أحمد شحيمط - العدالة كسؤال فلسفي..

يبحث الناس منذ القديم عن العدالة لغايات اجتماعية وسياسية وانسانية ، في قيمة العدالة تكمن قيمة الانسان ووضعه الاجتماعي، وفي صيانة الحقوق الطبيعية والمدنية وكل المكتسبات، من نضال الانسان وسعيه الحثيث نحو الحق، وبناء قواعد سليمة للمجتمع المنصف.عدالة الاقوى في التفكير السوفسطائي المستمدة من الطبيعة، فليست العدالة في القوانين الوضعية التي يعيد صياغتها الضعفاء لحماية انفسهم من قوة الاقوياء . فالزيادة في القوة ودرجتها من شيم الاقوياء، وفي مضامين العدالة توزيع مناسب للثروة من خلال وضع اجتماعي يتناسب وقدرة وكفاءة الاشخاص الذين يمارسون اعمالا ويؤدون وظائف في مجتمع متماسك، المفاضلة بين الاقوياء والضعفاء لا تستند على حجة منطقية أو منطق أخلاقي يعطي هذا التوصيف للعدالة، من جهة القوة المادية، وحق القوي بدون سند وحجة واهية من صناعة الفكر السوفسطائي، ولعل الارتباك في تصور العدالة تمليه رؤية الفيلسوف سقراط في تفنيد المغالطات للبحث عن قواعد صارمة في عملية مستمرة للتأسيس، تنطلق من الذات، وتنتهي بالدولة والمجتمع، في تصور الفكر اليوناني للعدالة تتجلى اشكاليتها في بعدها الاخلاقي والسياسي والاجتماعي معا. أم الفضائل بتعبير افلاطون، سعى الانسان الى نيلها وتجسيدها في الممارسة والسلوك. عدالة فردية وعدالة اجتماعية. فكل رأي في العدالة في محاورة "الجمهورية" مرده للنقاش والحوار الطويل حول ماهية العدالة، واسئلة شمولية في المحاورة عن صورة العدالة كفضيلة، وكيفية تجسيدها في الفرد كتناغم في قواه النفسية وفي المجتمع التراتبي كقيمة عملية وفضيلة نظرية في الحكم وتنظيم المجتمع . من العدالة في القوة وهيمنة الاقوى، ومن تعريف العدالة كإعطاء لكل ذي حق حقه، وتقسيم الثروة ومعاقبة كل خارج عن قوانين المدينة .
القول الفصل لا يدل على تعريف نهائي وقطعي للعدالة على الطريقة السقراطية، لان الفحص في عمق الجواب غالبا ما يؤدي الى اثارة تساؤلات بالجملة في صميم الموضوع، الذي يزيد شرارة في نقاش موسع تتجلى في عمقه مرامي الفكرة الافلاطونية عن العدالة الفردية والعدالة الاجتماعية . تناغم وانسجام بين المكونات النفسية والمكونات الاجتماعية. تقسيمات للمجتمع التراتبي بين ثلاث طبقات : الفلاسفة والجنود وعامة الشعب، وكل منهم يؤدي وظيفة مقسمة بين الرئاسة والحراسة والانتاج . وتقسيمات للنفس في ثلاث قوى أساسية، بين القوة العاقلة والقوة الغضبية والقوة الشهوانية . اعتدال في النفس من خلال قوة العقل في الهيمنة والسيطرة على جموح الشهوة والغضب. وفي قوة الحكمة والتبصر عند الفلاسفة في التدبير لأمور الدولة والمجتمع. عالم افلاطون الذي تهيمن عليه النزعة الارستقراطية، وكراهية الديمقراطية، وتراتبية المجتمع في تكامل وظائفه، وارتباط العدالة بالنفس والفرد والحكمة والاعتدال ، وهذا النوع من العدالة يشير للماهية، وما هو ثابت في مجتمع مثالي على ضرورة تملك حس العدالة وتطبيقها في الواقع .
كان المعلم أرسطو اكثر واقعية من أفلاطون في تصوره للعدالة، وفي سؤال عن ماهيتها التي تعتبر انصاف، في مجتمع يسعى الى تملك حقيقة العدالة في ميدان السياسة والمجتمع دون تقسيم المجتمع الى طبقات اجتماعية، بالتربية والمران، والقدرة في الممارسة، كما أبقى الفيلسوف على المفاضلة بين الانسان اليوناني والغرباء في المواطنة، والحقوق بحكم الانتماء، والتقابل بين الذات والاخر الغريب عن المدينة، وتعني العدالة بذلك المشروعية وتحقيق المصلحة العامة للمجتمع وسعادته، ومرامي السعادة بالمعنى الكلي تحقيق هذه المصلحة باعتبارها فضيلة، وأساس العدل بين الجميع وفق قدرات موزعة بحسب الطاقات والخبرات والمكانة دون أن يكون المجتمع تراتبي ثابت على الطريقة الافلاطونية، وبالمعنى الجزئي النظر للعدالة كإنصاف ومساواة في توزيع الخيرات والفوائد على الناس وجبر الضرر. في مضمون فلسفته، العدالة غير منفصلة عن القوانين والدساتير والقيم الاجتماعية والحياة السياسية في دولة المدينة، ومرتبطة بالأخلاق والاستقامة والسعادة. وبالمعنى الكلي العدالة فضيلة ينبغي تمثلها وتطبيقها للغايات النبيلة. من يطبقها حكيم وصلت رجاحة فكره درجة كبيرة في استيعاب مضمونها، صديق للحكمة والعدالة، وبعيدا عن الفكر اليوناني تبقى العدالة فضيلة في فلسفة الفارابي وتطبيقها يؤدي الى قيام مدينة فاضلة يسودها الاجتماع الفاضل، مكوناتها في غاية الوحدة والانسجام، بمثابة الجسد الواحد التام غايته تحصيل السعادة. فالطبيعة الصانعة للعدالة من المفروض ان تكون عادلة في نقد شيشرون للقوانين الوضعية، والتي ليست كلها عادلة خصوصا عندما يضعها الطغاة والمستعمرون، وتُفرض بالقوة والقهر على الشعوب المغلوبة. هذه القوانين غير منصفة في ظل ثقافة المجتمع، والمثال من حكومة الثلاثين في عملية استلاء حفنة من الطغاة على حكم اثينا بالية الحكم الديكتاتوري العسكري، بعيدا عن روح الديمقراطية الاثينية. فليست القوانين الوضعية عادلة، وما يصنع العدالة الطبيعة الخيرة، المشرعة للقوانين المنصفة، والعقل القويم واستقامة الناس، وميلهم نحو الخير وادانة الظلم وازالته. أما سؤال العدالة في الفكر الحديث خصوصا في فلسفة رواد الفكر التعاقدي يبقى مطلبا اساسيا وانسانيا محكوم بهدف مركزي، بناء المجتمع التعاقدي السياسي على التنازل عن الحق الطبيعي المطلق، والامتثال للقوانين والمؤسسات، وتحكيم سلطة العقل. صورة واقعية للمجتمع الجديد الذي جاء بعقد اجتماعي، من مبادئ وبنود تضمن بالدرجة الاولى سيادة الانسان على ذاته والانضباط للقواعد والقوانين الملزمة. عدالة غير منفصلة عن الحق الطبيعي الذي ظل مفهوما أساسيا في التأسيس للحق والعدالة. امتثال الناس للقوانين والتشريعات التي يتضمنها الميثاق الجديد، يعني احترام المشروعية وهيمنة القانون والمؤسسات، واستبدال حق القوة بقوة الحق والاندفاع بالحكمة، وحرب الكل ضد الكل بالسلم والامن.
انتقال الناس نحو حالة التمدن تمليها الضرورة وحاجة الناس للعيش في السلم. حالة الطبيعة وحق القوة في السيطرة والهيمنة، وملامح للنزاعات والصراعات على الملكية، من نتائجها اللامساواة وعدم الانصاف وغياب العدالة . نواة المشكلة في عدم التكافؤ وبالتالي تبدأ العدالة في المجتمع من خلال انتقال نوعي الى حالة التمدن، وبناء الدولة الحديثة بالياتها ومضامينها الكلية والجزئية، وتثبيت القوانين الصارمة. ثورة الفكر الحديث على الفكر الوسيط والفلسفة المثالية والعقلانية المطلقة جاءت بالنتائج الحسنة في النظر للعدالة من خلال مفاهيم اساسية، ومنها الحق والقانون والدولة والمساواة والديمقراطية والمواطنة والمنفعة ... مفاهيم مركبة وذات دلالة ومعنى في الزام الفرد بالواجبات، وإعطائه الحقوق الكاملة، وتحفيزه على العمل والانتاج، وبذلك أصبحت العدالة تقاس بالنتائج المستمرة، والقطع مع المثالية، وعدم حصر العدالة في بعدها الاخلاقي الذاتي. فالمنفعة مقياس للعدالة، مرتبطة بمجتمع الوفرة والانتاج والاستهلاك، وازالة الحرمان والخصاص. قاعدة التصور البرغماتي تحقيق المصلحة وازالة الالم ودفع الضرر. في فلسفة هيوم وجون ستيوارت مل، منطق المنفعة تحقيق اللذة واختفاء الالم، وترك الفرد يعمل وينتج ويستهلك، ويسلك في هذا المنحى سلوكا مقبولا ومتطابقا للمعايير السائدة في المجتمع المبني وفق فلسفة عملية تروم تحفيز الفرد على الانتاج .
مجتمع الوفرة والاستهلاك وازالة الالم والحرمان، مفاهيم وافكار تجد جاذبية في الفكر البرغماتي العملي، وفي النزعة التجريبية بعيدا عن التصورات المثالية المغالية في التجريد، وضد اختزال العدالة في المنفعة وفي مبدأ اللذة ،جاءت التصورات المعاصرة عكس ذلك خصوصا في نظرية العدالة مع الفيلسوف الامريكي جون راولز، حيث تكتسي دلالة سياسية وليست اخلاقية مثالية ، تفترض وجود مؤسسات وقوانين، وتوزيع للخيرات مناصفة بين الكل، فالفرد مطالب بتملك حس العدالة عندما يصبح فاعلا ومشاركا في الحياة السياسية والاجتماعية، ويفترض في الشخص الكفاءة الاخلاقية والسياسية. هذا الكائن الذي يتمثل العدالة كإنصاف في مجتمع تعددي وديمقراطي أي مجتمع حسن التنظيم يتحقق فيه توزيع فوائد التعاون الاجتماعي، ويسود فيه الخير للعميم. منطق هذا التصور مستمد من فكرة قديمة عند ارسطو، وكذلك من اسهامات رواد الفكر التعاقدي (توماس هوبس– جون لوك – جون جاك روسو). مع اختلاف واضح في طموح ومسعى جون راولز لبناء تصور متين للعدالة ينسجم ومشاكل المجتمعات الرأسمالية ، وليس بهدف بناء المجتمع السياسي على أساس الانتقال من حالة الطبيعة الى حالة التمدن. فالمجتمع هنا قائم على أسس مدنية، ومؤسسات ضامنة للأمن والسلم الاجتماعيين ، قيمة العدالة في تحقيق المساواة، باعتبارها أهم مبادئ للعدالة، اضافة للحرية، حيث يتساوى الافراد في الحريات، والتوزيع المنصف للخيرات على اساس الاستحقاق والمساواة بدون كبح رغبات الفرد في تسلق مراتب اجتماعية .
يبقى سؤال العدالة فلسفيا بامتياز للبحث في تقعيد العدالة على اسس متينة، سواء بالعودة الى الفكر الفلسفي القديم أو النظر في المذاهب الاخرى، كالمنفعة ومواقف في الفكر الوسيط . وتجريب المفاهيم بالزيادة في نظرية العدالة اليوم داخل مجتمعات معقدة ومتنوعة التكوينات. مجتمعات ليبرالية ترفع شعارات كالحرية والمنافسة والمساواة والمواطنة في أفق حل المشكلات التي تطفو على الساحة السياسية والاجتماعية، مشكلات تتعلق بالأقليات والمهاجرين، وحقوق المرأة وحقوق الانسان في المشاركة السياسية، والحقوق الثقافية والاقتصادية وفي العدالة الدولية ، وفعالية القوانين في استيعاب العصر ومشاكله .
وليست العدالة منفصلة عن الحق والحريات المدنية والديمقراطية وفلسفة حقوق الانسان والمواطنة الكاملة .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى