عبد الكريم العامري - سائق التكتك.. دراما وطن

شخوص المسرحية:

- الأم
- البائع
- الأول
- الثاني
- الثالث
- صوت

(منزل بسيط، يبدو خاليا من الأثاث الا القليل، ثمة جهاز تلفاز مركون في الجانب، ساعة جدارية قديمة علقت في الحائط مع صورتين لرجل كبير في السن، وشاب. الأم في جانب المسرح تقف امام تنور غازي وهي تخبز)
الأم: (مع التنور) أشكّ أن النار التي تستعرّ في جوفك ليست أكثر ايلاماً عن تلك التي تستعر في صدري. أمضيت كل شبابي وانا القم فيك الحطب بينما تلقم السنوات في صدري الهمّ والألم. (تخرج قطعة من الخبز) قال لي أنه سيعود، وها قد مضت خمس ساعات وأنا أنتظر. أعرف أن عليه أن يعمل بجد كي يسدد قسط تكتكه الذي اشتراه. (تبتسم) شباب هذا الزمن رأسهم يابس! أصرَّ على أن يشتري التكتك، منعته كثيراً لكنه كان مصرّاً.. ولم يهدأ له بال حتى اشتراه. يومها قال لي أن التكتك أفضل عملا من سيارات التاكسي لأنه يستطيع أن ينفذ من كل الصبّات الكونكريتية التي تسدّ الشوارع. أقنعني الملعون! (تتنهدّ) يلّه، لم يبق على سعره الا القسط الأخير.
(صوت طرقات على الباب، تذهب لفتح الباب)
الأم: ها قد جاء! (تفتح الباب وتتفاجأ بصاحب المحل/البائع) أنت ثانية؟ قلت لك حين يعود ولدي سأرسله لك.
البائع: انتظرته أكثر من ثلاث ساعات، أريد أن أغلق المحل فالشارع يغلي والشباب يملأون الساحات.
الأم: حسناً، اذهب الآن وغداً مع خيط الشمس ستجده عندك.
البائع: ومن يضمن لي أني أستطيع ان افتح المحل غداً لو استمر الوضع كما هو الان.
الأم: الأوضاع تتغيّر، اطمئن، لسنا من أولئك الذين يتحمّلون طوق الدين في رقابهم.
البائع: لن اغادر المكان الا بعد ان يأتيني بما في ذمته.
الأم: قلت لك يا حاج، لن نسلب حقك.
البائع: ربما!
الأم: ربما ماذا؟
البائع: من يضمن لي أني سأحصل على ما بقي لي من مال؟
الأم: (بغضب) قلت لك، لسنا لصوصاً.
البائع: من حقي أن اطمئن على مالي، واحرص عليه. لا داعي للغضب.
الأم: يكفي ان أرى الشك في عينيك لغضب. قلت لك غداً ولم يبق على الغد الا ساعات معدودات وسيكون مالك في جيبك. لا أعتقد أن القسط الأخير من التكتك سيقلل ما عندك من مال.
البائع: لم يبق الا أن تشاركوني في مالي!
الأم: (ما زالت غاضبة) لا نحتاج الى مال لا نعرف مصدره.
البائع: (يستشاط غضباً) لست سارقاً، كل ما جمعته من مال هو من جهدي.
الأم: (باستهزاء) اللهم زد وبارك. (تعدّ على اصابعها) عمارتان ومحال تجارية ومساكن لا تعدّ ولا تحصى!
البائع: أيّ حسد هذا يا امرأة.
الأم: مثلي لا يحسد من هو مثلك. لديّ ما يرضيني.
البائع: (متضجراً) ما جئت كي استمع منك هذا يا امرأة. اعطيني القسط الأخير وسوف لن تري وجهي.
الأم: مالك في الحفظ والصون يا حاج. قلت لك انتظر. (تصمت قليلاً) إذا رغبت في استرداد التكتك فسيكون لك ذلك. لا ما نع لي بالرغم من ان ولدي فرح به.
البائع: (باستهزاء) أتريدين أن تعيدي التكتك؟ وهل بقي منه ما يمكن ان يصلح للبيع ثانيةً.
الأم: اطمئن، ما زال نظيفاً. يغسله ولدي كل يوم ويخرج من بابنا الى باب الله.
البائع: (ضاحكاً وبسخرية) كأنك لا تعرفين ما جرى في الخارج يا امرأة. أي باب لله يسعى اليه ولدك؟
الأم: الباب الذي لا تعرفه انت! نحن معشر الفقراء نعرفه جيداً، ونسعى اليه دائماً.
البائع: (مؤكداً) أنت اذن لا تعرفين ما جرى في الخارج. ما حاجتك لذاك التلفاز ان لم تستمعي للأخبار؟
الأم: الأخبار التي لا تشبع جائعاً، ولا ترد غريباً لا حاجة لي بها.
البائع: افهمي يا امرأة. الساحات في الخارج تحترق. الشباب يصطدمون مع القوات الأمنية. اشكُّ أن ولدك الآن لم يكن منهم.
الأم: ولدي يبيع الخبز الذي يخرج من جوف التنور، ايّاك ان تتهمه بما يحصل.
البائع: أنا في وادٍ وانت في وادٍ آخر. لا يهمني الآن ما يحدث هناك، كل ما يهمني هو أن احصل على مالي. اعطيني مما لديك من مال ادّخرتيه من بيع الخبز والباقي ارسليه لي غداً انا قابل بهذا.
الأم: ليس لدينا ما ندّخره لغدٍ.
البائع: ومن قال لك أن غداً سيكون أفضل من اليوم. كل ساعة يتأزّم الوضع. التظاهرات ملأت الشوارع والساحات.
الأم: وما الذي تنتظره من شعبٍ جوعتموه وضيّعتم وطنه؟
البائع: الأوطان لا تضيع.
الأم: بل قل تباع بثمن بخسٍ. ضيّعتموه بعدما نهبتم خيراته.
البائع: (يصفق لها مبتسماً بدهاء) برافو! أراكِ تفهمين بالسياسة!
الأم: أفهم أن الباطل مهما بجبّر لن يطول.. سينتهي لا محال.
(اظلام، شاشة كبيرة تعرض أحداث التظاهرات، وسائق التكتك يصول ويجول فيها. الأم تنظر للمشهد من بعيد. صوت يأتي من الخارج)
الصوت: هناك، على مقربة من فكّ الموت.
تزحف أفواج الشباب.
بينما تحرسهم أفئدة الأمهات.
الأمهات اللاتي يلدن الحطب.
يا وطن الكبرياء!
لن تنقطع قوافل العزّ.
كن رؤوفاً بهم، هم أبناء الله، حملوك بين اضلاعهم.
يا موت!
ارفع يديك عن الورد،
ما حانَ وقت القطاف.
(صوت انفجار رهيب واظلام، يظهر ثلاث فتية)
الأول: كان هناك، في مقدمة الركب.
الثاني: رأيته، سائق التكتك، يغتسل بالدم.
الثالث: في كل شارع وزقاق، كان هناك، ينقل الجرحى، يتحدى قنابل الدخان ورصاص القناصين.
الأول: وطن فيه مثل سائق التكتك لن يموت.
الثاني: شجرة الوطن لن تذبل ما دامت تُسقى بدمٍ طاهر.
الثالث: سائق التكتك، ايقونة الوطن.
الثاني: الشباب الثائر درع الوطن.
(اظلام، الأم في مكانها تجمع الخبز بينما البائع يقف أمامها)
البائع: الم يأتِ بعد؟
الأم: (تنظر له وهي تجمع الخبز)
البائع: كنت على يقين انه لن يجيء.
الأم: (تعطيه قطعة خبز) خذ هذه.
البائع: ما جئت لكي آخذ الخبز. لا حاجة لي بالخبز.
الأم: هذه نعمة كفرتم بها.
البائع: اعطيني مالي.
الأم: هذا الخبز الذي لن يعجبك صنع رجالاً.
البائع: قلت لك أريد مالي.
الأم: هذا الخبز هو أنفاس الله في بيوت الفقراء.
البائع: ألا تسمعين؟ أريد مالي.
الأم: الخبز الذي ضحّى من اجله كثيرون.
البائع: يا الله! هل جننتِ يا امرأة. أريد مالي.
الأم: (تشير الى جهة ما) خذه. هو هناك.
البائع: (يذهب حيث اشارت الأم، لا يجد سوى قميص فيه بقع دم، يرميه على الأم) ما هذا؟
الأم: (تمسك القميص) هذا هو الثمن الذي تريده.
البائع: قميصٌ بالٍ؟!
الأم: قميص سائق التكتك. أطهر من هذا الكون.
البائع: ما هذا بحق السماء؟
الأم: هذا الذي أردته. القسط الأخير من تكتكك. (تنهض من مكانها وهي تضع القميص على رأسها حاملة الخبز)
البائع: (باستغراب شديد) الى أين؟
الأم: الى الساحة لأكمل ما بدأه ولدي.

(اظلام- ستار)

البصرة في 29 أكتوبر 2019

هذا النص

ملف
عبد الكريم العامري
المشاهدات
78
آخر تحديث

نصوص في : مسرح

أعلى