جعفر الديري - عبدالحميد المحادين: الرواية انجاز كلامي كتابي غير واقعي

كتب – جعفر الديري

أكد الناقد الدكتور عبدالحميد المحادين، العلاقة الملتبسة بين الرواية والتاريخ وصعوبة تحديد كل منهما، متسائلا عن امكان تحديد علاقة مجهولة بين شيئين مجهولين.
وأوضح أن الرواية تعتبر انجازا كلاميا كتابيا لشيء لا يمكن أن نعتبره منجزا واقعيا، وانما هو تخييل على الواقع، أي أنه شيء يأخذ من الواقع ميكانيكاته في الحركة لكنه لا يأخذ منه حقائقه الموضوعية.
وقال د.المحادين، خلال المحاضرة التي ألقاها الثلثاء 8 فبراير 2005 في الملتقى الثقافي الأهلي في العاصمة المنامة: عندما كتب جمال الغيطاني رواية "الزيني بركات" وأخرجت على شاشة التلفزيون كدراما كانت مثيرة جدا وشكلت جزءا من سلسلة العلاقة بين الرواية والتاريخ. وربما يكون من المستغرب هنا التساؤل ما التاريخ؟ يفترض أن التاريخ تدوير للمنجز من الأعمال والأفعال في السيرورة الانسانية. فهل صحيح أن التاريخ هو تدوين واقعي موضوعي للمنجز من الأعمال في السيرورة التاريخية، وهل أن التاريخ يكتب بأمانة وصدق فعلا؟! فأساس التاريخ أنه تدوين للحركة والحركة التاريخية تقوم أساسا على الصراع، فلا يتحرك التاريخ الا نتيجة لوجود صراعات، والصراعات المقصودة هنا هي القوة وهي صراعات ايرادات وهي صراعات لا تتوقف الا عندما ينخذل أحدها وينتصر أحدها من الأطراف المتصارعة. بينما من يكتب التاريخ دائما هو المنتصر. ومهما كان المنتصر فان التاريخ ينحاز اليه ومهما كانت فضائل المنهزم فان التاريخ يتخلى عنه، وبالتالي نقرأ التاريخ من وجهة نظر الذين كتبوه من زاوية كونهم منتصرين، والأنكى من ذلك أن كثيرين من الذين يكتبون التاريخ للمنتصرين يتملقونهم وبالتالي يزورون لهم من حقائق التاريخ شيئا فوق انتصارهم وفي الوقت ذاته يقللون من أهمية المنهزمين ويسلبونهم حتى الفضائل ان كانت لهم فضائل. وبالتالي نجد أن التاريخ يبتعد عن الحقيقة مرتين، مرة لأن من كتبه هو المنتصر ومرة لأنه كتب للمنتصر وبالتالي لا يكون التاريخ ما أسميناه بالمنجز الواقعي الحقيقي لحركة الزمان أو حركة المكان".

تخييل على الواقع

وأضاف المحاضر: ان الرواية كتابة منجزة ليس بالضرورة لأفعال منجزة، بمعنى أن الروائي لا يكتب روايته وهو متأكد من أنه ينقل واقعا أنجز بالدقة والموضوعية لأنه أن كتب هذا ذهب الى خانة المؤرخين. ولذلك تعتبر الرواية انجازا كلاميا كتابيا لشيء لا يمكن أن نعتبره منجزا واقعيا، وانما هو تخييل على الواقع. أي أنه شيء يأخذ من الواقع ميكانيكاته في الحركة لكنه لا يأخذ منه حقائقه الموضوعية، وطبيعي أنه مادام المؤرخ لا يأخذ الحقائق الموضوعية أحيانا فمن باب أولى أن الروائي لا يتعامل مع هذه الحقائق الا بالقدر الذي يوظفها في بنيانه الذي ينجزه.

جزء من الذاكرة

وإلى ذلك أوضح د.المحادين أن: التاريخ جزء من الذاكرة ونحن الشرقيون لدينا شيء من الحنين للماضي مهما نكن سعداء، فنحن نحن الى الماضي الى الدرجة التي نحكم فيها في رقابنا شيئا من الماضي لا يستحق أن يكون متحكما فينا لأنه قد لا يكون جوهريا، فيأتي الروائي وينظر الى الخلف فيرى التاريخ ممتدا خلفه لا أول له ولا آخر، تاريخ مليء بالحوادث والشخوص. فكل تاريخ سرد يسرده راو بطريقة ما له استراتيجياته من حيث التعامل مع الزمان والتعامل مع المكان وهناك نماذج بهذا الخصوص، فهناك من يكتب التاريخ عاما بعد عام، وآخرون يكتبون التاريخ عموديا من الأخير.
وتابع: ان هناك حوادث جاهزة وهي التاريخ وحوادث تثير الحنين من التاريخ فيأتي الروائي ويتطلع الى التاريخ، وهنا يكون أمام خيارين فاما أن يذهب الى التاريخ واما أن يحضر التاريخ لكي يتعامل معه وعندها اما أن يعصرن هذا التاريخ واما أن يذهب هو فيعيش في ذلك التاريخ ويعيد انتاجه تاريخا موازيا للتاريخ. والنموذج الأول هو ما فعله جورجي زيدان الذي قرأ التاريخ ثم أعاد انتاجه من التاريخ ولم يكد يزد شيئا على ما ذكر الا ضرورات البناء الدرامي حتى لا تبقى ثغرات فكان عندما يتحدث عن العباسة أو البرامكة مثلا يتكلم كما جاء في كتاب "اعلام الناس بما جرى على البرامكة من بني العباس" اذ يقوم باعادتها قصصا كما هي، وذلك ما يعتبر ايغالا في التاريخ لا يشكل أي اضافة بشكل ما لأن الاضافة عادة لا تجيء الا من التأويل، وأقصد هنا الاشارة الى النوع الثاني من الروائيين الذين ينظرون الى التاريخ ويأخذون منه الحوادث الجاهزة ويعيدون انتاجها مأولة. والتأويل هو أن تعيد انتاج الحكاية مع اضافة وجهة نظر مختلفة عن وجهة النظر المعروفة، وهو أن تضيف وجهات نظر لنص واحد وهذا ما فعله كثيرون من الروائيين الحديثين الذين جاءوا بعد جورجي زيدان كنجيب محفوظ في رواية "رادوبيس" و"عبث الأقدار". الا أنه بعد ذلك وفي فترة لاحقة اتجه الروائيون الى احضار التاريخ واسقاطه على الواقع، وهذه هي الاضافة الكبيرة التي استفادتها الرواية من التاريخ فهي قد استفادت من الحوادث لكنها لم تنتجها على تقليد ولم تأت بها لمجرد أن تستكمل بها الصورة وانما جاءت لتسقطها على الحوادث التي نعيشها.

تاريخانية التاريخ

وضاربا مجموعة من الأمثلة، قال د.المحادين: هذا جزء واحد من الصورة ونضرب له عدة أمثلة فرواية عبدالرحمن منيف "أرض السواد" تاريخ محدد بسنين تعنى بالعراق من الى ولكنه اسقاط للماضي على الحاضر. مثال آخر رواية فوزية رشيد "الفارس الغريب" تاريخ من العصر العباسي ولكنك بمجرد أن تقرأ الاهداء تعرف أنه تاريخ مستحضر ليسقط على الحاضر لأنها أهدتها الى أطفال الحجارة، فهي اذن استفادة من التاريخ في محاولة لتوظيفه وتأويله ليكون أداة من أدوات التعامل مع الحياة، وهناك من الكتاب الخليجيين من كتبوا التاريخ كما هو لكنهم أضافوا اليه شيئا ما ولم يتجاوزوا تاريخانية التاريخ أي أن يكون في النهاية شيء لا تأويل فيه كاسماعيل حمد اسماعيل الذي كتب مؤرخا للغزو العراقي للكويت سبعة مجلدات تقرأها من أولها الى آخرها فتجد أنها عبارة عن يوميات مراسل حربي يتحدث عما جرى في الكويت، لكن الذين وظفوا التاريخ تأويلا هم الذين كتبوا الروايات ولم يلتفتوا الى التاريخ فكانت هي التاريخ كثلاثية نجيب محفوظ مثلا.
صحيفة الوسط البحرينية
العدد : 893 | الإثنين 14 فبراير 2005م الموافق 27 ذي الحجة 1440هـ

هذا النص

ملف
جعفر الديري
المشاهدات
76
آخر تحديث

نصوص في : نقد أدبي

أعلى