مزمل الباقر - التطرف الديني .. ( النسخة السودانية ) "1-4"

يرى علماء العقيدة ان المعنى الإصطلاحي لكلمة التدين هو حظ العبد من العبادة، بمعنى أن المسلم الذي يصلي النوافل اكثر تديناً من المسلم الذي يصلي الصلوات الخمس فقط، ويكون المسلم الذي يصلي النوافل ويقيم الليل اكثر تديناً من المسلم الذي يكتفي بالنوافل المتفق عليها وعلى ذلك قس في سائر العبادات.

نلاحظ من التعريف السابق ان التدين هو ارتقاء في سلم العبادات بين الخالق والمخلوق وهو علاقة مباشرة بين الله سبحانه وتعالى وعباده الذين انعم عليهم بصفة التدين. ولكن هذه العلاقة تنسحب بالضرورة على شكل التعامل بين الشخص او الاشخاص المتدينيين ومجتمعهم متعدد الديانات، حيث من المفترض ان يلقي التدين بظلاله على شكل التعامل في المجتمع ذي التعدد الديني، بحيث يكون فيه المتدين أكثر تسامحاً وأقدر على التعايش مع بقية الطوائف الإسلامية ومع الديانات الأخرى. فما هو حال المتدينين؟

بشيء من التخصيص يلقي هذا المقال بعضاً من الضوء على المجتمع السوداني بوصفه أحد المجتمعات التي تعدد فيها الديانات. فبالاضافة للطوائف والملل الإسلامية هنالك الديانة المسيحية بطوائفها والديانة اليهودية ولا ننسى ان هنالك في المجتمع السوداني من لا يدينون بأي ديانة سماوية وهم الوثنيين وهؤلاء يتركزون في جنوب السودان في الغالب الأعم وبعضاً من مناطق النيل الأزرق وجبال النوبة.

يفترض المقال ان الإسلام هو الديانة الغالبة في السودان تأتي بعدها الديانة المسيحية ثم الوثنيين وأخيراً الاسر اليهودية وهؤلاء يتواجدون في السودان بنسب قليلة. كما ان تلك الأسرة - بصورة او بأخرى – غير معروفة للجميع، وفيهم من تحول من ديانته إلى المسيحية أو إلى الإسلام وفيهم من ظل على ديانته اليهودية وإن اظهر غير ذلك.

وبهذه الفرضية يتجه المقال بالحديث عن ظاهرة التطرف الديني وسط المسلمين السودانيين ويذكر بعض النماذج التي لا تزال عالقة بالاذهان رغم مرور سنوات كثيرة على حدوثها. ولكن قبل ان نمضي في ذكر حيثيات هذه الظاهرة لابد من العودة إلى تاريخ السودان القديم والكيفية التي دخلت بها المسيحية ثم الاسلام على ذلك المجتمع الفرعوني.

تشير الروايات التاريخية أن مملكة كوش النوبية هي اقدم الممالك السودانية وكانت لها لغة خاصة هي اللغة الكوشية التي يتحدثها الكوشيين الذين شيدوا الإهرامات على أرضهم وكانت لهم تجارة رائجة وصناعة مزدهرة وحضارة عظيمة يعبدون آمون رع ولهم إله محلي يسمى آبادماك . ولكن هذا الحضارة زالت واندثرت بانتشار الأوبئة الناتجة عن تلوث البيئة التي أهلكت كل أو معظم الكوشيين. وتلوث البيئة نتج عن الأبخرة التي تنتج عن تعدين الحديد وصناعته وقد اشتهرت كوش النوبية في العالم القديم بهذه الصناعة.

قامت على انقاض الارث الكوشي مملكة سودانية أخرى هي مملكة مروي في الفترة من القرن السادس قبل الميلاد وحتى القرن الرابع الميلادي. واتخذت مدينة مروي عاصمة لها طوال تلك الفترة وقامت حضارة تضاهي في عظمتها حضارة كوش النوبية وكانت لهم لغتهم الخاصة هي اللغة المروية واشتهروا في العالم القديم بصناعة الفخار.

المسيحية في السودان:
تختلف الروايات في الأسباب التي ادت إلى انتشار الديانة المسيحية في السودان وان اتفقت علي ان الفترة الزمنية وهي القرن السادس الميلادي على يد الإمبراطور الروماني جاستنين وزوجته الامبراطورة ثيودورا. ويشير موقع ويكبيديا إلى قيام ممالك مسيحية كثيرة على انقاض مملكة مروي النوبية ليعتنق اهل هذه البلاد – التي ستعرف لاحقاً بالسودان - ديانة سماوية بديلاً لعبادة الآلهة الفرعونية. وترتب على ذلك – كما اشرنا سابقاً - ظهور ممالك مسيحية ( بلغ عددها في القرن السادس الميلادي حوالي 60 مملكة، أبرزها مملكة نبتة (Nobatia باللغات اللاتينية) في الشمال وعاصمتها فرس، ومملكة المغرة (Makuria) في الوسط وعاصمتها دنقلا العجوز على بعد 13 ميل جنوب مدينة دنقلا الحالية، ومملكة علوة (Alodia) في الجنوب وعاصمتها سوبا (إحدى الضواحي الجنوبية للخرطوم الحالية) وحكمت الممالك الثلاث مجموعة من المحاربين الأرستقراطيين الذين برزوا كورثة لحضارة النوبة بألقاب إغريقية على غرار البلاط البيزنطي. دخلت المسيحية السودان في عهد الأمبراطور الروماني جستينيان الأول وزوجته ثيودورا، وأعتنقت مملكة المغرة المذهب الملكاني في حين اتبعت نبتة وعلوة المذهب اليعقوبي الذي تدعمه الأمبراطورة ثيودورا.) (ويكبيديا / السودان)
ونجد معلومة مشابهة إلى حد ما بموقع : تاريخ الاقباط ، يشير الاستاذ صحبي اسكندر في مقال له بعنوان: ( بداية انتشار المسيحية في النوبة والسودان) برواية تحتاج لبعض التحقيق دارت احداثها في القرن السادس الميلادي حيث كانت الملكة النوبية (الكنداكة): شناكداختي تحكم السودان. يقول اسكندر: (أن أول سودانى يهتدى إلى المسيحية كان وزيراً لخزانة الملكة شناكداختى الكنداكة التى حكمت مروى من سنة 23 -35 م وقد وردت قصة ذلك الوزير فى سفر أعمال الرسل (8: 26 - 39 ) كالتالى :
" ثُمَّ إِنَّ مَلاَكَ الرَّبِّ كَلَّمَ فِيلُبُّسَ قِائِلاً:«قُمْ وَاذْهَبْ نَحْوَ الْجَنُوبِ، عَلَى الطَّرِيقِ الْمُنْحَدِرَةِ مِنْ أُورُشَلِيمَ إِلَى غَزَّةَ الَّتِي هِيَ بَرِّيَّةٌ».27 )

دخول الإسلام:
ويحدثنا التاريخ ان المسيحية اضحت الديانة الرسمية للسودان منذ القرن السادس الميلادي واستمرت حوالي القرن الميلادي حتى ( دخل الإسلام إلى السودان في عهد الخليفة عثمان بن عفان، ووالي مصر عمرو بن العاص، كما تدل الوثائق القديمة ومن بينها اتفاقية البقط التي ابرمها المسلمون بقيادة عبد الله بن أبي السرح والي الصعيد مع النوبة في سنة 31 هجرية لتأمين التجارة بين مصر والسودان، وقيل قبل ذلك لأن الاتفاقية تضمنت الاعتناء بمسجد دنقلا، ومن المشهود أن جماعات عربية كثيرة هاجرت إلى السودان واستقرت في مناطق البداوة في أواسط السودان وغربه ونشرت معها الثقافة العربية الإسلامية.وإزدادت الهجرات العربية إبّان الفتوحات الإسلامية، كما تدل الآثار ومن بينها شواهد قبور تعود إلى أحقاب قديمة عُثر عليها في منطقة إريتريا الحالية وشرق السودان، بالإضافة إلى كتب قدماء المؤرخين العرب أمثال ابن خلدون واليعقوبي وغيرهم. وجاء إلى السودان العلماء المسلمين في مرحلة أزدهار الفكر الصوفي فدخلت البلاد طرق صوفية سنية مهمة تجاوز نفوذها السودان ليمتد إلى ما جاوره من أقطار.) (ويكبيديا / السودان)

شيئاً فشيئاً قامت ممالك اسلامية مثلما كانت هنالك ممالك مسيحية في السابق (بعد إضمحلال الممالك المسيحية وتراجع نفوذها السياسي أمام الهجرات العربية والمدّ الإسلامي قامت ممالك وسلطنات إسلامية العقيدة عربية الثقافة مثل السلطنة الزرقاء أو مملكة الفونج (1505-1820)م، في الشرق الجنوبي والوسط وعاصمتها سنار، ومن أشهر ملوكها عبد الله جَمّاع وبادي أبو شلوخ، وسلطنة الفور في الغرب الأقصى(1637-1875) م، واستقر حكمها في الفاشر، ومن سلاطينها المشهورين السلطان تيراب والسلطان علي دينار، ومملكة تقلي في جبال النوبة (حوالي 1570-إلى أواخر القرن التاسع عشر) م تقريباً، إضافة إلى ممالك أخرى مثل مملكة المسبعات في الغرب الأوسط ومن أعيانها المقدوم مسلم، ومملكة الداجو ومقر حكمها كلوا في الغرب الأقصى ومملكة البجا وعاصمتها هجر في الشرق.) ( ويكبيديا: مصدر سابق)

ثم ماذا بعد:
ذكرت هذه المقدمة التاريخية الطويلة كي استدل بالتاريخ على فرضية اراها صحيحة وهي ان تحول المجتمع السوداني القديم من الوثنية إلى المسيحية ثم إلى الاسلام لم يكن تحولاً عنيفاً، من الطبيعي ان تحدث مقاومة عند ظهور دين جديد وهكذا قاوم المرويون ودافعوا عن عاصمتهم مروي حتى لا يدخلها الدين الجديد وبالمثل قاوم أهل الممالك المسيحية انتشار الاسلام في عواصهم: (فرس، دنقلا العجوز وسوبا). لكن بعد ان سادت الديانة لم تحدث احداث عنف من قبل معتنقي الديانات الاخرى اي لم يحاولوا ان ينالوا من اهل الديانة الجديدة. كما لم تنقسم الديانة المسيحية لطوائف تكفر الطوائف الأخرى.

واستمرت هذه النظرة الرومانسية للمجتمع – إن جاز التعبير – بعد الاستقلال السياسي للسودان حيث ان الجاليات الإغريقية والقبطية والهندية والأرمنية لم تغادر البلاد وفضلت ان تظل بالسودان بعد رحيل المستعمر واختلطت اسر تلكم الجاليات في المجتمع السوداني وإن لم تصل حد الانصهار. بل ان الأسر السودانية المسلمة لم تجد حرجاً في ان تلحق ابناءها وبناتها بمدارس هذه الجاليات كمدرسة كمبوني والمدرسة التوفيقة القبطية وفيلا جلدا وغيرها. وبالمثل بعض ابناء وبنات تلك الجاليات يدرسون خارج مدارس الجالية. وسارت الصحة في ركب التعليم كذلك
إن افترضت ان الغناء يعكس الاتجاهات الفكرية للمجتمع فإن اغنيات المدرسة الامدرمانية او ما تعارف عليه بغناء الحقيبة قد حوى كثير من القصائد التي تتغزل في بنات تلك الجاليات ولعل من اشهرها رائعة الشاعر ابراهيم العبادي

شلخو الحسام وخالو
ودين الصليب بي خالو
بي روحي لو اسخالو
سيد عين حياتي أخالو

وبالمقابل لم يتحرج السودانيون من تسمية مدن بأحد ساكينيها من الديانات الأخرى وتظل التسمية حتى يومنا هذا قرابة القرن من الزمان. فعلى سبيل المثال لا الحصر نجد ان مدينة كوستي سميت على الخواجة كوستا وهو إغريقي عاش بها. وهناك بأمدرمان فريق ( اي حي صغير) يسمى (فريق ريد) على المفتش ريد وهو مفتش انجليزي عاش بالسودان إبان الحكم الثنائي ( البريطاني – المصري) وكان يسكن بالمنطقة التي تقع شرق دار الرياضة بامدرمان و..و.. الخ الخ وبالمدينة الثالثة التي تشكل العاصمة القومية واعني مدينة الخرطوم بحري نجد حي كوبر العريق وسمي كذلك على مستر كوبر.

لعلني اذكر بعض الامثلة التي عايشتها بنفسي في احياء امدرمانية كحي العرب وحي المسالمة، جاري بالحي من الاسرة القبطية العريقة. اراه دائماً يأتي ليعزينا ونحن ندفن بعض ذوينا في مقابر السيد البكري ويعايد عليّ وعلى من يقابل من أهلي في اعيادنا الاسلامية حيث اخرها كان عيد الاضحى المبارك قبل اشهر منصرمة حيث بارك لي العيد بنفس الصيغة التي نبارك بها نحن المسلمين على ابناء دياتنا.

ذات مساء كنت في طريقي لسوق امدرمان حينما صافحت لأول مرة (عم ميلاد) – الذي يملك حانوتاً بحي المسالمة – وذلك حينما وجدت في معيته الأديب نبيل غالي، وكان الاخير يرأس تحرير جريدة الصباحية حينما نشر لي أول قصة قصيرة فلما رأيته جالساً امام الدكان ذهبت إليه وحييته وعرفته بنفسي وشكرته على نشر القصة وسلمت على صاحب الدكان (عم ميلاد ) بتحية المساء فرد علي باسماً: وعليكم السلام والرحمه. اعتقدت انه حياني بتحية الاسلام نظراً لديانتي ولكني رأيته يرد بتحية الاسلام في جميع الأوقات وعلى كل المارة سواء كان من طائفته القبطية او كانوا مسلمين.

ومن اشكال هذا الانصهار أن من اشهر الرأسمالية الوطنية كان من الطائفة القبطية هو أنيس حجار وأن حي كافوري بمدينة الخرطوم بحري أخذ التسمية من عزيز كافوري الذي كان يملك أراضي ومزارع بحي ( حلة كوكو ) وما جاورها من مناطق. وتشير عدد من الروايات أن اعرق وأشهر فريقيين كرويين ( المريخ والهلال) تعود فكرة انشائهما لبيت لأحد اقباط حي المسالمة. كذلك ظلت كنيسة الحبش بشارع (15) بحي العمارات وكنائس ماري جرجس حتى الآن موجودة بشكلها الذي انشئت به في المدن الثلاث(الخرطوم، امدرمان والخرطوم بحري) ولو خرجنا من العاصمة إلى مدن الأقاليم لرأينا كنائس قديمة محافظة على طابعها المعماري بعناية تحسد عليها.


( أوأصل بإذن الله ) ،،،

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى