بقصيدة رغم انه انسحب انسحاباً شبه تام. ان محمد عمار شعابنية بقي يعيش ويعمل بين المناجم او في محيطها, ولم يغره نداء العاصمة ليتحول اليها, وصار يساهم في تنظيم ملتقى شعري سنوي هو من أثرى الملتقيات, وقد سمحت ظروفي شخصياً بالمساهمة في احدى دوراته وتقديم شهادة طويلة وللشعر حكايته الاخرى ضمها كتابي (الخروج من بيت الطاعة) . اذن نحن امام شاعر تتأصل تجربته ما دام يتواصل معها, ولم تتحول الى مجرد (حنين) لابد ان ايقاع السنوات يخففه. ولذا بقيت قصائده على انتمائها الى الشعر المنجمي مع نضجها بحكم الاستمرارية وتعمّق الرؤية وكبر المعاناة. وقد دعوت في اكثر من ندوة الى دراسة تجربة هذا الشاعر وألا يكون بعده عن العاصمة ومفاهيمها وندواتها سببا في اقصاء قصائده عن المدونة النقدية التي تنهل (غالباً) من المشهد الماثل رغم ان جل ما فيه لا يمثل الشعر التونسي الذي تتقاسمه مدن عدة بينها قفصة التي تتبعها (المتلوّي) ادارياً. من البيئة واذا كان أغلب ما ينشر من شعر هذه الأيام في البلدان العربية ينتمي الى (قصيدة النثر) بحيث اصبحت المسيطرة تماماً بعد ان حاز بها الكثيرون وناصبوها العداء فلم يفلحوا وتراجعوا فان شعابنية بقي شاعر تفعيلة. اما موضوعاته فكما ذكرت فهي ابنة بيئتها, وقد يبدو غريبا اليوم والقصيدة العربية تنكفئ الى داخل الشاعر وتتطرف في ذاتيتها لتتحول الى عملية تنقيب في هذه الأعماق وأحياناً بنرجسية فائضة حيث يعلو صوت (الأنا) ليكون المحور, كما يعلو رنين صبواتها وفيضاناتها وانكساراتها, أقول يبدو غريباً ان يخرج علينا شاعر مكتو بالهم العام, ومازال يتحدث عن الفقراء والكادحين ومشاغلهم. هذا ما يؤكده آخر دواوينه (غبار الوقت) الذي صدر منذ سنوات ولم ينل ما يجب ان يناله. في قصيدة (نمنمات على عظام سنمّار) يقول: (أنا بنّاء أشيدها القصور على نشيد الله للانسان ...... وفي برنامجي السكنّي أن أبني لكل مواطن بيت وللظّلام ما غنموا ضحاياهم اذا ماتوا وأغوال اذا حكموا لهم ما ينتج الفلاح والملاح والكدّاح وأثواب الحداد وزينة الأفراح) والسؤال هو: هل نجد شعراً عربياً كهذا في أيامنا هذه؟ كان البعض يرجعه الى ما شاع من شعر ملتزم في فترات طغيان الايديولوجيا. ولكن شعابنية ـ وأقولها بيقين ـ يكتب تجربته, يكتب وهو في ذروة صدقه, وأن هذه الموضوعات هي فعلاً شاغله. وفي القصيدة نفسها يقول أيضاً: فأصرخ انني بنّاء وكل حضارة مرت لها شرخ على كفي وصار عليّ أن أحتار لكي أختار). وربما كانت قصيدته (تنزلات مشغال ابن أبي كدح) تشير الى موضوعها لتمثله, وتشكل رحلة في عالم هذا العامل (مشغال ابن أبي كدح) . وعندما نتأمل عنوان القصيدة نجده واضح المعنى. فهناك (مشغال) ـ كثير الشغل ـ وهناك (كدح) أي العمل المتعب المضني. وتكاد عناوين قصائده ان تشي بمعانيها بشكل أقرب الى المباشرة, وهي (مباشرة) متعمدة. فالقصيدة الثالثة عنوانها (قطرة من عرق) وهو عرق الكادحين. او عنوان قصيدة (سيد السفن) التي تخرج من عالم المناجم وكدح عمالها الى معاناة بحّار. فيها يقول: (وللبّحار أن يحيا صراع الحلم والأوجاع يقول حبيبتي ارض تقشّر عمرها الأحزان ولي ملح الشوارع وانحناء الظهر والاصرار) ويقول عن بحاره هذا في القصيدة نفسها: (واذا يأويه جفن الليل بين تجعد الأمواج يفكر في اقتران الجوع بالفقراء). مرقوم قفصة وله قصائد اخرى في ديوانه هذا في الاتجاه نفسه منها (سقراط) يهديها الى رجل ثقافة جليل تعرفه مدينة قفصة بل وتونس كلها لذا اطلقوا عليه لقب (فيلسوف قفصة) الذي اختار بعد عودته من فرنسا الاقامة في مدينته وتعليم ابنائها حتى سن التقاعد. وهناك تعرف على نجوم الادب والفلسفة في فرنسا, وكان صديقاً لسارتر مثلاً. هذا الرجل هو عبد الحميد الزاهي الذي تحدث عنه ايضا في قصيدة (زخارف على مرقوم قفصيّ) و(المرقوم) نوع من السجاد الصوفي اليدوي المزركش, وفي احدى ساحات هذه المدينة جدارية كبيرة عنوانها (مرقوم قفصة) . اما (المناجم) فترد مراراً في قصائد هذا الديوان مثل (الوتد) وفيها يقول: (لوثة من غبار المناجم والوقت منتصف الصيف) ومن أهم قصائد الديوان (غبار الوقت) التي يحمل الديوان اسمها, وجاء في مدخلها: (تمر القصيدة شاربة من دمي فلا ارتضيها كلاماً فقط وأسكب فيها حياتين من عمري وأمنحها كل ما تشترط) لكن الشاعر رغم مأساوية قصائده فهو يمتلك سخريته الخاصة, سواء بما ينطق به في الندوات, او رسومه الكاريكاتيرية لبعض النقاد والشعراء التي ما ان يفرغ منها حتى يسر بها لتتنقل بين الحاضرين فتحيل الجو الجاد الى حالة استرخاء. لكن سخريته تمتد الى شعره ايضاً, كما في (واثبت للناس ان القصيد اذ جاع يأكل حتى مقصّ الرقابة) أو (المدينة اضيق من أحرفي فهي شبران واللفظ ميل طويل). وفي (الطقس قدر على النار) أو (بين ذاتي وبين التي عشّشت في حياتي فهي لي وطن وانها دولة قائمة). ان هذا الديوان (غبار الوقت) نموذج متفرد, يمثل اخلاص شاعره لخط بدأه ولم يحد عنه بل جعل من كل قصيدة جديدة له اشتغالاً عليه وتطويراً لمداه. لانه يجد فيه حياته التي يعيشها باخلاص غير آبه بما يحصل حوله, كأنه لا يسمع الا صوت قلبه, ولا يدوّن الا صدق دواخله.


ـ عبدالرحمن مجيد الربيعي

هذا النص

ملف
أدب المناجم
المشاهدات
6
آخر تحديث

نصوص في : ملفات خاصة

أعلى