جعفر الديري - عبدالله المدني: تلفزيون أرامكو بريء من تهمة تغريب المجتمعات الخليجية

كتب – جعفر الديري

أكد أستاذ العلاقات الدولية الكاتب البحريني د.عبدالله المدني أن الدافع وراء سعي شركة أرامكو لإنشاء محطة تلفزيون أرامكو هو إحساسها بحاجتها الى تعزيز صورتها في أعين المواطنين في المنطقة الشرقية وما جاورها، لذلك قامت أولا بإنشاء دائرة إعلامية تقوم بتسليط الضوء على أعمالها وخدماتها وإسهاماتها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية تطورت فيما بعد الى إنشاء محطة تلفزيونية.
وقال المستشار خلال محاضرته "بدايات الإعلام المرئي في الخليج .. قصة أول محطة تلفزيونية خليجية" الثلاثاء 19 مايو 2004 بالملتقى الثقافي الأهلي في العاصمة المنامة: لقد استغلت شركات النفط الغربية حق التنقيب عن النفط وحققت الكثير من المكاسب والأرباح الخيالية إذ كانت تعطي الحكومات بضعة سنتات مقابل البرميل الذي كانت تبيعه بعشرات أضعاف هذا السعر، الى أن جاء عقد السبعينات إذ النقلة الكبيرة بفضل حرب العاشر من رمضان واستخدام النفط سلاحا في المعركة ضد «إسرائيل» ليرتفع سعر البرميل في أكتوبر/ تشرين الأول 1973 الى 11,65 وبعد ذلك توالت الارتفاعات ليصل السعر الى نحو 40 دولارا. وفي مقابل هذه الأرباح الخيالية قامت هذه الشركات ببعض الانفاقات الخجولة على مجالات التنمية ولكن شركة أرامكو العاملة في المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية كانت الاستثناء النسبي الوحيد.

مدن حديثة

وعارضا لبعض المشروعات التنموية لشركة أرامكو، قال د.المدني: لقد حولت شركة أرامكو المناطق المحيطة بمسرح عملياتها الى مدن حديثه مكتملة المرافق مثل الظهران ورأس تنوره وابقيق، كما وضعت برامج لمد موظفيها بقروض ميسرة تسترد على مدى ربع قرن من أجل بناء مساكن حديثه، كما قامت بابتعاث الآلاف من الشباب العامل في مرافق الزيت وإداراته على نفقتها الى الولايات المتحدة للتخصص والتأهيل، ولكن مساهمتها الأهم كانت في بناء المدارس الابتدائية والاعدادية في مختلف مدن المنطقة الشرقية، ناهيك عن وضع عمر تقديري لمباني كل مدرسة تهدم بانقضائه حتى وان كانت تلك المباني لاتزال صالحة وألزمت أرامكو مدارسها بتدريس مواد خارج نطاق المقرر الرسمي مثل الآلة الكاتبة والنجارة وتنسيق الحدائق والى ذلك. كانت أرامكو مستمرة في برامج توعية موظفيها وأسرهم بأساليب السلامة، إذ سرعان ما انتشر في أواسط الفلاحين الأميين بعض المظاهر الحضارية التي وان بدت اليوم أمرا شائعا فإنها في ذلك الوقت كانت غير معروفة مثل استعمال الصابون والشامبو وتنظيف الأسنان ورش المبيدات الحشرية، وبطبيعة الحال فقد كانت أرامكو في كل مشروعاتها التنموية تنطلق ابتداء من مصالحها الخاصة.

تعزيز صورة الشركة

وحول بداية ظهور فكرة تلفزيون أرامكوا قال المحاضر: في وقت من الأوقات شعرت أرامكو أن تعزيز صورتها في أعين المواطنين يتطلب إنشاء دائرة اعلامية تقوم بتسليط الضوء على أعمالها واسهاماتها في التنمية، وهي لئن سارعت الى انشاء هذه الدائرة وأوكلت إليها إصدار صحيفة «تابلويد» أسبوعية مجانية تحت اسم «الشمس أو الوهج»، إضافة الى مجلة ثقافية شهرية مجانية تحت اسم «قافلة الزيت»، ولكنها شعرت أن هاتين الوسيلتين الإعلاميتين لا تؤديان الدور المطلوب ومن هنا هداها تفكيرها الى إنشاء محطة تلفزيونية تبث من الظهران ويغطي إرسالها جميع أرجاء المنطقة الشرقية وما وراء المنطقة، وفي ظل نقص الكفاءات المحلية والعربية قامت أرامكو بابتعاث عدد من موظفيها الى الولايات المتحدة الأميركية في دورات إعلامية وفنية فكونت فريق عمل تلفزيوني متجانس واستطاعت بنجاح أن تبدأ قي يونيو/ حزيران من العام 1957 أول بث تلفزيوني في الخليج وثاني بث تلفزيوني على مستوى العالم العربي بعد العراق، وكان الفريق الذي تحمَّل أعباء ادارة وتشغيل تلفزيون أرامكو خليط من الجنسيات والكفاءات، فقد كان منهم صالح المكزيني، عثمان الورثان، جار الله التميمي، فهمي البصراوي، جميل حطاب، محمد سلامة، سعيد قريش الغامدي، وكان من ضمن فريق المحطة خليجيون من أمثال عبدالله الحسيني، أحمد العبسي وعيسى الجودر، كما ضم عربا من الكوادر الفلسطينية من أمثال: محمد البيطار، رفيق بيطار، زكريا البنا، يعقوب سلام وإسماعيل الناظر، بل كان في فريق المحطة نساء يظهرن على الشاشة في فقرات الربط أو يقدمن برامج الأسرة والطبخ أو يعملن خلف الكواليس في أعمال الترجمة والدبلجة من غير حجاب، ومن هذه الأسماء المصرية أمينة عفيفي واللبنانية ميري لدغ.

الترفيه والتثقيف

ونافيا أن يكون جهاز تلفزيون أرامكو أُسس لنشر الثقافة الغربية، أوضح د.المدني: خلافا لما يتبادر الى الذهن أو على خلاف ما روجه البعض من أن جهاز تلفزيون أرامكو أُسس لنشر الثقافة الغربية وتغريب المجتمعات الخليجية، فإن واقع الحال أكد أن دور المحطة أنحصر في ثلاثة هداف، أولا: الترفيه عن مجتمع لم يكن يعرف وقتداك من أدوات الترفيه سوى الجلوس على المقاهي أو متابعة مباريات كرة القدم أو الاستماع الى أجهزة الراديو، ثانيا: تثقيف المجتمع بإنجازات العصر ومظاهر الحضارة وصورة الآخر، وثالثا: تسليط الأضواء على أعمال وأخبار شركة أرامكو، كذلك ما يدحض هذا الزعم أن النسبة العظمى من برامج المحطة كانت محلية أو عبارة عن أفلام سينمائية مصرية ، أما ما تبقى فقد كان عبارة عن أفلام الاكتشافات والرحلات والطبيعة أو كانت عبارة عن منتجات والت ديزني وهوليوود من كرتون ومسلسلات وأفلام سينمائية، أما القول بأن المحطة أسست من أجل الترفيه عن موظفي الشركة الأجانب ففيه بعض الصحة اذا أخذنا في الاعتبار حقيقة أن فكرتها نبعت ابتداء من ذهن الأميركي «هارولد تالبوتالذي» كان انتدب في العام 1955 لزيارة مرافق أرامكو والاطلاع على أحوال موظفيها الأميركيين واحتياجاتهم فأوصى بإنشاء محطة تلفزيونية الا أن أرامكو سرعان ما طورت الفكرة لتصبح المحطة موجهة أساسا الى المواطنين بدليل بثها بالعربية، وتجاوزت أرامكوا مشكلة عدم وجود الصحافة بطبع قائمة باللغتين العربية والإنجليزية لبرامج تلفزيونها طوال أسبوع، وتوزيع هذه القائمة مجانا على المواطنين من خلال نقاط محددة في الأسواق الرئيسية داخل مدن المنطقة الشرقية، إذ كانت كل هذه الأسواق عائدة الى تجار بحرينيين.

مقص الرقيب

وأضاف أستاذ العلاقات الدولية: حرصت المحطة في بداياتها على استخدام مقص الرقيب في نزع الأغاني والرقص الشرقي مما كانت تبثه ليليا من الأفلام السينيمائية المصرية، وحين قرأ الناس في قائمة البرامج الأسبوعية في العام 1962 خبر عرض المحطة لفيلم الوسادة الخالية من بطولة عبدالحليم حافظ الحافل بالأغاني العاطفية توقعوا أن يكون الفيلم قصيرا جدا تعويلا على استقطاع تلك الأغاني، ولكن المحطة كانت تخفي مفاجأة لجمهورها إذ بثت لأول مرة فيلما مصريا غنائيا بكل ما احتوت عليه وكأنها تجس نبض المجتمع ولما لم تجد معارضة من رجال دين ذلك الزمن واصلت نهجها ولقي ذلك ترحيبا من المشاهدين كافة.

النهاية

ومتحدثا عن السنوات الأخيرة لتلفزيون أرامكو قال د.المدني: في مطلع العام 1970 قرررت أرامكو أن توقف بثها بالعربية على إثر بدء ارسال التلفزيون السعودي الرسمي من الدمام في نوفمبر/ تشرين الثاني العام 1996 وحولت محطتها العتيدة الى قناة تبث المسلسلات والأفلام الأجنبية فقط تحت اسم القناة الثالثة، أما أرشيفها الضخم من البرامج والأفلام العربية فقد حولت ملكيتها الى جهاز التلفزيون الرسمي التابع لوزارة الإعلام، ومع نهاية العام 1998 أسدلت أرامكو الستار نهائيا على محطتها التلفزيونية من بعد أكثر من أربعين عاما متواصلا من الارسال، إذ تقرر انهاء البث باللغة الإنجليزية أيضا بسبب تزايد المنافسة من القنوات الأخرى في زمن البث الفضائي المتنوع العابر للقارات.


الأربعاء 19 مايو 2004م الموافق 15 محرم 1441هـ

هذا النص

ملف
جعفر الديري
المشاهدات
30
آخر تحديث

نصوص في : مقالة

أعلى