تيسير النجار - صخب الظلام.. قصة قصيرة

عرف التيار الكهربائي معاناتي هذا المساء وغالى في مضاعفتها، انقطع فجأة مثل علاقاتي التي انقطعت بأحبتي، لكنها لم تكن مفاجأة. وهنت وضعفت حد التحلل إلى أن انتهت، لا يمكن ترميمها، ممزقة ومثقوبة في كل الجهات، ليس لدي خيط لرتقها، منسلة الروح مني ومعلقة بين الموت والموت الفعلي.

بحثت عن الكشاف ولم أجده، أمشي مثل الممسوسة بالرغم من عدم خوفي، لكن الظلام هذا المساء كان خانقًا، الظلام يحبني، أنا أيضًا أفضله مثل أي شخص يعاني من الألبينو، تعذبني الشمس بأشعتها غير الرحيمة، اصطدم إصبعي الكبير بالمقعد، آلمني بشدة وهناك سائل دافئ انسكب منه، يا ربي أين وضعت الموبايل؟

بعدما أنهت سلمى سبابها وأغلقت الخط ولم تسمعني، ولم أقل شيئًا، هواجسي تبتلع الكلمات في فمي، أفكاري شيدت جدرانًا من حولي، أصابتني بالصمم، الألم يزيد ولم أجد الموبايل، وصلت إلى المطبخ، دخلت الحمام وأفرغت زجاجة الماء البارد فوق قدمي، لففت إصبعي بالمناديل الورقية، انكسر ظفري الذي طليته منذ أيام مثل أي شيء أسعى لتجميله، أحب شمس الدين وأظنه يعرف لكن ظنوني تقتلني وتقتله، ظنوني سم يزحف في مشاعري.

يخبرني بحبه مثل تحية الصباح ويمارس حياته ببساطة، يحدثني في المساء عن يومه الذي يقضيه مع أخريات إذا تطلب شغله، احترق ويشم رائحة شواء قلبي، يضحك من سذاجتي وأبكي أنا من استهانته بي، لماذا لا يطمئنني ويأخذني في حضنه ويقدم الدلائل على حبه؟ هل لا أستحق؟ أم تجاوزنا كل التصرفات الصبيانية كما يسميها؟

أنا ضعيفة جدًا ولا يعني نجاحي في عملي أنني لا أحتاج إلى دعمه، لا يعرف شيئًا عن الساعة الصباحية التي أقضيها كل يوم قبل الخروج في رسم عينيّ بالكحل والمسكرا، أضبط التاتو على حاجبيّ، أحكم وضع الحجاب حتى لا يظهر شعري الذي حاولت صبغه بالأسود وصار رماديًا يثير الشفقة، يقول إنني أبالغ في التجميل، لكني أخبئ عيوبًا تتمدد عن يديّ القصيرة، لا يجدي معها مساحيق تعطي لونًا غامقًا، أرى في الأعين ذات الأسئلة “هل أنتِ مصابة بالبرص أم عدو الشمس؟ هل هو معدٍ؟”.

لن أنسى طفولتي الحزينة وأنا حبيسة الغرفة، إخوتي في الفناء يلعبون، تضيق أمي بوجودي فتصرفني، أجلس في ظل الجدران أو الأشجار مثل متسولة، لا يحب أحد اصطحابي لأي مشوار وفي المساء يرتاح الجميع أمام التلفاز الذي سئمته طوال النهار، تفوقي الدراسي لم يلفت انتباههم، يتعجبون وقت حصولي على الشهادة، درست علم الحشرات وبرعت فيه، هجرتهم هجرت قريتي المشمسة، أظنني لو التحقت بالتمثيل لحققت نجاحًا مذهلاً، أمثل الثقة بحرفية حتى كدت أصدقني، سلمى شقيقة شمس وزميلة دراستي قالت إن سبب صداقتنا ثقتي بنفسي التي أعجبتها كثيرًا، لذلك غضبت جدًا من تصرفاتي الأخيرة مع شمس ووقفت بصفه وتركتني أواجه شمس الفراق وحدي.






هذا النص

ملف
تيسير النجار
المشاهدات
19
آخر تحديث

نصوص في : قصة قصيرة

أعلى