عبد القادر وساط - من أحلام الكاتب عبدالله ناصر

رأى عبدالله ناصر، فيما يرى النائم، أنه دخلَ مسرحَ الرأس الذهبي، بمدينة ليون الفرنسية، لمشاهدة مسرحية "المُغَنّي التمتام".
قبل بداية العرض بقليل، مالت عليه المرأة الجالسة بجانبه وسألته هامسة:
-قل لي من فضلك يا سيدي، هل صحيح أن الممثلين سيطلقون الرصاص على المشاهدين، في نهاية هذه المسرحية؟
أجابها عبدالله ناصر:
-أنا سمعتُ أن المشاهدين هم الذين سيطلقون الرصاص على الممثلين.
ثم هزّ كتفيه وواصل قائلا:
-ما علينا، سنعرف الحقيقة بعد ساعتين!
لم تكد المسرحية تبدأ حتى حدث عطب مفاجئ في الكهرباء وأطبق ظلام شامل.
ولمّا زال الظلام، اكتشف عبدالله ناصر أنه جالس على مقعد خشبي في حديقة عمومية.
كان الطقس شديد الدفء.
عن يمينه، كانت تجلس امرأة شابة، جميلة جدا وشديدة الأناقة. كانت هي المرأة نفسها التي سألَتْه عن إطلاق الرصاص، في قاعة المسرح. شرعتْ تتفرس فيه بفضول، ثم سألته:
-ألستَ عبدالله ناصر؟
لم تنتظر جوابه واستمرت قائلة:
- يبدو أنك نسيتَني، أنا جوانا، مضيفة الطيران.
قال مبتسما:
-هل أحد ينسى جوانا؟
اقترحت عليه التمشي قليلا في الحديقة. كانت تبدو في منتهى السعادة.
بعد خطوات قليلة من المشي، بدأتْ جوانا تَصغر وتصغر إلى أن صارت طفلة في السابعة من العمر، تقريبا. شرعتْ تصرخ باكية:
-أريد بابا وماما ! أريد بابا وماما !
لم يكن عبدالله ناصر يعرف عنوان والديها، لذلك قرر أن يمضي بها إلى أقرب مركز للشرطة.
داخل قسم الشرطة، كان هناك رجل أشيب، قصير القامة، يضع أمامه مُعَدّات الرسم، ويصرخ بأعلى صوته:
-جوانا ! أيتها الشرطية جوانا ! أين تختبئين يا تُرى؟ ينبغي أن تأتي هنا فورا وأن تخلعي ملابسك كي أرسمك عارية بالألوان الزيتية !
سكت الرجل الأشيب قليلا، ريثما يستعيد أنفاسه، ثم عاد يصرخ من جديد:
-إنه لشرف كبير لك أن يرسمك الفنان الشهير بيرنار كينيت، لا تنسي هذا.
على حافة إحدى النوافذ، كانت هناك بومة تضع نظارتين طبيتين، وتراقب المشهد بفضول.
حين خرجت الشرطية جوانا من مكتبها لرؤية ذلك الشخص الذي يطلب منها أن تتعرى، فوجئ عبدالله ناصر أنها هي المضيفة التي كانت برفقته في المسرح ثم في الحديقة.
بقي واقفا دون حراك، وممسكا بيد الطفلة الصغيرة الباكية.
جاءت الشرطية مسرعة نحو الطفلة، واحتضنتها بقوة، ثم شرعتْ تقول لها بصوت مسموع:
-حبيبتي جوانا ! كم اشتقت إليك يا حبيبتي جوانا !
كان الرسام بيرنار كينيت لا يزال واقفا هناك، يطالب الشرطية بخلع ملابسها كي يرسمها عارية، لكنها تغاضت عنه. أخذَت الطفلة من يدها ثم طلبت من عبدالله ناصر أن يتبعهما عبر ردهة طويلة.
في أقصى الردهة، اختفت الشرطية جوانا واختفت الطفلة جوانا، واكتشف مؤلف" فَنّ التخلي" أن الردهة التي يسلكها وحيدا تفضي مباشرة، من الجهة الخلفية، إلى مطعم لوتريامون، بشارع ساكس غامبيتا. قرر عبدالله ناصر أن يتوجه رأسا إلى ذلك المطعم الذي يقدم لزبائنه وجبات لذيذة بسُمّ الفراشات. وحين جاءته النادلة الحسناء بلائحة الوجبات، وجد تلك اللائحة شبْه بيضاء. لم يكن مكتوبا عليها سوى هذه العبارة:
"ما الذي لن يَحدث لنا، بعد أنْ حدثَ كلُّ هذا؟"



هذا النص

ملف
عبدالقادر وساط ( أبو سلمى )
المشاهدات
207
آخر تحديث

نصوص في : بلا تصنيف

أعلى