د. يعقوب يوسف الغنيم - الرحلات

كانت الرحلات منذ القدم من الوسائل المهمة في حياة البشر وكان الناس لا يستغنون عن الانتقال من مكان إلى آخر طلباً للرزق وبحثاً عن المراعي. وتزايدت حاجة الإنسان إلى الأسفار والقيام بالرحلات مع مضي الزمن حتى صار لا يستطيع الصبر على مكان واحد وإن تغنى بحب الوطن، وإن حن إليه، وكلُّ هذا يظهر لنا في الأشعار العربية التي جاءتنا من الشعراء القدماء حتى لقد صار بعضهم يلجأ إلى الرمز عن ذلك، ويمثل له بحياة الطير في أماكن عيشها والريح في انتقالها من موطن إلى آخر.

ألم يقل الشاعر:

عصفورتان في الحجا = زحلتا على فنن
في خَامِلٍ من الريا = ض، لا نَدٍ ولا حَسَنْ
مَرَّ على أيكهما = ريح سَرىَ من اليمن
حيا وقال: درتا = ن في وعاءٍ ممتهن
لقد رأيت حول صنـ = ـعاء، وفي ظِلِّ عدن
خمائلا كأنها = بقيَّةُ من ذي يزن
هيا اركباني نأتها = في ساعة من الزمن

وجاء في رد العصفورتين عليه ما يدل على أن الوطن لا يُعادِلهُ مكان آخر إذ قالتا:

يا ريح انت ابن السبـ = ــيل، ما عرفت، ما السَّكَنْ
هَبْ جنة الخلد اليمن = لا شيء يعدل الوطن

هذا هو ما رواه أمير الشعراء أحمد شوقي، ومع ذلك فإن الناس يرتحلون، ويبحثون عن أماكن غير أماكنهم وإن كانوا يعودون إلى أوطانهم بعد انقضاء أوطارهم من الجهات التي رحلوا إليها.

وموضوعنا هنا له علاقة بهذا الحديث المتقدم وسوف نورد فيه ما يدل على ذلك، وسوف نصف فيه عادات الناس من حيث حب الانتقال ومن حيث عدم الصبر على مكان واحد، وسيجد القارئ أمثلة كثيرة على جميع ما نقول في هي حكايات مروية وأحداث تاريخية شهدها الناس ووردت في الكتب التي تخصصت في أدب الرحلات، وأمضى كتابها دهراً وهم يطوفون حول البلدان يستكشفونها، ويتعرفون على أهلها من حيث طباعهم ولغاتهم وأديانهم، ومن هنا نبدأ:

منذ هبط الإنسان على الأرض وهو يسعى فيها يكتشف جوانبها، ويبحث عن رزقه خلالها، فلا يستقر له قرار حتى يستطيع أن يعرف كل ما حوله منها. وقد نمت معه هذه الحاسة حتي ورَّثها لأبنائه من بعده، فصار الضرب في الأرض ميزة يمتاز بها الإنسان، وصار دأب بني آدم اكتشاف المجهول، والبحث عن الرزق في أكناف الأرض التي صارت لهم مقراً.

وقد ورث أبناء آدم من العرب ما سلكه آباؤهم من قبلهم فصارت لهم رحلاتهم المعروفة التي من أهمها رحلة الشتاء ورحلة الصيف اللتان كانتا من أعمال العرب الأوائل وكانت من أجل التجارة وكسب الرزق. وهما تتمان وفق شركة تأتلف لهذا الغرض ويسهم فيها أبناء قبيلة قريش، ويستفيدون من مردود ما يأتي إليهم منها، ولذا فإن الله عز وجل ذكر هاتين الرحلتين بقوله الكريم: لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ، إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ.

ولقد دعا الله المسلمين للسير في الأرض والبحث في جميع جوانبها لأسباب ذكرها في كتابه الكريم، ففصل ذلك كما يلي:

في سورة يونس الآية رقم 22

هو الذي يسيركم في البر والبحر

وفي سورة سبأ الآية رقم 18

وقدرنا فيها السير، سيروا فيها ليالي وأياماً آمنين

وفي مجال السير في الأرض من أجل الاعتبار بما حدث للأمم السابقة قوله تعالى في سورة الروم، الآية رقم 9.

أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم....

وانطلق المسلمون بناء على هذه التوجيهات السامية، وبعد ان تم لهم التمكن من الأرض، صاروا يجوبون الآفاق فينشرون دين الله، ويبتغون التجارة وينشرون العلم ويطلبونه من مختلف منابعه حتى لقد وجدنا بعد قليل مدى اتساع رقعة الدولة الاسلامية، ورأينا تعاظم التجارة، وكثرة العلماء الذين لم يكن همهم - فقط- علوم الدين، بل صاروا يهتمون بعلوم الحياة وينجزون في جميع فروعها.

ولقد صارت رحلات ابناء هذه الامة تاريخاً يذكر، ويسطَّر فيُقرأ. وظهرت إثرَ هذه الحركة التي جمعت بين الرحلة والعلم كتب مهمة مايزال بعضها قائما بين ايدينا تعاد طباعته بين وقت وآخر، يعطينا صورة الحياة في البلدان التي امضى فيها اولئك الرجال رحلاتهم فكتبوا عن مشاهداتهم.

واذا كنا قد اشرنا الى المؤلفات التي ظهرت حول موضوع الرحلات وجغرافية البلاد بصورة عامة فان من المهم ان نذكر بعض ما ورد من كتب:

1 - كتاب المسالك والممالك لابن حوقل، وهو من جغرافيي القرن العاشر الميلادي. اهتم بعلم الجغرافيا ودرسه على المختصين من علماء زمنه وألف هذا الكتاب الذي تحدث فيه كثيراً عن الأندلس وما فيها من أعمال وما تتمتع به من نمو في الزراعة وانتشار العلم.

2 - كتاب أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم لمحمد بن أحمد المقدسي، وهو أيضا ممن عاش في القرن العاشر الميلادي، انتقل في ربوع العالم الاسلامي، ودون كتابه هذا وكان مهتماً ببحث اختلاف اهل بلدان الاسلام في كلامهم واصواتهم وألبستهم وألوانهم ومكاييلهم وأوزانهم ونقودهم، وطعامهم وشرابهم وثمارهم ومحاسنهم وعيوبهم، وكل ما يتعلق بهم.

ولم يكتب المقدسي كتابه هذا الا بعد ان جال في البلدان، وحضر مجالسها وعرف عنها كل شيء. ثم بعد ذلك توسع في الحديث حول تلك النقاط التي أشرنا اليها، ثم حول الاماكن من الناحية الجغرافية والوصفية.

3 - كتاب نزهة المشتاق في اختراق الآفاق لمحمد الإدريسي، ولد في الاندلس سنة 1099م، وتعلم في قرطبة، ثم بعد ان استتم تعليمه اتجه الى معرفة البلدان، فكان حصيلة ذلك كتابه نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، وقد استعان بعدد كبير من الرحالين زودوه بمعلومات دقيقة عن البلدان التي لم يزرها، فجاء كتابه متكاملاً من عدة وجوه.

4- كتاب آثار البلاد وأخبار العباد لزكريا ابن محمد القزويني، توفي في سنة 1282م، بعد أن ترك هذا الكتاب المليء بالمعارف، وقد كتب في كتابه هذا كثيراً من المعلومات عن آثار الناس وبلدانهم وبخاصة ما أدرجه عن الصين من أخبار مهمة ولكن ما يتعلق بصحة ما ذكر انما نَضَعه على عاتقه لاننا لا نستطيع الآن أن نستدل على مدى صحة ما قال.

ما ذكرناه آنفاً هو ما يتعلق برحلات البر، ومعرفة البلدان وأهلها، ولكن البحر عالم آخر، وله من يهتم بالرحلات فيه، واكتشاف جزره ومخلوقاته والانتقال بسببه من بلد الى آخر، والبحارة هم أهل المغامرات، وأهل البأس، والقدرة على مجابهة الأخطار، إذ لا يخفى أن البحر من أشد الاماكن خطورة وبخاصة عندها تهب الريح قوية ثم تلعب بالسفينة بصورة مفزعة، ولا ينجي من عليها من البحارة والمسافرين الا رحمة الله سبحانه وخبرة النواخذة الذين يقودون السفينة في البحار فيخرجون بها من الظلمات الى النور.

ولقد تنامى عدد السفن كما تنامى عدد المسافرين واكتسب الناس معلومات مهمة عن هذا الكائن الضخم وما يحويه من عجائب وغرائب، فالبحر كما قال شاعرنا محمد الفايز اعظم ما يكون، ولذا وجدنا في آثار قدامى العرب كثيرا من الاحاديث والروايات والقصص تتحدث عن مشاهدات مهمة عرضت للبحارة وهم يمخرون بسفنهم آفِاق البحر، ثم يعودون الى بلدانهم لكي يحكوا لاهلهم عن هذه المشاهدات بل المغامرات التي حدثت لهم اثناء صراعهم لموج البحر وعبورهم بسفنهم من جهة الى اخرى.

ومن حكايات هؤلاء البحارة حصلنا على حكايات شعبية بعضها حقيقي وبعضها الآخر خرافي وتمتزج الحقيقة بالخرافة في بعض الاحيان في روايات معروفة لدى الجميع الى يومنا هذا ويكفي ان نذكر هنا بعض قصص ألف ليلة وليلة والسندباد البحري وغير ذلك مما رواه هؤلاء مما بقي دليلا على مغامراتهم البحرية وجولاتهم في البحار وسواحلها وجزرها ثم إنهم لم يتركوا أمراً من الامور التي صادفتهم حتى تحدثوا عنه بما في ذلك الحيوانات البحرية الضخمة والطيور الغريبة الشأن وما نود الاشارة اليه هنا ما يلي:

1 - رحلة التاجر سليمان: وهي حكاية أسفار بحرية كتبها الشخص المسماة باسمه في سنة 851م وقد وضعها في كتاب مستقل شخص يدعى ابوزيد السيرافي، وهو من اهالي القرن العاشر الميلادي، ولم يكتف بذلك بل اضاف الى الحكاية اخبارا أخرى عن اهالي بعض البلدان وكان يذكر بحارا كثيرة لا تتكرر اسماؤها اليوم، ولا مجال لنقل كل ما قاله عن مشاهداته، فالامر - إذن- يطول، ولكن من اراد ان يزداد علما بما جاء عن رحلة سليمان هذا فهي في مقدمات كتاب: الرحلات الذي الفه د. شوقي ضيف ونشرته دار المعارف بمصر في سنة 1956م ففيه تفصيل لا بأس به لهذه الرحلة.

2 - الرحلات الواردة في كتاب عجائب الهند بره وبحره وجزائره وهو من تأليف النوخذة بزرك ابن شهريار، وقد نَشَره احد المستشرقين في مدينة ليدن هولندا سنة 1886م ويلاحظ ان القصاصين قد زادوا على ما جاء في الكتاب، ولكننا نحصل منه على وصف بعض المخلوقات البحرية، والرياح العاصفة، والأمواج العاتية، وهي حكايات يصعب علينا إيرادها هنا لطول ما نحتاج اليه من وقت ولِسَعة المساحة المطلوبة لإيراد ذلك.

3 - رحلة الفتية المغررين:

وهي رحلة غريبة قام بها عدد من الفتيان من ابناء الاندلس في القرن العاشر الميلادي، وكان قصدهم اكتشاف البحار، ولكنهم لم يفلحوا في رحلتهم هذه اذ جرت لهم احداث كثيرة، ومضت عليهم مدة طويلة قبل ان يعودوا ثانية الى بلادهم، وهذه القصة موجودة بتمامها في كتاب نزهة المشتاق للإدريسي.

ولابد من الاشارة الى رجلين من الرحالة اللذين طبقت شهرتهما الآفاق، وطبعت الكتب التي ألفاها في وصف الرحلات التي قاما بها ولاتزال تطبع، بل ولا تزال المعلومات التي وردت فيها موضع بحث الباحثين في كل مكان، ولن يكون مقالنا هذا كاملا ما لم نتحدث عنهما ونورد شيئا من اخبارهما مع الاختصار، وهما:

1 - ابن جبير.

2 - ابن بطوطة.

وابن جبير هو محمد بن احمد الأندلسي، من مواليد بلدة بلنسيه الاندلسية في سنة 1145م وقد حرص والده على تعليمه حتى ظهرت مواهبه في علوم العربية، وفي قرض الشعر.

وبدأ عمله عند حاكم غرناطة، ثم عزم على الحج فاتجه في سفينة متجهة إلى مكة عن طريق الإسكندرية الى عيذاب حيث عبر البحر الى جدة، ومنها اتجه الى مكة المكرمة وأدى فريضة الحج، وذهب من مكة الى المدينة المنورة وبعد ستة أشهر قضاها في الاراضي المقدسة بدأ بالرحيل الى بلاده ماراً بعدد من البلدان، وكان لا يترك بلداً حتى يرى كل ما فيه، ويعرف طباع أهله، وقد كتب كل ذلك في مذكرات يومية، وقد جمع أحد تلاميذه هذه اليوميات التي كان يكتبها في أوراق متفرقة وجعل عنوان المجموعة تذكرة الاخبار عن اتفاقات الأسفار، وهذا هو ما سمي فيا بعد: رحلة ابن جبير ثم واصل ابن جبير رحلاته فزار مصر ووصف مدنها ابتداء من الإسكندرية، وكتب عن زيارته للديار المقدسة وزيارته لبلاد الشام، وبعد ان امتلأت نفسه بما يريد معرفته عن البلدان التي زارها عاد الى الاندلس، وفي الختام نورد ما كتبه الدكتور شوقي ضيف الذي قال عنه اخر الامر:

وأبحر ابن جبير من صقلية في اليوم التاسع من شهر ذي الحجة، وعاودته عواصف البحر ورياحه الهوجاء، وبعد تعب مضن وصل الى قرطاجة على الشاطئ الاندلسي في اليوم الخامس عشر من شهر المحرم 581هـ 1185م، وتابع السير الى غرناطة فانتهى اليها في الثاني والعشرين من هذا الشهر وكانت مدة رحلته سنتين وثلاثة أشهر ونصفاً.

ثم عاوده الحنين الى الشرق، فرحل إليه في رحلتين، وتوفي في الرحلة الثانية وهو في الإسكندرية سنة 1217م، وكان قد اعتزم العيش فيها الى نهاية حياته.

أما ابن بطوطه- محمد بن محمد الطنجي فهو من اشهر الرحالة العرب، طاف الآفاق، وكتب كثيراً من المعلومات عن الاماكن التي زارها، وكان معنياً بالعلوم الشرعية، بدأت أول رحلة له وهو في السنة الثانية والعشرين من عمره، وكانت إلى الحج في سنة 725هـ 1324م، وتمت عن طريق مصر من المغرب، وجدَّ له في هذه الرحلة ما فتح له مجال التجوال في البلدان حتى وصل الى الهند والصين، وكان قد جال في القطر المصري جولات واسعة- قبل ان يتوجه الى الحج.

هذا وقد دخل الهند في سنة 1333م، وتولى القضاء فيها وبقى في دهلي قرابة ثماني سنوات، وقد ذهب من هناك الى الصين والمالديف وشاهد سيلان والبنغال. وبعد سنوات عاد الى بلده، ثم اتجه الى الاندلس وطاف بمدنها، ولابن بطوطه كتاب كبير مكون من مجلدين يحويان كافة التفصيلات عن رحلته هذه، وقد اهتم به المؤرخون والجغرافيون العرب والاجانب لما ضم من معلومات مهمة وهكذا نعرف عن بلدان الدنيا حين يقدمها لنا ابن بطوطة في وصف دقيق.

جبل أهل الكويت على حب الرحلة، والانتقال من بلد الى بلد، ولكن ذلك إن حدث الان من أجل النزهة والترويح عن النفس، فإنه في زماننا الماضي كان لأسباب اخرى نذكر منها:

1 - رحلة الحج، وهي رحلة دينية مهمة فرضها الله على المسلمين، وفي الكويت يتم الاستعداد لها قبل موعدها، وقد كانت هذه الرحلة بواسطة الإبل، وكانت تستمر عدة شهور وذلك بسبب بعد المسافة، وضعف أجهزة التنقل لان الابل لا تستطيع ان تجاري في سيرها وسائل المواصلات التي تستعمل في وقتنا الحاضر.

وكانت للحج مراسم، وله رجال مختصون يمتلكون الإبل، ويسيرونها، ويستخدمون في ذلك عدداً من الخدم، وكانت الخيام في البلد الحرام هي مأواهم وعندما تنتهي مراسم الحج، فإن القوافل تتجه الى المدينة المنورة لزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم يحين موعد العودة، فيكون الناس في استقبالهم في الوقت المتوقع وصولهم فيه، فيفرح بذلك الكبار والصغار ويطمئن الجميع على سلامة حجاجهم.

2 - الرحلة في طلب العلم، في ذلك الوقت الذي نعتبره بعيداً كان عدد من ابناء الكويت حريصين على طلب العلم، ولما لم يكن في البلاد في ذلك الوقت من العلماء من يسد الحاجة فقد كان الراغبون في مزيد من التعليم ينتقلون الى بلاد أخرى من أجل التزود بالمعرفة، وقد بلغ الأمر ببعضهم ان قام برحلة دراسية الى القاهرة للدراسة في الأزهر الشريف على الرغم من بعد المسافة، والمشقة التي كانوا يعانونها.

3 - رحلة الغوص رحلة موسمية ذات أهداف اقتصادية، يخرج إليها عدد كبير من أبناء الكويت فقد كان الغوص على اللؤلؤ مورداً من أهم موارد المال للجميع. وكان العمل فيه شغلاً شاغلاً للبلاد كلها منذ خروج سفن الغوص الى عودتها، وكان مردود هذا العمل نافعاً سادَّاً لحاجة الأهالي من الناحية المادية. وللغوص نظام سنته الحكومة لكي يسير عليه أصحاب السفن، وله طرق عمل من حيث البيع والشراء في اللؤلؤ الناتج من عملية الغوص.

وللعاملين فيه درجات ولاستحقاقاتهم المادية ترتيب يتناسب مع الدخل. وكانت تجارة اللؤلؤ تجارة واسعة تصل الى الهند. وعندما يعود الغواصون فإن الكويت تحتفل كلها بعودتهم، حيث يخرج الناس الى الشاطئ في انتظارهم للاطمئنان عليهم، وابداء الفرح بهم.

4 - رحلات السفر، وهي من الرحلات المهمة في تاريخ الكويت كله، وقد أعدت البلاد لها عدتها من السفن التي كانت تصنع محلياً بأيدي عدد من الصناع الماهرين. والسفر بالسفن الشراعية هو الآخر من موارد العيش الكريمة في البلاد، وكان الناس جميعاً يحفلون به ويهتمون. والسفن تنقل البضائع من مكان الى آخر، ويتم عن طريقها البيع والشراء وهي تصل الى الهند وشرقي أفريقيا وتجلب الى الكويت بضائع كثيرة جعلت من هذا الوطن سوقاً كبيراً يَفدُ إليه سكان البلدان القريبة من اجل شراء حاجاتهم. وقد ألف عدد من النواخذة كتباً عن الطرق البحرية، وعن ذكرياتهم في أسفارهم وكان هذا العمل من أفضل أعمال أبناء الكويت وأكثرها جدوى لهم.

5 - رحلات التجارة: كان المرحوم صالح عثمان الراشد، من أكثر الناس حباً للأسفار ولم تكن أسفاره من أجل السياحة. بل من أجل التجارة واكتشاف الأسواق الملائمة. وقد مر بنا أنه كان قد تردد على مصر وجنوبي اليمن وأوروبا وله في كل هذه الأماكن أعمال ندرجها هنا:

كان المرحوم صالح العثمان من أوائل الذين سافروا الى أوروبا من الكويتيين لأجل التجارة، ففي سنة 1923م قام برحلته الأولى، وكانت بمثابة مغامرة لأنه كان خالي الذهن عن تلك المنطقة وكيفية التعامل مع أهلها والتحدث إليهم، وكانت المنطقة التي اتجه إليها هي فرنسا حيث استقر في إحدى مدنها وهي مرسيليا، وانتقل من فرنسا الى إيطاليا، وسكن مدينة ميلانو، ولم يكن من المستغرب على هذا الرجل ان يقوم بمغامرته هذه، وان يجازف بالسفر الى هذين البلدين النائيين عن الكويت ابتغاء البحث عن مجال تجاري يفيده ويفيد وطنه فقد كان - في ذلك الوقت - معروفاً بشدة البأس والقدرة على مجابهة الأحداث، والتصميم على تنفيذ ما يريده من أمور.

وكان قبل ذلك قد سافر الى مصر، فكانت له بها أعمال تجارية، منها انه افتتح له محلاً تجارياً في سوق خان الخليلي المشهور في القاهرة، ولم يكن عمله هذا مستغرباً فقد كان والده من تجار الكويت المعدودين، وكانت له قوافل تقوم بنقل البضائع وترويج التجارة بين الكويت وما حولها، وتنطلق حتى تصل الى مصر والشام.

ولا نستغرب ان يقوم صالح العثمان في أثناء وجوده في فرنسا بعمل وطني مهم، استطاع به ان يفتح مجالاً لأبناء الكويت يقومون من خلاله بتسويق اللؤلؤ الذي يحصلون عليه من خلال رحلات الغوص التي أشرنا إليها، ولم يكن أحد من تجارنا منتبها - قبل ذلك - الى هذا السوق المهم، وكانوا يقومون بتصريف ما لديهم من هذه البضائع المهمة عن طريق الهند وكان هذا يفقدهم كثيراً من رؤوس أموالهم لأن الوسطاء كانوا يستولون على نصيب كبير من حاصل البيع، ولذا فإن التعامل المباشر مع باريس فيما يتعلق ببيع اللؤلؤ سوف يكون أجدى وأكثر فائدة، علماً بأن تلك الفترة قد شهدت تراجعاً ببيع هذه المادة في الهند لأسباب متعددة منها كثرة العرض، ثم انتشار اللؤلؤ المزروع.

ولقد قام هذا الرجل باستكشاف الأسواق الخاصة بتجارة اللؤلؤ وتعرف مجالات العمل في هذه التجارة، وعندما حصل على المعلومات الشاملة لكل جوانب هذا الأمر، قام بكتابة رسائل إلى تجار اللؤلؤ من الكويتيين يبلغهم بالأمر، ويؤكد لهم إمكان العمل مباشرة مع فرنسا في هذا المجال بدلاً من اتخاذ الهند واسطة لذلك.

وأدى ذلك إلى قيام عدد من أبناء الكويت الذين يزاولون التجارة باللؤلؤ بعدة سفرات إلى فرنسا رغبة في فتح سوق لتجارتهم هناك.

كان أول المبادرين إلى ذلك المرحوم حسين بن علي بن حسين بن علي آل سيف، وذلك في سنة 1930م. وفي سنة 1932م، سافر إلى باريس للغرض نفسه المرحوم محمد بن شملان بن علي آل سيف، وفي الرسائل التي أرسلها هذان الرجلان ومن كان برفقتهما وصف لكثير من مشاهداتهم، بما في ذلك بيان أحوال باريس. وأساليب البيع والشراء بها، وتحدثت بعض رسائلهم عن سير رحلتهم من الكويت إلى ذلك المكان البعيد.

وعندما عاد هؤلاء كانوا محط الأنظار بين أبناء وطنهم، فقد سافروا إلى مكان بعيد، وشاهدوا مشاهدات كثيرة غريبة عليهم، إذ كان ما لفت أنظارهم هناك كثرة السيارات والقطارات والطائرات ودور السينما والمباني العالية والأسواق الكبيرة والشوارع الواسعة، وسفور المرأة، وكانت أحاديثهم حول هذه الأمور وغيرها مثيرة لانتباه مستمعيهم لما فيها من غرابة على أسماعهم في ذلك الوقت.

(انظر كتابنا ملامح من تاريخ الكويت صـ 30).

واستكمالاً لهذا الحديث الذي تناولنا فيه ما قام به المرحوم صالح عثمان الراشد، فإننا نورد أدناه نص إحدى رسائله، وقد كان أرسلها إلى المرحوم شملان بن علي بن سيف من مرسيليا في اليوم الثاني والعشرين من شهر محرم لسنة 1342هـ (1923م).

وهذا هو نصها:

حضرة الأكرم الأفخم العم الحاج شملان بن علي بن سيف المحترم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ثانياً من يوم 15 وصلنا إلى هنا لبعض أشغال تجارية وحيث إن الاستعلام عن سوق اللؤلؤ بفرنسا يهمكم أنتم وكافة الجماعة استفهمنا عنه من تجار اللؤلؤ بمرسيليا بواسطة رجل عربي مترجم وفهمونا أن سوق اللؤلؤ وأقيامه مثل ما هو من شهر 6 - 5 ما صار بها نزول ويقولون انه متدرج ولا يتأملون به نزول والرغبة عن كلامهم على المال الطيب الجون السالم من العيوب اللون والوردي ويوجد هنا رجل عربي مصري يعرف أربع لغات كتابة وقراءة وقد صار لي معه معرفة وكلفته بأشغالي التجارية ووجدته رجل ثقة أمين ناصح صدوق وقلت له ربما أحد من جماعتنا يرغب المجيء إلى هنا في لؤلؤ فهل يمكنك خدمتهم بصفة مترجم ودلال وأجابني أنه معتمد بكل ممنونية ويقوم بكل خدماتهم بترجمة ودلالة وغيرها وحيث إنه رجل طيب يستحق أن أمدحه كتبت لكم هذا أولاً للسلام عليكم وثانياً أعلمكم عن اللؤلؤ وسوقه. وثالثاً ربما ترغبون أنتم أو أحد من الجماعة التوجه لفرنسا فلابد أنكم تحتاجون لمترجم ودلال فهذا الرجل به فوق الكفاية واسمه جان إنجلو وعنوانه التلغرافي ANGELO 15 ARSENAL والذي يتوجه من بومبي يسوي له تلغراف من بومبي وهو يقابله بالمركب بمرسيليا ويقوم بكل لوازمه بأتم الأمانة والله يختار الصالح للجميع. وبما يلزمكم ممنونين سلامنا إلى الإخوان والله يحفظكم والسلام.

ولدكم

صالح عثمان الراشد

نكون الآن قد تحدثنا كثيراً عن الرحلات بكل أنواعها، وتناولنا خلال مقالنا هذا ما يخص الكويت وأبناءها من هذا النشاط الإنساني المهم، ولنا في المستقبل - إن شاء الله - عودة إلى موضوعات أخرى يكون فيها تحقيق لرغبتنا في بسط كل ما يتعلق بالحياة على ثرى الكويت، وبتاريخها أيضاً.




annahar.com.kw

هذا النص

ملف
أدب الرحلة
المشاهدات
5
آخر تحديث

نصوص في : ملفات خاصة

أعلى