محمد مستجاب - السفر .. قصة قصيرة

إنه السفر: هذا الارتحال من مكان لآخر, بالأقدام أو على جمل أو فيل أو حوت أو سيارة أو سفينة أو طائرة أو صاروخ, أو حتى – رعاك الله – على الأكتاف, من بيت لبيت أو من خيمة لخيمة أو من بلدة لبلدة أو من قارة لقارة, وقد بدأ يزحف على السفر الارتحال من كوكب لآخر, ولن يكون مدهشاً أن تكون أنت من كوكب الأرض وأصهارك – أهل زوجتك – من زحل, وربما يكون مرهقاً أن يكون ابنك الأكبر يعمل في المشتري بعد أن واجه بعض المتاعب في كوكب نيبتون, ولذا, فسوف يظل السفر وراء الخيال الخصب في الشعر والرواية وشجن الموسيقى المتوائم مع تداخل خيوط القماش واستدارات القباب وشموخ المآذن وأوار النار شواء لحمل أو جدي أو حتى أرنب, وما يكاد هذا الشواء ذو الرائحة المثيرة للاشتهاء حتى يتحول السَّفَر إلى سُفْرة: تلك المائدة اللذيذة التي أخذت اسمها – السُّفْرة – من التحية الكريمة والهانئة من الإحساس الغامر بما يعانيه المسافر, لكن أمر السُّفرة يتسع حتى يشمل ما على المائدة من طعام, وكلما ازدادت أنواعها تألق الكرم دون أن ينتبه أن السفرة هي الجزء الخلفي أعلى الثوب في الزي القروي بالجلباب, وهو ما بدأ يندثر تحت سطوة أزياء وافدة تتلاءم مع الحداثة ومع الأغاني الراقصة الضاجة المتقافزة دون ثبات شكل معين – ولو بعض الوقت.

إلاّ أن السفر – بمعنى الارتحال – ظل منذ فجر الحركة الإنسانية الحيوية في الانتقال وراء لقب السفير: ذلك الشخص الذي يمثل الجماعة البشرية لدى جماعة أخرى, ليتطور الأمر به ليصبح الدبلوماسي في العالم العصري المتّسع في الدبلوماسية, أو السّلك الدبلوماسي, والذي يدرس في قواعده وأعرافه وتقاليده والصفات الخاصة لمن يعملون داخل مجاله في أرقى أنواع الكليات والمعاهد, وربما يكون ذلك وراء اختباء السفر وراء السفور, والمعنى المعروف للسفور هو أن تكشف المرأة عن وجهها, ويقال: سفر الصبح: أضاء وأشرق, وسفرت الشمس: طلعت وبدأت تضيء الكون بأشعتها في وقت مبكر, وأسفر وجهها – أي وجه الأنثى حُسْناً: أشرق وعلاه جمال, أما إذا أسفر الرجل فهذا يعني أنه خرج للارتحال, فإن قامت الريح بسفر الغيم عن وجه السماء فإنها تكون قد كشطته وكشفت عن الصفاء, فإن حدث هذا السفر للبيت فإن السفر هنا يعني الكنس والتنظيف, ومنه جاءت السفارة: أي الكناسة, وإن ارتبط فعل السفر بالكتاب فيعني أنه تم كتابته, ومن هنا جاء السِّفرْ, والذي منه تقسيمات التوراة – كتاب اليهود المقدّس – إلى أسفار: سفْر التكوين وسفر الرؤيا وسفر الخروج… إلخ, لكن مقدم الرأس – إذا انسفر من الشعر فإن صاحبه يصبح أصلع, أما السافر – اسم الفاعل من السفر – فهو المسافر, والكاتب, كما أن السافر هو الملاك المكلف بإحصاء أعمالنا تمهيداً للحساب في الآخرة, وفي التنزيل العزيز بأيدي سفرة, كرام بررة , أما إذا جاءت سافر صفة لكائن مثل الخروف فإنها تعني نحوله ونقص اللحوم في جسده, والسافير: الياقوت الأزرق, أي معدن (الكوراندوم) المركب من أكسيد الألمونيوم, ويعد من الجواهر النفيسة, وأنا شخصياً – الذي يكتب الآن – أسمع وللمرة الأولى عن هذا الياقوت الأزرق الملقّب بالسافير, والذي موطن تعدينه: سيام والهند وبورما وأستراليا, إلا أن أنواعاً جديدة من فعل السفر تدخل الساحة متجاوزة هذا المعدن الغامض المشار إليه, فقد تجاوز لقب السفير الرسولَ بين قومين, والمصلح بين مجموعة متخاصمة, ليعني: السمسار (أليس السمسار وسيطاً في التسويق?), ثم: السفير هو العالم بالأصوات والحاذق في إدراك قدراتها وتكويناتها, والسفير – أيضاً – هو الظريف العبقري, ولعلّ ذلك يدفعنا أن نمنح لقب سفير لهذا النوع من الظرفاء العباقرة الذين لا أميل إلى ذكرهم – الآن – هنا, لكن السفير لا يلبث أن يصبح معناه: أسافل الزرع, أو ما سقط من ورق الشجر, ولعل ذلك وراء إطلاق كلمة السفير على ما تحمله سنبلة القمح من قش يحفظ حبوبها قبل أن يتم حصادها, فإذا تم تأنيث هذا السفير بمعناه المتوالي فإن السفيرة تعني القلادة العارية دون أي غطاء زخرفي – وتكون عادة من الذهب أو الفضة.

ومع كل ذلك فسوف يظل للسفر أرقى ثلاثة معانٍ بين كل هذا الحشد, المختصر, السفر بمعنى الارتحال وهو متعة عصرية يفتقدها ولا يدركها كثيرون ممن يسافرون من أجل المهام العسرة والقضايا المرهقة, ثم السفر الذي يتوالد منه معنى الأسفار ليصبح فاعلها سفيراً, لكن السفر يعلو حين يصبح – بعد تسكين الفاء – كتاباً راقياً يكون سلواناً لك في عالم معاصر بالغ الضجيج والعداء لكل ما هو هادئ, والذي نصبو إليه – هذا الهدوء – بتناول ثمر السَّفَرجل كي يتم تنظيم الهضم وتسهيل عمل الأمعاء, أو أوراقه التي يكون غليانها على النار هو التمهيد لنوع من الاستشفاء من أمراض عديدة في الجهاز الهضمي والأعصاب ودورة الدم, لا يمكن لنا أن نقوم بالسفر – أو القراءة – أو الكتابة – أو الإمعان في الكون إذا ما وقعنا فريسة له, أما السفرجل ذاته فيمكن لك سؤال أهلك وذوي التجارب من قومك عنه, إذ إن المخ الحديث يسعى – جاداً – نحو عالم مضطرب لا يصلح فيه جمال السفر, أو متعة احتساء شراب السفرجل.

محمد مستجاب

هذا النص

ملف
محمد مستجاب
المشاهدات
22
آخر تحديث

نصوص في : مختارات الأنطولوجيا

أعلى