محمد السعيدي - الإصدار الجديد للكاتب والناقد ذ. محمد أديب السلاوي : " الثقافة والتنمية".. دراسات علمية تعانق آفاق الألفية الثالثة.

-1-

محمد أديب السلاوي تشبع بمفهوم الثقافة بآفاقها الشاسعة المناحي، وأعماقها المتجذرة الأصول، منذ نعومة أظفاره على أيدي رواد الفكر المغربي الكبار (1) الذين أسسوا غداة استقلال المغرب مدارس في الثقافة والمعرفة سارت بذكرها ركبان النقاد والدارسين والأكاديميين. بين أحضانها نشأ يعب من مناهلها عبا، يروي به ظمأه العلمي ويرتشف من ينابيعه ارتشافا زاده / يزيده نهوضا للمزيد من الغرف ويستحثه إلى التطلع للتبحر في عالم الثقافة الذي تحول أواخر القرن العشرين وبداية الألفية الثالثة إلى عوالم / ثقافات تتسع معارفها بلا حدود، وتتطور مباحثها بلا توقف... لقد عايش محمد أديب السلاوي هذه التطورات الفكرية مثقفا وصحفيا وفنانا وناقدا، وواكبها بإصداراته ذات الإشعاع الموسوعي، والنبرة المسايرة لروح العصر الثقافية المتجددة، الوثابة الوقادة..

-2-

انبثاقا من إشعاعات منظومته العلمية يبزغ مؤلفه الجديد بعنوان "سؤال الثقافة والتنمية" يعالج خلاله قضاياها بمفهومها المعاصر المتصل بالألفية الثالثة وما يحيط بها من إشكالات، وما يتفرع عنها من ملابسات، وما تتناسل عنها من أسئلة. والعنوان بذاته يوحي بما يحمل الموضوع من حمولات تتردد أصداؤها عند المفكرين والباحثين والدارسين والأكاديميين لفك طلاسمها والتوصل إلى أجوبة مفاتيح لها، وله من الإحالات الفنية والدلالات الثقافية، والإشراقات الإصلاحية ما الكتاب به جدير، وما هو به قمين.

-3-

سؤال الثقافة والتنمية أكاديمي المبنى، منهجي المقاربة متعمق التحاليل، متكامل الدراسات بما يشتمل عليه من مراجع علمية ومصادر معتمدة وبما يتألف به بإحصاءات الموفقة، وبما يعانق من تعاريف لغوية وفلسفية، عربية وغربية، وبما يزخر به من قراءات تقارير هيئات أممية متحدة أو يونسكية، وبما يستنتج من بحوث مؤسسة الفكر العربي للعلوم والتكنولوجية، وبما توصلت إليه جريدة LIBERATION الفرنسية من محصلات مدهشة، توسل عبرها المفكر محمد أديب السلاوي غاية الفكر لتكتمل أطروحته اكتمالا علميا يجد خلالها الباحثون والدارسون ما يؤثثون به رسائلهم وأطاريحهم كما تلفي فيها المؤسسات البنكية ودور النشر ووزارات الثقافة والإعلام والتعليم والتخطيط ما يوفر لها الجهد ويغني المدارك وينير لها سبيل الإصلاح لتدارك ما فات والانخراط في تسوية ما هو آت.

-4-

وليس من شك في أن محاور الكتاب تتخذ لها منطلقا فلسفيا عقلانيا يعتمد الثقافة أساسا لكل العلوم والفنون، ومصدرا تشع منه كل المعارف المتمثلة في الكتابة والقراءة والسياسة والتنمية والصحافة والصناعة الثقافية، وقد عرفها محمد أديب السلاوي تعريفا جمع فيه ما تآلف من أسرارها عند الأقدمين والمحدثين، من أرسطو وابن خلدون إلى ديكارت ومحمد عابد الجابري. فهي عنده أعمال فكرية وفنية خالدة تعبر عن الإنسان وتسعى للارتقاء به، تتمثل خلالها كل أدوات الحضارة الإنسانية. إنها فعل تاريخي يرتبط بالآخر بالزمان بالمكان بالحلم بالذاكرة بالهوية ما يطلق عليه الثقافة العالمة (2) إنها تعطي معاني للحياة، كما تولد في متلقيها أحاسيس الجمال. لكنها في حاجة لحاضنين بيئي ومؤسساتي لضمان نجاعتها وسلامة فاعليتها وهو ما تعرض له المفكر محمد أديب السلاوي ضمن مؤلفه بتفاصيل داعيا إلى انجاز إستراتيجية ثقافية تعتمد البرمجة والتخطيط وتؤسس لرؤية مغربية إنسانية بحثا عن مستقبل ثقافة تنويرية تنموية (3) كما لم يفته التطرق للظواهر المرضية وكذا الالتزامية بمعناها النبيل محددا دور الرسالة الخطيرة الملقاة على عاتق المثقفين في تقدم الأمم ورقيها.

-5-

الصناعة الثقافية خصها الكاتب بحظ وافر من دراسته جاعلا منها محورا يبلور العلاقة بين ابتكار المضامين وإنتاجها، وبين طبعها ونشرها مؤكدا أن مفاهيمها ما تزال غائبة عنا في المغرب، معتبرا إياها درعا واقيا لهويتنا فهو نتاج قيم التنمية ولابد لانتعاشه من خلق مؤسسات داعمة / ممولة، وهي إبداعية تسرع في وتيرات النمو بأشكاله وألوانه قاطبة (4). ومن خصائص الصناعة الثقافية تقوية آليات القراءة في المجتمعات المتقدمة والنامية على السواء

-6-

إن القراءة أمر إلاهي إنها تعمل على تحفيز الدماغ وتطوير قدراته وتقويتها. إنها عند مبدعنا منهج للحياة، وانفتاح على آفاقها ومهارة يكسبها الإنسان، تساهم في تكوين شخصيته، وبناء قدراته العقلية بناءا متناسقا (5). وانطلاقا من توصيف الكاتب لما عليه أحوالها عند الغرب وعندنا يقترح مشروعا نهضويا للخروج من ورطة التدني في نسبها مغربيا، موصيا بضرورة اعتماد وابتكار "درس القراءة" في مناهج التعليم بجميع أسلاكه من الأساس إلى العالي على غرار ما هو عليه الشأن في فرنسا وغيرها من الدول الغربية حيث يتهافت مثقفوها على اقتناء آخر الإصدارات بالملايين من النسخ بينما الأمر عندنا لا يتعدى العشرات أو المئات على اكبر تقدير.

-7-

في هذا السياق المنهجي ربط الكاتب الباحث أزمة القراءة بأزمة الكتاب، لأنهما صنوان متلازمان (6) متسائلا عن ماهية الكتابة؟ (7) معرفا إياها تعريفا شاملا لكونها خروج عن درجة الصفر / السكونية للخلق والإبداع، لفهم الإنسان في زمانه وحركاته وأمكنته وبيئاته وعلاقته بغيره. انها أسئلة من صميم الفكر الفلسفي ذي الأبعاد العقلية المحضة. مستعرضا بالمناسبة تاريخ الكتابة منذ نشأتها الى اليوم، معرجا على الجدلية القائمة بينها وبين المتلقي بأطيافه وأصنافه وهي عنده ترتبط بالحس النقدي التحليلي كما أنها عملية فعل متحرك داخل الحياة، تصبو نحو الجمال والصدق وتروم الاشتغال بآليات فاعلة لتحقيق المعرفة ونشر إشعاعها، ولا تكون كذلك إلا إذا كانت في علاقات حميمية دائمة مع النفس والعقل والزمن والمجتمع لتأتي ثمارها مسايرة للعصر الذي تنبثق منه (8). الكتابة الإبداعية والنقدية عند المفكر محمد أديب السلاوي تشع ذبذباتها شجية عبر تموجات القلق النفسي والفكري في وجدانه يجعل منها قوة فاعلة، منتجة وآية ذلك أن أجمل النصوص المؤثرة ولدت في مجتمعات الفلسفية(9). وهو في ذلك يتجاوب مع الكاتب والباحث الأمريكي مارك مانسون في كتابه " اللامبالاة" الذي بيعت منه ملايين النسخ في الولايات المتحدة الأمريكية جاعلا من قلق المفكر قلقين:

قلق بيئي مجتمعي يخلخل تأملاته
وقلق فلسفي يثير أسئلته الوجودية لفهم ما يجري وكيف ولماذا يجري؟

لذلك كتب مارك مستنتجا يقول: "قلق الإنسان المعاصر يزداد يوما عن يوم لأسباب تطوره، وتفاقم مشاكل حياته اليومية.(10)

كما يتجاوب مبدعنا في هذا التصور مع قطب الصوفية سفيان الثوري الذي باح في إحدى شطحاته بقوله: "من يزدد علما يزدد وجعا / قلقا".

-8-

هذا المؤلف القيم يهدف إلى تبيان حقائق علمية ذات علاقة وطيدة بالكتاب والكتابة والثقافة. وهذه الأخيرة هي التي تكون بفلسفتها كل تنمية بشرية ناجحة باعتماد الدراسات والتخطيطات الضرورية لإقلاعها. والكاتب قبل ذلك وكعادته الفكرية في مقارباته للقضايا المعالجة يتوسل النهجين الابتسمولوجي والانتروبولوجي للإبحار عبر أصول التسميات ونشأتها وتطورها وهذا ما فعله مع التنمية مذكرا بتاريخ وظروف إطلاق مصطلحها كما يلامس عندها عشر مرام حددتها الأمم المتحدة في شأنها (11) / (12).

-9-

إن الثقافة عند الأديب محمد أديب السلاوي تعتبر مكونا ممدا بالطاقات الإشعاعية لكل ما يتفرغ عنها من صناعة ثقافية وكتاب وكاتب وقراءة وتنمية. فهي التي تزود كل واحدة منها بالفلسفة التي تؤهلها لمعرفة ذاتها والتماهي مع باقي المعارف الإنسانية.

سؤال الثقافة والتنمية مشروع ثقافي مكتمل المقاربات، إصلاحي مستفيض الملامسات، نهضوي مستجمع لكل آفاق الحلول الناجعات. وهو في ذات الوقت مرافعة قوية، تدافع دفاعا مستميتا عن المفكر والمبدع والفنان / الشموع الرموز التي تحترق لتضيء ما حولها. وهو يطمح في أن ترقى القطاعات المعنية بالثقافة ارتقاء يقربها مما توفره الأمم المتقدمة من خدمات جلى لهؤلاء وأولئك، للتفرغ والنشر والإعلام والتأطير وغيرها من الخدمات الصحية والاجتماعية للذين هم أحوج ما يكونون إليها، مما يكفل لهم العيش السليم في ظل برور نبيل لأنه جزء من القيم الثقافية الكونية الضامنة لكل تقدم حضاري ورقي إنساني.

وأود بالمناسبة أن ألفت عناية المشرفين على القطاع الثقافي لنموذج غاية في السمو الإنساني وآية في النبل الرحيمي متمثلا في جلالة الملك محمد السادس حفظه الله الذي يتفضل تفضلا رائقا في مرات لا تعد ولا تحصى بالاهتمام بمثقفينا وفنانينا وصحفيينا يعطي تعليماته السامية الرؤوفة للتكفل باستشفاءهم، والسهر على سلامة صحتهم، باعثا رسائل اعتبارية مشرفة لكل الفائزين منهم بجوائز علمية أو لذوي المتوفين منهم. كما يخص في كل الأعياد الوطنية نخبا منهم بأوسمة للعرش جليلة تنويها لهم بما قدموا لوطنهم من إصدارات مشرقة أو انجازات علمية متميزة أو إبداعات فنية مشعة. ناهيك عن الدور الثقافي الطليعي الذي تضطلع به أكاديمية المملكة المغربية تحت إشرافه المنير.

إن جلالة الملك نصره الله قدوة مثلى فلم لا يستمد هؤلاء المشرفون على القطاعات الثقافية القبس الروحي من مشعله الوهاج عبر ابتكار استراتيجيات ثقافية على الآماد القريبة والمتوسطة والبعيدة تكون انطلاقة فلسفية للانكباب على قضايا رجال الفكر والإبداع والعلم والابتكار. وفي مؤلف "سؤال الثقافة والتنمية" للمكفر المتميز محمد أديب السلاوي من الإجابات عن هذه الأسئلة الراهنة ما يساعد على معانقة هذه الإستراتيجية المنهجية التواقة إلى الكمال الثقافي، لكن لابد من تفعيل آليات استعجالية مرحلية تتعاون فيها وزارتي الثقافة والمالية للقيام بما ينبغي القيام به قصد إغاثة ما تبقى على قيد الحياة من نخب الأجيال المنصرمة أطال الله أعمارهم وهم قلة على أية حال يعانون من الفقر والمرض والحاجة بعد أن قدموا لوطنهم ما قدموا في الإبداع الأدبي والإعلامي والفني فخانتهم حظوظ التقاعد والتغطيات الصحية أو التأمينية لظروف مجتمعية كانت تتلمس طريقها نحو الاستقرار الإداري أوائل استقلال المغرب.



الهوامش:

المكتبة الوطنية بما تحتضنه من مخطوطات ونفائس / علال الفاسي / محمد بنعبد الله / محمد عزيز الحبابي
مبحث عن أي استراتيجية ثقافية يتحدثون
نفس المرجع رقم 2
مبحث المغرب في زمن الصناعة الثقافية والإبداعية بين الممكن والمستحيل
مبحث الحق في القراءة ماذا يعني؟
مبحث أزمة الكتاب في المغرب إلى أين؟
مبحث كتابة الفعل والتفاعل
الإعلاميون / الكتاب والمفكرون لمن يكتبون
فولتير / دوستويفسكي / علال الفاسي
أخبار اليوم / الصفحة الثقافية بتاريخ 25/07/2019 عدد 1440
يتحدثون عن انجازات التنمية البشرية
خطاب العرش لجلالة الملك محمد السادس حفظه الله / يوم 29/07/2019: أكد جلالته نصره الله على تكوين لجنة لدراسة التنمية تتكون من شخصيات المعرفية تشمل مختلف التخصصات المعرفية وروافد الفكرية / تتوفر فيها معايير الخبرة والتجرد والقدرة على فهم نبض المجتمع وانتظاراته.




الثقافة والتنمية.jpg

هذا النص

ملف
محمد أديب السلاوي
المشاهدات
49
آخر تحديث

نصوص في : مقالة

أعلى