ميسلون هادي - نعوشة تغني

شارعنا ينتهي بسدة ترابية لدواع أمنية.. وعندما تمر سيارة الأزبال فإن عليها أن تذرعه مرتين ذهابا وأياباً.. وفي الرواح والمجيء يحييني الزبالون، ويضحك معي سائق السيارة.. ظننت أن للأمر علاقة بشعري المنفوش على الدوام، أو بكوني السافرة الوحيدة في الشارع المسدود بأكياس الشاي الأخضر.. إلى أن اكتشفت أن جارتي أصايل قد أخبرتهم انني أعمل صحفية في جريدة أمانة العاصمة.
الكثير من المشاهد تبدو لنا مكررة من زمن آخر.. والسبب أنها تصل الى الدماغ مرتين.. وتحدثُ أحياناً أشياء غريبة فيما يتعلق بهذا التكرار أو العود العجيب، كأن تفكر بأغنية (يا وردة الحب الصافي) لمحمد عبد الوهاب، فتسمعها في اللحظة نفسها التي تفكر فيها بالأغنية، أو تتذكر (أيام السادات) لأحمد زكي، فيظهر لك الخائن الأول في الوقت نفسه الذي فكرت فيه بالخائن الثاني... وحقيقة ما يحدث، كما جاء في كتاب الفيزياء المسلية، هو أننا عندما نرى الصورة، يقوم الجزء الخاص بالرؤية، ويسمى مركز الرؤية، بترجمتها إلى إشارات. أما إذا أردنا فهمها واستيعابها وتذكُّرها، فيكون ذلك في جزء آخر يسمى مركز الذاكرة. وقد يطرأ في بعض الأحيان تأخّر بين العمليتين، وتمرّ بثوان تدخل فيها الصورة إلى مركز الذاكرة قبل مرورها إلى مركز الرؤية، وعندما تعود إلى مركز الذاكرة مرة أخرى، يشعر هذا الدماغ المسكين بأنه قد رأى هذا المشهد من قبل.. هذا هو ما يفسر أن الكثير من المشاهد تبدو لنا مكررة من زمن آخر..
الباب جنب الباب.. والجار قبل الدار.. وعندما سمعته يغني (هذا مو إنصاف منك) لسليمة مراد كنت أكتب قصة من الخيال العلمي عن سليمة باشا وإشاعة زواجها من الممثل الياباني روبرت دي نيرو.. فهل هذه محض مصادفة عجيبة، أم أن سليمة باشا قد وصلت إلى الدماغ مرتين؟.... المهم أني فرحت لأن الدار قد أصبح أخيراً مشغولاً بالناس، وفيه جار يغني بصوت عال (هذا مو إنصاف منك).... فيأتي الصوت مصحوباً بالصدى لخلو البيت من الأثاث، ويجعلني ذلك الرجع القريب أسترجع فرحة عرسي عندما كان صوتي يملأ الطابق الأرضي بالغناء، وأنا أُعلّق ستائره المشجرة وأردد (على هدير البوسطة) التي تمرد القلب.... لثلاث سنوات وهذا البيت صامت جداً، وبدا لي صمته موحشاً، بعد أن هاجر أصحابه وتركوه فارغاً يتردد عليه المستأجرون الطارئون ثم يصدون عنه لبيت مهجور آخر.. أخيراً سكنَتْه عائلة مهجّرة من حي الحرية ثم غادرته خلال أيام معدودة إلى ستوكهولم عاصمة السويد المدورة.. وبعد ذلك ظل الحرس الوطني يتردد عليه مستفسراً عن أصحابه الأصليين، فتتصدى لهم أصايل ذات القلب الطيب بشتى التبريرات.. بينما مجموعة من النسوة المشاءات بالنميمة كن ينظرن إليه وينتقدن الأزبال المكومة في بابه.
ولكن (هذا مو إنصاف منك) كانت تأتي مصحوبة أحياناً بضحك وصراخ وبكاء أطفال وحامض حلو ودعبل ودنابك ونركيلات وأصوات حطام وخرفان تمعمع وعراك بين رجال يحملون أسماء غليظة ونساء يحملن أسماء في غاية النعومة... ولا شيء مهم في ذلك.. المهم أن البيت أصبح مسكوناً بالبشر الذين يتعاركون مع الجيران ويحطمون الكثير من صحون الفرفوري.. وفي أعراس القطط التي اخترقت الحدائق من بداية شباط حتى نهاية آذار، جرى تعارفنا...... تبادلنا الأحذية والنعلان التي كانت تطير في أثر القطط المسعورة.. وبعد النعلان العابرة للجدران، جاءتنا أعقاب السكائر، وبعد أعقاب السكائر، جاءتنا علب الكبريت وبعد علب الكبريت، جاءتنا قناني العرق، وماذا بعد؟.. ملابس منشورة على الأشجار.. أكياس سوداء ملوثة ببقايا الفلافل.. قمصان عريضة صارخة الألوان.. سراويل داخلية مثقّبة.... وكلها يطيَرها الهواء العالي منهم إلينا.. وأخيراً وليس بآخر، نوبة من هياج الدجاج تبعتها نوبة من هياج الديك جعلتني أطير فوق منضدة الخيزران وأمد رأسي من خط الوسط... حدث ذلك إثر نوبة تنظيف جارفة جعلت شعري يبدو هستيرياً كشعر إينشتاين.. شعري في أجمل حالاته يبدو كشعر مايكل جاكسون قبل تسريحه بالأوكسجين النقي.. ولما لم ينتبه لشعري المهووش أحد، وجدت فتاة تغسل جورباً رجالياً تحت حنفية الحديقة..هل هي جمانة أم سفانة أم ريحانة؟ قلت لها:
- ما هذه الأذية؟ أعقاب سكائر وقناني عرق ونعلان!؟..
نادت أمها بلا مبالاة، وحامت نحلة صغيرة حول ماء الحنفية المفتوح.. وذلك على الأرجح ليأسها من العثور على وردة واحدة في الحديقة.. وبعد لحظات جاءت نعوشة ترتدي النعال الطائر نفسه الذي حط بإثر قطتنا اللعوب (دنفش) قبل أيام، وكانت تبدو في صحة جيدة ومزاج حسن.... حاسة السمع هي التي أهدتني الى اسمها بعد إنصات مرهف من الخط الفاصل بين سطحنا وسطحهم، ودائماً كنت أبالغ في الانحناء تحت حافة السياج المتعامد مع حبل الغسيل لكي لا يظهر شعري على الملأ.... يا حاجة نعوشة.. انتظرت عدة أيام قبل أن أتحدث إليكم.. لا أريد أن أسبب مشكلة.. أو حالة رعب.. لأن اعقاب السكائر مغطاة بأحمر شفاه.. وقد انتظرت خلو الحديقة من الرجال لكي أتحدث إليكِ.. فقد تكون من رمتها بنت شابة وتحدث مشكلة.
فعلاً.. انتظرت طويلاً وأنا أنظر من شق ضيق جداً في السياج لأجد الحديقة ملظومة بحادي وسوادي وعبد الهادي.. المكان الذي ليس فيه نساء يبدو مظلماً حتى وإن كان تحت شمس مشرقة وفي حديقة... فكيف إذا كانت كهذه الحديقة التي لا نرجس فيها ولا قرنفل ولا أعشاش عصافير.. يخيل لي ان حتى الهواء لم يكن موجوداً فيها... هناك فقط خرفان قذرة وفوانيس منطفئة وشعور منفوشة وغسالة تعمل وسط الحديقة فيتسرب ماؤها الى الأرض وتتكوم قربها تلة عملاقة من الملابس الرجالية.. هي الأخرى بدت مظلمة بالرغم من أن الشمس كانت مشرقة ؟
- هل هذا بيت أم مخيم؟
الحاجة نعوشة لم ترد على كلامي كله سوى بكلمتين:
- أنا لست حاجة.
فقلت لها وأنا أهبط من المنضدة على عجل:
- عفواً يا مدام.
كتبت الكثير من القصص عن الجيران وأصوات الجيران.. أكره الرقم أربعة وأحب الرقم عشرة.. وأول قصة كتبتها حملت عشر نقاط على حروف عنوانها الجميل... وكانت عن جار بلا اسم ولا شكل ولا لون... أسمع سوى صوت أقدامه على السلالم ثلاث مرات في اليوم بعد أن ترك أهله الشقة يوم الجمعة، وفي يوم الخميس عادوا من السفر وقالوا أن الشقة كانت فارغة خلال غيابهم ولا يوجد فيها أحد.. يالها من قصة جميلة جداً جداً جداً، وليس فيها سوى لاوعي بشري واحد يلعب معنا الختّيلة كل يوم... وحلال دم الغزال.. خاتل ما خاتل معلية.. والصورة قد تمر مرتين يوم الإثنين أو لا تمر على الإطلاق.. هذه هي تقنية الشخص الثالث التي تجعلنا ألعوبة يتسلى بها دماغنا المسكين.
ماعلينا.. ليس لدي الكثير من الأصدقاء في الوسط الادبي.. هم قلة قليلة جداً.. منهم عبد الستار البيضاني الذي هز مشاعر القراء نهاية الألفية الثانية، عندما تمنى أن يمتلك داراً بحديقة صغيرة... وآخر المطاف تحققت أمنيته الشهيرة تلك، وامتلأت حديقته بالورد الذي استورده الأمير عبد الإله من بلجيكا.... والآخر سهيل سامي نادر الذي يعتقد أن الممحاة التي تمحو أفضل من القلم الذي يكتب.. والنتيجة أنه أصبح يكتب بالشوكة والسكين ويمحو بمغرفة الرز... فأين هو الآن ليمحو لي حديقة كهذه الحديقة (المرة) ؟؟..حديقة ؟ أية حديقة؟.. خرفان ودجاج وصراصر وأطفال عراة وغسالة تعمل وسط الحديقة الخالية من العشب... فهل هؤلاء هم المهمشون الذين سألني عنهم يوم أمس السيد رزاق حسن في حوار من حوارات الزمان؟ تباً لي من منافقة شريرة.. الآن فقط أشعر بالحرج من قولي، في الإجابة عن سؤاله، بإني أصادقهم بدافع إحساس خالٍ من النفاق أو الرياء.
كان رصيد هاتفه من خط (عراقنا) قد نفد خلال الحوار، فلم أشرح له الأمر أكثر من ذلك.. وأنا لم أكن أقصد هذا النوع من المهمشين طبعاً.. ومن غير الممكن أن أجلس معهم على الأرض، أو أن أتحدث إليهم عبر خط الوسط، لولا أن حذاءً عملاقيَ المقاس، يعود إلى كبيرهم سوادي على الأرجح، قد طار من (حديقتهم) إلى حديقتنا التي تحولت بفضل قطتنا (دنفش) إلى ملهى..... اللعنة عليها.. تفلش وجهها في النهاية جراء الركض خلف نزواتها الرخيصة، فاضطررت إلى مداواتها بالمضادات الحيوية المذابة بالحليب الساخن، وتضميد وجهها من الأثر الذي تركه مضاد أرضي خمنت أن نمرته 44. وإذا كان تخميني صحيحاً فهو، في هذه الحالة، نفسه الرقم 10 بالقياس الأمريكي، وفقاً لما قاله بوش أثناء تلافيه عواقب حرب سريعة بدأت ولم تنته...
شارعنا ينتهي بسدة ترابية لدواع أمنية.. وعندما تمر سيارة الأزبال فإن عليها أن تذرعه مرتين ذهابا وإياباً، وفي الرواح والمجيء يحييني الزبالون ويضحك معي سائق السيارة.. ظننت للأمر علاقة بشعري المنفوش على الدوام، أو بكوني السافرة الوحيدة في الشارع المسدود بأكياس الشاي الأخضر.. إلى أن أكتشفت أن جارتي أصايل قد أخبرتهم بأنني أعمل صحفية في جريدة أمانة العاصمة. أصايل راويّة من مدينة راوة.. وتمتلك قدرات خارقة كانت كافية لمنع الأمريكان مع الحرس الوطني من تفجير بيت نعوشة عندما كان خالياً.. تخصرت وقالت لهم إنه بيت (خال الوِلد). منذ ذلك اليوم وأنا أزورها باستمرار.. وحاولت تصحيح مهنتي أمامها عدة مرات دون جدوى.. وعندما مات زوجها جلستُ قربها في العزاء فأصبحنا صديقات منذ ذلك الحين.....
شكوتُ لها تلك الجيرة المزعجة وقلت لها، بعد أن انتهتْ العِدّة، إنهم لا يبدون طيبين كباعة الخضار، ولا مرحين كالحلاقين، ولا إسطَوات كالنجارين.. فمن هم بحق الله، إذا لم يكونوا لا باعة خضار ولا حلاقين ولا نجارين؟.. حدث ذلك يوم السبت، في بيتها الذي يقع فوق خرائط ميترو الأنفاق، وبعد يوم واحد جاءت أصايل بالخبر اليقين إلى بيتي، الذي يقع تحت خرائط القطار المعلق، وقالت لي: إنهم غجر من أطراف البادية.... وبسبب الحرب تركوا مهنة الرقص وامتهنوا الشحاذة في بغداد.. قلت لها: شكراً يا أصايل.. وماذا بعد؟
- سنوقع عريضة شكوى للمجلس البلدي لإخلاء البيت.. كومة حجار ولا هالجار..
عميت عيني عليهم.. فأعقاب السكائر هي ليست كل ما يتساقط منهم.. هناك أيضاً ثمرات النارنج التي كانت تتساقط من شجرتهم الوحيدة على صبّتنا التي انطبعت عليها أقدام دنفش عندما كان الإسمنت طرياً، وكنت أرى أحياناً أسورة لؤلؤية جميلة تمتد إليها لتقطف منها بعض الثمرات.. وأسمع كذلك أغنية (هذا مو انصاف منك) فتذكرني بـ(هدير البوسطة) التي تمرد القلب... ولا أنسى صغيرهم الذي كان يغني أحياناً (الثعلب فات فات)، فأتذكر أيام روضتي والدنيا ملك يميني، عندما كنت أردد ذلك النشيد من الصباح للمساء معتقدة إنه النشيد الوطني.... إذن بدلاً من التوقيع على تلك العريضة اللعينة، سأستخدم تقنية (الشخص الثالث) لإزاحتهم عن طريقي.. يمكن أن أترك ما لا أريد إلى ما أريد.. ولحية القاضي لا يمكنها أن تتحول إلى مكناسة.
هه!! موت يا حمار لما يجيك الربيع.. وتعال وشوف ياحمار شلون طلع القاضي فد واحد خراعة خضرة.... فلا زال خروفهم يمعمع ودجاجهم يتطاير علينا.. ولا زالت أعقاب السكائر وقناني العرق تهبط علينا صباح مساء.. أما الشخص الثالث فقد أنصرف بعد أن كنسوني عن طريقهم بالمكناسة الكهربائية، وجعلوني أفكر بالهجرة إلى ستوكهولم عاصمة الرشيد.. وفوق القهر.. نعوشة لم تعد تغني.. وإنما تعطي أوامرها لمجاميع الشحاذين بصراخ متواصل للانتشار في الشوارع المتقاطعة.. كان صراخاً من طرف واحد لأنها أصبحت تتحدث بالموبايل.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى