قصي الخفاجي - بيضة النسر الأسطوري

على صخرة الرماد النابتة في كهف مظلم قرأنا نحن الحفاة الصغار أسطورة عجيبة خطها أجدادنا العظام بحذق وبراعة وفحواها يقول: كانت هنا يومًا بيضة نسر زرقاء باردة عثر عليها بدوي عجوز ودفنها في قلبه.
أعوام مرّت كالريح.. تشققتْ قشرة الأرض واختفت خطوطها وظهرت خطوط جديدة وهطلت أمطار وجفّتْ أمطار.. وريح سفتْ.. وسكنتْ ريح.. وعصفتْ أعوام، وأعوام وأعوام.. مات فيها البدوي وفقست البيضة.
حين هبطتْ طائرة جند الغزاة آخر مرة في الحرب الكونية الأولى انشقّتْ رمال الصحراء وهاجت الضواري والوحوش ودبّتْ هوام الجحور ورحل الرعاة إلى أودية التيه بحثًا عن العشب والكلأ والأمان (كان ذلك في فجر ندي بارد يوم خرج نسر دهري عنيد من أعماق الرمال وزعق بضراوة وهو يرى الطائرة تحمل جند القيادة الغازية فحام حولها ودخل محرّكها أثناء التحليق وسقطت وتفحّمت وتفحّم كل من فيها).

نحن الذين قرأنا يومًا تلك السطور الغامضة عن طريق الصدفة الآن كبرنا وشبّتْ أخيلتنا وشغلتنا فكرة الماضي الغابر (من صلب المحاضرة قادنا أستاذ التأريخ إلى تلك المجاهيل الباقية في عرض الصحراء.. رأينا آثار العطب الأسود حين وقف معنا ذلك الأستاذ في أجواء التأريخ الميداني على تلّة رملية متحركة وهو يشير بإصبعه الثابتة إلى تلك البقعة الباقية من الصدأ المنسي المتفحم) كان الأستاذ يسكب صوته الحزين في قارورات آذاننا: يا أخوتي العزاء دوّنوا أسفار قهركم وأساطير كينوناتكم الجريحة. وفيما كنّا نمعن بالكتابة السريعة انخسفت الرمال بالأستاذ وغاص في بحر الأسطورة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى