محمد أديب السلاوي - نقول للمناظرة الوطنية حول الصناعة الثقافية : الصناعة الثقافية، تفرض علينا عقلا جديدا.. وتلك هي الإشكالية

-1-

ظهرت مفاهيم وقيم "الصناعة الثقافية" في الإعلام والبرامج السياسية والسياسات الحكومية خلال منتصف القرن الماضي، على أيدي جماعة من المفكرين بألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية، الذين تبنوا بقوة، قيم العولمة والاقتصاد الليبرالي.

بعد ذلك بقليل، حددت منظمة اليونسكو مصطلح "الصناعة الثقافية" في الصناعة التي تجمع بين ابتكار المضامين وإنتاجها والمتاجرة بها، وهي ذات طبيعة ثقافية غير ملموسة / مضامينها محمية بقانون حقوق المؤلف، ويمكن أن تأخذ شكل البضاعة أو الخدمات.

وعموما يشمل مفهوم "الصناعة الثقافية"، انتاجات الطباعة والنشر والوسائط المتعددة والوسائل السمعية والبصرية والمنتجات الفوتوغرافية والسينمائية والحرف التقليدية والفنون البصرية.

يعني ذلك، أن "الصناعة الثقافية" هي تلك الأنشطة التي تركز على المعرفة في صورتها المتكاملة التي تحتاج إلى كثافة عمل عالية وقادرة على توليد الثروة وفرص العمل.

يعني ذلك أن اللوحة والشريط السينمائي والمسرحية والأغنية الشعبية والقطع الموسيقية وفنون الحلقة والبرامج الإذاعية والتلفزية والمؤلفات الأدبية والثقافية والنقدية، والقطع الشعرية هي الصناعة الثقافية التي تنتج قيم التنمية في زمن العولمة.

في نظر منظمة اليونسكو،أن الأعمدة التي تقوم عليها الصناعات الثقافية ، تشمل كل عناصر الثقافة : الأدباء / المفكرون في كل التخصصات / الفنانون في كل التخصصات / الفنانون الشعبيون / الصناع التقليديون.

-2-

ومن شروط قيام صناعة ثقافية، في أي مجتمع نامي أو في طريق النمو، وجود قاعدة علمية وثقافية في المجتمع، يكون بإمكانها إنتاج المعلومات وتوزيعها واستهلاكها، وهو ما يعني

توسيع آفاق التعليم والإعلام بين أفراد المجتمع، ذلك لأن العلاقة بين الصناعة الثقافية وارتفاع المستوى العلمي والثقافي والإعلامي، علاقة جذرية تقود إلى زيادة حجم الاستهلاك الثقافي...وهو ما يتطلب إنشاء المؤسسات التواصلية، جرائد ومجلات وإذاعات وقنوات تلفزيونية ومطابع ودور نشر واستوديوهات سينمائية ومسارح وقاعات للعرض التشكيلي ومتاحف وغيرها من وسائل الاتصال الثقافي، إضافة إلى المناخ الملائم لحرية الرأي والتعبير.

يعني ذلك، أن الصناعة الثقافية تحتاج من الدول السائرة في طريق النمو، والتي تنشد الاستثمار في الشأن الثقافي، دعمها ورعايتها وحمايتها لكافة المنتجين / أدباء وشعراء ومفكرين وفنانين وإعلاميين، حتى تتمكن هذه الدول من الدخول إلى أسواق المنافسة وتعزز تواجدها.

-3-

يرى العديد من الباحثين والدارسين لوسائل الاتصال الجماهيري أن الثقافة والفنون في عالم اليوم من أجل الازدهار والنماء والتطور، أصبحت في حاجة ماسة إلى شروط أساسية وموضوعية، منها خلق مؤسسات تحتضن الثقافة وأهلها، يكون في إمكانها إنتاج المعرفة الثقافية الرصينة من خلال إبداعات الفن والثقافة والمعرفة. ذلك لأن العلاقة بين ارتفاع المستوى المعرفي بالفنون والآداب والثقافة عموما، تتناسب مع تقدم وسائل الاتصال التي تخلقها هذه المؤسسات، مما يقود إلى بلورة قيم الصناعات الثقافية عموما، وهو ما جعل الدول المتقدمة، ترصد ميزانيات ضخمة من أجل أن يكون لهذه المؤسسات جماهير واسعة تستفيد من خدماتها، وبرامج قوية تدعم السياسات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للحكومات الوطنية التي تعمل من أجل التنمية المستدامة، المؤمنة بالديمقراطية وحقوق المواطنة.

إن تعبير الصناعات الثقافية في عالم اليوم، أصبح مصطلحا وطنيا ذا معنى خاص لا يرتبط فقط بصناعة الإنتاج الثقافي / من اللوحة إلى الكتاب، ومن الشريط السينمائي إلى الأغنية والمعزوفة الموسيقية، ومن المنحوتة إلى البرنامج التلفزيوني / الإذاعي، ولكنه يرتبط أكثر بالتنمية الوطنية في سائر مجالاتها وميادينها.

في الألفية الثالثة، ليست المؤسسات التجارية والاقتصادية والمهنية القائمة على الإنتاج الثقافي وحدها من يبلور الصناعة الثقافية. أن المؤسسات الفنية / الثقافية، هي التي تعطي هذه الصناعة إيديولوجيتها وقيمها ومفاهيمها التي تبلورها في سوق المعرفة، كما في السوق الحضارية الوطنية والدولية، وهو ما يجعل منها شرطا أساسيا للتنمية المستدامة والتقدم والازدهار الصناعي والتجاري والثقافي.

وفي العالم الصناعي، كما في الدول السائرة في طريق النمو، أصبح الاستثمار في الصناعات الثقافية، ذات أهمية قصوى، ذلك لأن الرؤية الصائبة والواضحة للشأن الثقافي، والقدرة المالية من أهم عوامل نجاح الرأسمالية الثقافية.

-4-

وبحسب ما هو قائم حاليا فإن مفهوم الصناعة الثقافية الذي تصل منتجاته إلى 10 في المائة من إجمالي الصناعة العالمية، شبه غائب في عالمنا وهو شبه معدوم في الاقتصاديات الوطنية والقومية، كما أن الاستثمار في المجال الثقافي لا يكاد يذكر بالمقارنة مع مجالات أخرى، وهو الواقع الذي ترى العديد من المؤسسات العلمية، أنه يقود إلى ضعف احتمال تحقيق متطلبات واستحقاقات الثقافة فضلا عن عدم القدرة على مجابهة تحديات الأمن الثقافي القائمة على صناعة تنمية في هذا المجال، والتي تمثل عنصرا رئيسيا من التنمية المستدامة.

ولاشك، إن انخفاض المستوى الثقافي في بلادنا وفي البلاد العربية الأخرى، لا يعود فقط إلى عدم توفر الصناعات الثقافية، التي تدعم المؤلفين والمفكرين والفنانين والصناع التقليديين وكل العاملين في الحفل الثقافي، ودفعهم إلى الإنتاج والتنمية، ولكتها تعود أيضا إلى ابتعاد السياسة الثقافية عن هذا المجال.

إن المحتوى الثقافي لدينا في المغرب وفي العالم العربي، واسع وشامل، إلا أنه لا زال بعيدا عن التصنيع وتحويل قيمه المعنوية والروحية إلى قيم مادية، أي تحويله إلى سلع في الأسواق الاقتصادية من أجل التعريف بها ونشرها وإفادة التنمية الوطنية بقيمها ومردوديتها المادية.

من هذا المنطلق تشكل الصناعة الثقافية أهمية خاصة ليس فقط للجانب الاقتصادي، ولكن أيضا للمستوى الحضاري، باعتبارها ذرعا واقيا للهوية الثقافية.

يعني ذلك بوضوح،إننا نحتاج في المغرب الراهن وفي العالم العربي شرقه وغربه، إلى عقل جديد وتفكير جديد ليستوعب إشكاليات الصناعة الثقافية وقيمها ودورها في الدفع بالتنمية الوطنية المستدامة إلى الأمام. ذلك لأن الطرق التقليدية في إدارة القطاع الثقافي، لم تعد صالحة للعصر الحديث ولشروط الحداثة والعولمة ... وتلك هي الإشكالية التي نهرب من مواجهتها في سياستنا الحكومية.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى