جعفر الديري - الشاعرة نجوم الغانم: أمضت جل حياتي أكتوي بنيران مصطلح الحداثة

كتب – جعفر الديري

قالت الشاعرة الإماراتية نجوم الغانم، انها أمضت جل حياتها، وربما معظم أبناء جيلها، تكتوي بنيران مصطلح الحداثة، على رغم أنها لم ترغب في أن تكون طرفا في الجدل الدائر حوله.
وأضافت خلال استضافتها في أسرة أدباء وكتاب البحرين الأربعاء 30 يونيو 2004: صنفنا على أننا حداثيون من باب التهكم، وليس من باب الاعتراف بأن هذه هي الحقيقة، وكان السبب المباشر لذلك هو خيارنا لكتابة قصيدة النثر.
وأكدت الغانم: ان الحداثة لا تعنيني كمصطلح، ولم يشغلني السجال العربي الممتد من المحيط إلى الخليج عن ماهيتها، فقد كنت أراقب النزاع الدائر، وأشعر بالاغتراب، وأقول النزاع لأنه لم يكن يصل في نظري إلى مستوى الحوار الثقافي الرصين وكانت الزوبعات الصحافية تنتهي بالتحول إلى فصول في الكتب.
وأضافت الشاعرة الإماراتية: أرجو أن يكون ما أقوله هنا هو نوع من الشهادة وحسب. أتمنى أن تغفروا لي الاكتفاء بالحديث عن رؤيتي باعتباري إنسانة وشاعرة وفهمي الشخصي لبعض المكونات والمؤثرات التي لعبت دورا في حياتي وأسهمت في تشكلي سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.

لغة أقل تعقيدا

وواصلت الغانم: كغيري من أبناء جيلي تعتبر المصادر الأدبية من نصوص شعرية وروائية ومسرحية هي واحدة من المفاصل الأساسية التي اعتمدت عليها تجربتي. وشكل الشعر المصدر الأول في فترة الطفولة، وكان يمثل نافذة مذهلة لعالم آخر، لا يشبهها شيء في الواقع. إن قراءة المتنبي وأبوفراس الحمداني والنفَّري وأبونواس وأبوالعلاء المعري، نابعة من الدهشة التي تنتابك في سن صغيرة، وتبقى مسيطرة عليك كالحلم الخالد. لقد بقيت أنظر بانخطاف لهذا الميراث الغني والساحر حتى أخذت أتعرف على الشعر الأكثر حداثة في مرحلة الثانوية العامة، والذي بدا يجذبني إليه أكثر هو قدرته على تصوير مفاصل الحياة اليومية بلغة أقل تعقيدا وصورا يمكن للخيال أن يقبلها ويقبل المقاربة بينها وبين خصوصية المكان والزمان، وجاءت الكتابة بشكلها المرتبك في نهاية السبعينيات، ثم كان قراري حاسما مع بداية الثمانينات في أن أتوقف عن المحاولات الطفلية في تقليد الشعر العمودي وشعر التفعيلة والإخلاص لشكل واحد هو قصيدة النثر التي أحب تسميتها بالقصيدة الحرة. وكغيري شغفت بالعدمية والدادائية والسريالية ثم البنيوية واللسانيات وغيرها من الحركات التي تجعلني أزداد فوضى وبوهيمية. وكانت هناك بالإضافة إلى ذلك بصمات تركت آثارا عميقة في النصف وأسئلة لن تلقى الإجابة. تلك البصمات تتمثل في قصائد سان جون بيرس، بودلير، رامبو، ت س اليوت، وأرغون، جاك بيرك، وايف - بونفوا. وفي فلسفة باشلار وأناشيد مالورو الوحشية للوتريامون وفي نصوص شكسبير المسرحية علي هنا أن أشكر جبرا إبراهيم على مشروعه الكبير في الترجمة - وفي الكتب المقدسة التي أشير إليها هنا باعتبارها كانت أساسية في تعميق معرفتي وبلبلة أفكاري وشحذها وفي تصوير إمكاناتي اللغوية ونموي الروحي.

قاسية بشكل لا يوصف

وقالت صاحبة ديوان مساء الجنة: كتبت الكثير من الذي رفضت فيما بعد وضعه في كتاب، واخترت القليل منه ليشكل كتابي الأول (مساء الجنة) وما بين مساء الجنة ومنازل الجلنار ظهرت الكثير من التحديات على صعيد قناعاتي الشخصية، لكنني في أكثر من عشرين سنة لم أنشر سوى أربعة دواوين فقط وديواني الخامس قد نشر إلكترونيا في موقع جهة الشعر ولم يصدر كتاب بعد والسبب لا يعود لأنني لا أكتب وانما لأنني قاسية بشكل لا يوصف مع نصوصي ولأني في كل مرة أتساءل ترى لمن أكتب ولماذا؟
ومستعرضة مكونات شعرها الأخرى، قالت الغانم: من المكونات الأخرى الحب الذي هو أجمل ما يحدث لنا في الحياة وما يجعلنا نكتب أجمل ما لدينا سواء في حالات سعادتنا أو ألمنا، واني لأعتبر الموسيقى واحدة من العناصر التي جعلت كتابتي أكثر رآفة وربما أكثر خصوصية، فلست أبالغ إذا قلت اني كتبت معظم قصائدي وأنا استمع إلى الموسيقى وكنت استظل بها تحت سمائها وكانت حاضرة بين حروف القصائد وفي فراغات الأسطر. كما أنني لا استطيع الكتابة من دون أن استمع إلى الموسيقى فكذلك الصمت لأنني لا استطيع الكتابة وحولي الآخرين، ولكي أستطيع الصمت يكفي أن أتذكر مشهدا عالقا في الذاكرة للسباحة تحت الماء إذ لا شيء سوى صوتك الداخلي أو الصمت الأبدي.

شيء يدعو للجمال

وتابعت القول: عندما لا يكون أمامك ما تستغيث به تأتي الظلال بقامتها العالية وتبدأ في تلطيخ الجدار حولك بحبرها الشفيف، ومن بين كل القراءات تأتي قراءة الرواية في مقدمات أولى الخيارات التي تجعلني أكثر سعادة كوني مازلت أحيا وكوني مازلت قادرة على التمتع بالمزيد من القراءة في هذا الفن الابداعي الرائع. أما عن الرحيل فقد كان الانفصال الجغرافي عن الإمارات والابتعاد للدراسة أكبر عامل في تغيير وجه تجربتي الابداعية، والذي منحني الفرصة لأن أقرأ ذاتي وأن أقبل الثقافة الأخرى وأن أحترم ثقافتي وهويتي وانسانيتي أيضا فقد تعاملت في الرحيل مع المعرفة بكل أشكالها وألوانها وأصبح عدم وجود الشعر لا يعني سوى وجود شيء آخر يستحوذ على الاهتمام لأنه جميل أو يدعو إلى الجمال بصورة أو بأخرى.
وأضافت الغانم: تقول لي ابنتي عندما تريد مشاغبتي: أحيانا أشعر أنك تحبين أشجارك أكثر منا، وكيف أستطيع العيش من دونها والموت لا يشبهه شيء ودخل حياتي كالصاعقة ومن دون استئذان أو إشارات تجعلني استعد لكارثته. فعندما تحبون شخصا ما أخبروه كم أنتم تحبونه لأنكم لو فقدتموه فستتألمون وتسخطون ولن يجعلكم الندم تخلدون للنوم أبدا.
صحيفة الوسط البحرينية
العدد : 671 | الأربعاء 07 يوليو 2004م الموافق 06 ذي الحجة 1440هـ

هذا النص

ملف
جعفر الديري
المشاهدات
27
آخر تحديث

نصوص في : نقد أدبي

أعلى