صلاح نيازي - أبو صخر الهذلي..

فرادة هذا البيت:

"تكاد يدي تندى إذا ما لمستها = ويخضرّ في أطرافها الورقُ النضْرُ"

هي التي هدتني إلى قصيدة الهذلي:" عجبت لسعي الدهر بيني وبينها/ فلمّا انقضى ما بيننا سكن الدهرُ". القصيدة لا ريب إحدى عجائب القريض، ومن بين أعمق الشطحات الشعرية. كيف تسنّى ليد إنسان من لحم وعظم وخلايا بيض وحمر وبلازما، أن تستحيل، إلى غصن طريّ يتبرعم! سقى الشاعر كينونته النباتية بالندى في يده، فأحسن سقياها. باختصار ليس لهذه القصيدة شاكلة أو ضفيرة كما يقول العرب.

لأعترفْ منذ البداية أنني متيّم بهذه القصيدة. لم أقراْ ما ينافسها، في الغزل، لا باللغة العربية، ولا باللغة الإنكليزية ولا فيما ترجم إليهما. إنها يتيمة وأعظم ما فيها يتمها.
لم أكنْ بالأصل، معنيّاً بقائل القصيدة، فهي تغني عن بيئتها أو تأريخها أو جغرافيتها. إنها مثل لوحة محكمة التكوين والتلوين والتعبير. لا تنتمي إلاّ إلى نفسها. كالدرة الخضلة أو كالأحجار الكريمة تنتمي فقط إلى فنّها الذي صيغت به.
المصادر التي عنت بالشاعر زهيدة، وغير دقيقة. فالشاعر مثلاً، مات سنة أربعين للهجرة، مرّة حسب القدامى أو بعد سنة مائة وثلاثين للهجرة حسب بعض المعاصرين. أكثر من ذلك، فالقصيدة رغم ما تميّزت به من قمم مدوخة، لم تحفل بدراسة متمعنة على ما يبدو. قال آبن قتيبة عن هذا الشاعر:" هو من أشعر الناس، على أنهم نحلوه شعراً رقيقاً يشبه شعره".
وذكر أبو منصور الثعالبي في كتابه: لباب الآداب،" يقال إن أغزل شعر العرب، قوله:

"أما والذي أبكى وأضحك والذي = أمات وأحيا والذي أمرُه الأمرُ".

ليس من طموح هذه المقالة تقديم دراسة تحليلية لهذه القصيدة لأنها كما قال آبن قتيبة أعلاه:" على أنهم نحلوه شعراً رقيقاً يشبه شعره". لذا، من الأفضل النظر في بعض مقاطع مختارة من القصيدة وتقديم آنطباعات عنها قد تعين على فهم القصيدة فهماً جديداً، أو في الأقلّ إيجاد وشيجة عضوية تربط بعض الأبيات، ببعضها.
قبل كلّ شيء، لم يحِد الهذلي عن التقليد في ذكر الأطلال في مطلع القصيدة. مع ذلك فقد بدا وكأنّ الأمر عنده مجرد عادة موروثة لا أكثر. فهو يختلف عن سواه من الطلليين بناحيتين جوهريتين. قال الهذلي:

" ألا أيّها الركب المخبّون هل لكم = بساكن أجراع الحمى بعدنا خبرُ
فقالوا طوينا ذاك ليلاً وإن يكنْ = به بعض مَنْ تهوى فما شعر السفر"

الآختلاف الأوّل أن الشاعر لم يتوسع في تفصيل الأطلال كعادة الشعراء القدامى، وإنما آنصبّ اهتمامه على "الساكن أجراع الحمى".
ثانيا اختار الراوية بحذق كلمة: " المخبين" الدالة على السرعة. أي ليس للركب وقت للإطالة وبالتالي إعطاء جوابٍ شافٍ. أكثر من ذلك تعلل الركب بأنهم مرّوا ليلاً ولم يروا شيئاً. أمّا كلمة "ذاك" في قول الركب:" طوينا ذاك ليلاً"، فتفيد البعد عن الحدث زماناً ومكاناً. بهذه الحيلة الفنية خلق الشاعر الوحدة من جهة، والحيرة من جهة ثانية، في آن واحد، فأخذه السكات والخفات. ربما تدلّ هذه المقدمة الطللية الموجزة على أن الشاعر كان يمارس نهجاً قديماً بقوّة العادة رغم تحضّره. (يبدو لي ان القصيدة بعيدة عن البداوة التي قررّها الباحثون. على العكس ففيها من الصور ما يوحي بتحضّر كاتبها).
هيّأ الشاعر بهذه الوحدة وتلك الحيرة جوّاً ملائماً لاستحضار الماضي وكأنْ بصورة سحرية. راح يستعيد تلك اللحظات المتوهجة الحزينة التي تجنّت فيها حبيبته عليه. ولكنْ ما أن يراها حتى ينسى سبب هجرانه لها:

"فما هو إلاّ أن أراها فجاءة = فأبهت لا عرفٌ لديّ ولا نكرُ
وأنسى الذي قد كنتُ فيه هجرتها = كما قد تنسّي لبَّ شاربها الخمرُ"

قابل الشاعر بعد ذلك بين الثمل الناجم عن الخمرة، وبين ثمله العاطفي. الفرق أن ثمله العاطفي قاده إلى الضياع لأنها "لم تتركْ له شذى يهتدي به". فلا عجب إنْ هو راح يغبط كلّ أليفين، حتى لو كانا وحشيْن، يتطارحان، أو كما قال:

" وقد تركتني أغبط الوحش أن أرى = أليفين منها لم يفزّعهما نفرُ"

(في قراءة ثانية: " لم يروّعهما الزجر، إلاّ أن لم يفزّعهما(ولا سيّما تشديد حرف الزاي) أنسب فنيا وسيكولوجياً لأن الفزع يأخذ صيغتيْ المفاجأة والخوف، وهو ما يتماشى مع جوّ النصّ).
ولكنْ لماذا قال الشاعر: "نفْرُ"، وفي قراءة أخرى:"زجر". هل هو إسقاط من نوعٍ ما؟
هل كان الشاعر وحبيبته في صباهما مزجورين أو ممنوعين من اللقاء؟
إذا سلّمنا بأنّ "الشاعر طفل كبير"، فإن القصيدة طافحة بالطفولة. هل كان الشاعر، حينما كتب القصيدة
شابّاً في مقتبل العمر؟
الآندهاشات والمفاجأآت التي تتميز بها القصيدة تدلّ على أن الشاعر لم يزلْ بعد لم ينضج. لم تعجم عوده التجارب، ولم تحنّكه السنون. يقول الشاعر مثلاً:

"أما والذي أبكى وأضحك والذي = أمات وأحيا والذي أمر الأمرُ"

وكأن الشاعر، ببراءة، جعل الفعلين "أبكى وأضحك" يحدثان في آن واحد. وكذلك الفعلان " أمات وأحيا". وحينما تكبر حيرة الشاعر إلى درجة الآستغلاق، يستسلم لما يشبه اليأس، فيقول: "والذي أمره الأمرُ". أيْ تعطلت أدوات مختبره الذهني، فام يعد يرى بارقة ما.
المفاجأة الأخرى هو ما كان يحلم به الشاعر للانفراد بحبيبته على رمث في البحر حتى ولم يكن لهما وفر. هذه أمنية (أو طيش) لا تمر إلاّ ببال شاعر يافع مغامر وليس ببال كهل، أو من تقدمت به السنون.
رأينا أعلاه كيف بات الشاعر يغبط حتى الوحش إنْ هو رأى أليفيْن عاشقين آمنين منها.
بهذا يكون الشاعر قد انتقل انتقالة انسيابية من الحياة المدنية إلى الحياة الرعوية النباتية، حيث تبطؤ الحركة أو تتوقف. الأبيات التالية كلها تقريباً تصوّر الحياة الثابتة لكن النامية من الداخل كما تنمو البراعم. عند هذا التحوّل إلى الحياة النباتية تبلغ القصيدة قمة نضجها ونبوغها. وبهذا التحوّل أيضاً أخذ الشاعر طوراً جديداً، وكأنه مخلوق آخر، مورق وأخضر:

تكاد يدي تندى إذا ما لمستها = ويخضرّ في أطرافها الورق النضْرُ
وإني لتعروني لذكراك هِزة = كما انتفض العصفور بلله القطر".

ما الذي يمكن للمرء أن يقوله، سوى الصمت الذي يرافق الخشوع عادة، إنْ هو وجد نفسه أمام نص مسحور كهذا، وبلغ شبه الكمال، في مبلغه. آنبهار بالتمام. انحباس نَفَس. مع ذلك لا بدّ من المحاولة. أوّلاً الإيقاعات التي انتظمت بها الأبيات أعمق تجريساً، من تفاعيل بحر الطويل:"فعولنْ مفاعيلنْ فعولنْ مفاعلُ". حاول الفراهيدي أن يقلّص موسيقى الشعر فاخترع التفاعيل لتكون تمارين تعليمية. وهي بعيدة عن استيعاب تلك التوليفات الموسيقية الغامضة التي يخلقها العقل الباطن.
قد يكون من المفيد أن نذكر أن المطرب المصري المجوّد صالح عبد الحي غنّى من مقام البياتي، مقاطع من قصيدة الهذلي هذه. عند سماعها تجد نفسك أمام تأليف حافل بإيقاعات جديدة وكأنها تدشن لأوّل مرّة. يبدأ عبد الحي القصيدة من البيت:

عجبتُ لسعي الدهر بيني وبينها = فلمّا آنتهى ما بيننا سكن الدهرُ"

وكررّ البيت مرتين. وفي كلّ مرة، يتلو البيت بأجراس مختلفة.
وفي الإعادة الثالثة يسكّن كلمة عجبتْ (بدلاً من عجبتُ) وكأنّه أمام حيرة يائسة مفزعة، فتهب الموسيقى (آلة القانون على وجه الخصوص) لآحتضانه أو مواساته. تغمره بكلّ ما في أجنحة الطير من حنان. يعيد المطرب عجبتْ بتسكين التاء مرة أخرى، وكأن الحيرة أصبحت أكبر. وبعد تدفق الموسيقى، وانهمار الحنان يكمل الشطر: "لسعي الدهر بيني وبينها". تخرج كلمة "وبينها" من لهاته وكأنها آهة مجروحة.
المهم من يستمع إلى المطرب صالح عبد الحي في هذه القصيدة سيكتشف توليفات موسيقية مؤثرة أبعد ما تكون عن تفاعيل الخليل بن أحمد الفراهيدي.
بالمثل استدلّ بعض النقاد على معانٍ جديدة فيما غناه المغني الاوبرالي الألماني الشهير ديترخ فيشر ديسكاو(باريتون) من قصائد رومانتيكية ألمانية. وجدوا في طريقة أدائه موقفاً نقديّاً، من النصّ، وضوءاً كاشفاً لما غمض.
على أية حال قابل الشاعر في البيتيْن أعلاه بين الفعل تندى وبين الفعل تخضرّ من ناحية، وبين تعروني وانتفض من ناحية أخرى. ولكنّ الأهمّ أنه قابل نفسه بالعصفور، طائرا ضعيفاً مستكنّاً وجميلاً. وهذا دليل على تماسك الأبيات من جهة، وعلى توازنها من جهة ثانية.
كذا إذنْ أدخل الشاعر، العصفور فازدانت الصورة الشعرية بثلاثة أبعاد مرّة واحدة. هي الأمان والضعف، والغموض. ولكنْ لِمّ الغموض؟ لِمَ لا؟ مَنْ يدري ما الذي كان عليه العصفور حينما سقط عليه القطر.
هل كان غافياً؟ هل كان حالماً؟ هل كان لائذاً؟
هل يمكن مقابلة ما عرا الشاعر من هزة بانتفاضة العصفور؟ هل هما واحد؟
أمّا من حيث الذبذبات الموسيقية فيمكن لحرف الراء أن يغنينا عن الأمثلة الأخرى.
المعروف أن حرف الراء هو من "الحروف المجهورة المكررة، ومن الأصوات المتوسطة (المائعة).
تكرّر حرف الراء في البيتيْن أعلاه (وعدد كلماتهما عشرون)، ثماني مرات، وفي الفعل اخضرّ تضاعف حرف الراء. بهذه الوسيلة يكون الشاعر قد أعطى للصورة الشعرية نقرات موسيقية مرنّة ومتدفقة.
ولكنّ الشاعر بهذه الحيلة الفنية كذلك وُفّق إلى الجمع بين الطير والإنسان وكأنهما من جبلّة واحدة. خلقتْ هذه الثنائية بدورها قصيدة ذات بعدين وهذا تأليف غريب لا ريب.
أخيراً لا بدّ من التنويه بقدرة هذا الشاعر على توظيف كلمات لا تتحدّد بمعنى واحد وإنما تتناده فيه المعاني. من ذلك مثلاً أنه استعمل كلمة تعروني، التي تنصرف إلى معان أخرى مثل: ألمّ بـ ، وعرا الداء أي أصاب، وعرا هواه إلى كذا أي حنّ إليه، وعُري إلى الشئ استوحش إليه بعد أن باعه.
لنأخذ الفعل نفض كمثال آخر. يقال نفضته الحمّى: أرعدته، وفلان ينتفض من الرعدة، ونفض الكرْم : نضر ورقه ...إلخ
تُختتم القصيدة في بعض الروايات بالبيت التالي:

"فيا حبّذا الأحياء ما دمتِ حيّةً = ويا حبّذا الأموات ما ضمّكِ القبرُ"

وهو وإن كان مصنوعاً من نفس الرويّ والقافية، إلاّ أنّه يبدو وكأنّه منتحل بمهارة.
القنوط في البيت لا يتساوق مع ما في القصيدة من تحرّقات وتوجعات. كيف كفّت الأمواج
عن الفوران. في البيت استسلام تام للركود، وكأنّ راوية القصيدة استجاب لليأس الذي
تتميز به الشيخوخة حيث لا أمل في أن تورق في أطرافها المتيبسة أية خضرة. كذا آمّحى الماضي،
وكذا آمحى المستقبل، وها هو يودعهما بأرق دعاء، وأقسى وداع، وهل هناك ما هو أقسى من وداع
لِلا أحد وكلّ أحد!


أعلى