سعيد ناشيد - ما العزاء؟ سؤال غاب عن الفلسفة..

الموت لا يؤذي، كما تقول وجهة نظر فلسفية قديمة.
فعلا لا يؤذي الموت الأموات، لكنه يؤذي الأحياء، كما تقول وجهة نظر فلسفية معاصرة.
وفق مقاربة تركيبية ممكنة نستطيع استنتاج ما يلي:
تُحررنا وجهة النظر الأولى من الخوف من الموت طالما موتنا لا يؤذينا لأننا بكل بساطة حين نموت لا نكون، ولعل عبارة "لا نكون" تمثل الإجابة الأكثر دقة على مجمل المخاوف المتعلقة بالموت، وتبقى شروحات أبيقور في (رسالة إلى مينيسي) كافية شافية، غير أنها إن كانت تحررنا من الخوف من الموت، الذي هو موتنا على وجه التحديد، فإنها لا تحررنا من الحزن على موتانا طالما هناك فقد وفراق وضياع يستحيل تعويضه.
في حياتنا اليومية قد نُعوض منزلا بمنزل، سيارة بسيارة، هاتفا بهاتف، قد نستبدل أي شيء بشيء آخر يضاهيه في الوظيفة أو القيمة أو هما معاً، غير أن تلك الأشياء كلها مجرد أدوات قابلة للتعويض. لكن الذوات ليست أدوات، وتحديداً، فإن الذوات التي نعاملها معاملة الذات للذات مثل الأصدقاء والأحبّة والأهل ومثل سائر الذوات البشرية وفق معايير الحضارة المعاصرة، فإننا لا نستطيع تعويضها بأي شكل من الأشكال. عدا الذات كل ما يوجد في العالم الموضوعي يُمكن تعويضه، حتى الأرض والشمس يمكن تعويضهما بمجموعة شمسية بديلة وفق الطموحات العلمية الأكثر تفاؤلا. غير أن الذات، هذه "الأنا" المتفردة والعابرة، والتي تفكر وتريد وترغب، والتي تتألم وتأمل وتتأمل، هذه الذات التي تعي ذاتها وتدرك عرضيتها، فإن فقدانها غير قابل للتعويض، إن موتها إذن لهو الموت المطلق، وإن فناءها لهو الفناء الفعلي. كان الكميائي الشهير لافوازييه يردد، "لا شيء يموت، لا شيء يفنى، بل الكل يتحول". غير أن البداهة المنسية هنا أن الذات لا تتحول إلى أي شيء آخر، بل تتلاشى وتزول. صحيح أننا حين ننظر إلى الجسد باعتباره معطى موضوعيا نجده يتحول بدوره مثل سائر المعطيات الموضوعية، غير أن الذات التي ليست معطى موضوعيا، فإن موتها رحيل لا يخلف وراءه من أثر غير آثار للعبور. موت الإنسان هو الموت إذاً.
لعلها مصادفة جيدة أن يخص فعل الموت في اللغة العربية الإنسان حصراً دون سائر الحيوانات التي لها فعل آخر هو النفوق. هناك بالطبع وجهة نظر انثروبولوجية ترفض أن نمنح للإنسان كرامة فوق سائر الكائنات الحيّة، ومع أني لا أحب الدخول في هكذا جدال، إلا أني أعتقد أن المساواة بين موت إنسان وموت صرصور مجرد رد متطرف على غلو نزعة المركزية الإنسانية في فترات سابقة، مثلما أن المساواة بين حضارة الهنود الحمر وأفكار عصر التنوير الأوروبي مجرد رد فعل متطرف على النزعة الاستعمارية التي تفشت في فترات سابقة. هناك شيء مؤكد، بمعزل عن الغلو الرومانسي لا يطلب منا حيوان يحتضر سوى أن نتركه يموت بصمت، إنه يعرف كيف يتدبر أمره أفضل منا نحن الكائنات العاقلة، أما إنسان يحتضر فهو يضعنا أمام معضلة ميتافزيقية حقيقية، إذ ينتظر منا تخليصه من مشاعر الخوف والحزن والأسى والندم التي قد تنقض عليه في تلك اللحظة الرهيبة، ومن ثم ينتظر منا تعاملا حكيما. لكن، حين يتعلق الأمر ببيئة ثقافية تنمي الخوف والتهويل والترهيب، فقد تجد الحكمة نفسها أمام مهمة مستحيلة.
لا موت نهائي غير موت الذات، والذات في موتها لا تتحول بل تنتقل ببساطة من طور الوجود إلى طور اللاوجود. إزاء هذا المآل يتخذ العزاء شكلا محزنا لدى بعض الفلاسفة، من أمثال لوكريتيوس وشوبنهاور ومشيل أونفراي، وهذا مما نتفهمه حين نمتلك حسا مرهفا إزاء الشرط الدراماتيكي للوجود الإنساني. غير أن العزاء يتخذ في المقابل شكلا مبهجا لدى صنف ثان من الفلاسفة، مثل مونتين ونيتشه ولوك فيري، وهذا ما علينا أن نفهمه ونستوعبه طالما أن التخلص من الأهواء التعيسة هدف فلسفي، وطالما ضمن الخطط البديلة للفلسفة يوجد الهدف التالي: يمكن تخليص الإنسان من الحزن حين لا يمكن تخليصه من الواقع المحزن.
لن ينفعنا أن نتحرّر من الخوف ما لم نتحرر من الحزن أيضا، والذي لا يقل ضرراً، بل لعله من وجهة نظر الصحة الروحية أشدّ خطرا على الإنسان. الخوف يضعف العقل والحياة بالفعل غير أن الحزن يشلهما تماما. لا يدفعنا الخوف إلى الانتحار بالضرورة لكن الحزن يفعلها. الخوف سيئ لكن الحزن أسوأ، لا سيما حين يطيل المقام؛ فهو يستنزف الطاقة الحيوية وينخر الذات. كما أن زوال الخوف أيسر من زوال الحزن؛ فقد يزول الخوف بالمعرفة، أو بمجرد تغيير المكان، أو عقب العثور على رفقة مؤنسة، غير أن الحزن يحتاج إلى جهد إضافي فوق المعرفة، وخارج تدابير تغيير الأمكنة والأشخاص، يحتاج إلى اشتغال كبير على بناء الذات وترميمها.
الأبيقورية علاج للخوف من الموت، لكن ماذا عن الحزن الذي يسببه الموت؟ أليس هناك من علاج للحزن الذي يخلفه الموت في النفوس طالما الموت واقع لا يرتفع !؟
هنا بالذات يكمن دور الفلسفة في القرن الواحد والعشرين. وهو ما لا أتردد في التبشير به.
هناك ما يشبه إجماعاً مبدئيا في تاريخ الفلسفة على أن الوظيفة الأولى للفلسفة أن تحررنا من الانفعالات السلبية، وتبقى الاختلافات بمثابة فروقات في ترتيب الأولويات تبعا لشخصية الفيلسوف وروح العصر. مثلا، هدف الفلسفة حسب أفلاطون أن تحرر الناس من مشاعر الغضب والجشع؛ هدف الفلسفة حسب أبيقور والأبيقوريين أن تحرر الناس من مشاعر الخوف والفزع؛ هدف الفلسفة حسب الرواقيين أن تحرر الناس من مشاعر الأسى والتذمر؛ هدف الفلسفة حسب سبينوزا أن تحرر الناس من الأهواء التعيسة، على رأسها الخوف والحزن والكراهية؛ هدف الفلسفة حسب نيتشه أن تحرر الناس من غرائز الانحطاط، على رأسها الضغينة والشعور بالذنب، إلخ. بل يتعذر علينا العثور على فيلسوف واحد لا يعتبر معركته الأساسية ضد نوع معين من المشاعر السلبية: الخوف، الغضب، الكراهية، الجبن، التسليم، الاتباع، الكسل، التواكل، إلخ.
بل يمكننا أن نفهم عصور تاريخ الفلسفة من وجهة نظر الكينونة باعتبارها حروبا متواصلة على الانفعالات التعيسة والمشاعر السلبية، والتي تعطل العقل وتضعف قدرة الإنسان على الحياة. مثلا:
المعركة ضد الغضب والجشع، خاضتها الفلسفة في العصر الهيليني، ولعلها كسبتها في التقييم النهائي (سقراط، أفلاطون، أرسطو، إلخ).
المعركة ضد الخوف والتذمر، خاضتها الفلسفة في العصر الهلينستي، ولعلها كسبتها في التقييم النهائي (أبيقور، زينون، إلخ).
المعركة ضد الحزن والحنين، خاضتها الفلسفة في العصر الروماني، ولعلها خاضتها بشجاعة ناذرة بالفعل، لكن، هل كسبتها في التقييم النهائي؟
علينا الاعتراف بأن المعركة ضدّ الحزن ليست سهلة، بل لعلها الأشد صعوبة وتعقيداً مقارنة بمختلف المعارك ضدّ سائر الانفعالات التعيسة. الحزن أشد الانفعالات قسوة وتمكنا؛ فما أن يحل حتى يغدو دفعه صعبا عصيبا. غير أني أفترض أيضا أن معركة الفلسفة الرومانية ضد الحزن أجهضها الموروث المسيحي الذي صور الحياة باعتبارها واد من دموع الحزن والأسى والندم والخوف من الهلاك.
لقد نجحت الفلسفة الهلينيستية من خلال أبيقور في تحرير الإنسان من الخوف من الموت، غير أن مشكلة الموت لا تقتصر على مجرد الحاجة إلى التحرر من الخوف، وإنما تتطلب التحرر أيضا من مشاعر الحزن. هنا يكمن التحدي الأشد صعوبة.
لقد حرّرَنا أبيقور من الخوف الناجم عن الموت، لكنه لم يحررنا من الحزن الناجم عن الموت. مع ذلك يبقى الحزن من أشدّ الانفعالات التعيسة ضررا على صحة الإنسان وقدرته على الحياة.
الخطاب الذي يهدف إلى تخليص الإنسان من الحزن الناجم عن الموت، أو عن سائر أفعال الفقد والضياع، يسمى بالعزاء. يتعلق الأمر بمصطلح متداول في التراث الأدبي والشعبي العالمي، حيث هناك تراث عزائي يتضمن زخما كبيرا من الرسائل والأدبيات والعادات والتقاليد الاجتماعية.
لكن، هل يتعلق الأمر بمفهوم فلسفي؟
فعلا، يعتقد كثير من الفلاسفة بأن وظيفة الفلسفة هي العزاء، وذلك بصريح اللفظ والمعنى، والمقصود بالعزاء في الاصطلاح الفلسفي هو دفع الأحزان وكل ما يرافقها من انفعالات تعيسة مثل الأسى والحنين والتذمر، لكن دون اللجوء إلى المسكنات أو الأوهام، وبدون إنكار للواقع الذي تسبب في الحزن طالما الواقع لا يرتفع كما يقال. في هذا المنحى، وبهذا المعنى، أصدر الفيلسوف ورجل الدولة الروماني بوثيئوس كتابا بعنوان (عزاء الفلسفة)، وعلى نفس المسار ولو بعد قرون طويلة، سيصدر الفيلسوف والإعلامي البريطاني المعاصر ألان دو بوتون كتابا بعنوان (عزاءات الفلسفة)، وسيَعتبر الفيلسوف الفرنسي المعاصر مشيل أنفراي محور الفلسفة الرومانية هو العزاء (الحكمة)، وبالفعل، خلال العصر الروماني أصدر شيشرون وسينيكا وبلوتارخوس جملة من الرسائل الفلسفية التي تتغيى تقديم العزاء لبعض المكلومين، وتحمل عناوينها صيغة (عزاء إلى...)، كأن يكون الأمر عزاء إلى الزوجة، أو الأم، أو الأخ، أو الصديق، إلخ، كما لا يخفي شوبنهاور اتفاقه مع الدور العزائي للفلسفة، ففي كتابه (فن العيش الحكيم) استعمل كلمة العزاء مرات عديدة، وانتقد العزاءات المضللة، ورأى العزاء –كل العزاء- في الفلسفة والشعر. أيضا يمثل أسلوب بعض الفلاسفة المعاصرين استذكاراً للوظيفة العزائية للفلسفة والتي غايتها التخفيف من الطابع التراجيدي للوجود من حيث هو وجود من أجل الفناء كما قال هايدجر (الوجود والزمان)، وهو ما يبدو جليا لدى عديد من الفلاسفة البارزين، أمثال لوك فيري، كليمون روسي، أوندريه كومت سبونفيل، مشيل أونفراي، وغيرهم.
لكن، هل هناك في تاريخ الفلسفة إجابة –ولو أولية- عن السؤال، ما العزاء؟!
بل، هل هناك من سبق إلى طرح السؤال بهذا النحو الماهوي الصريح: ما العزاء؟
ليس يخفى أن من عوائد الفلسفة أن تسائل مسائلها باستمرار. مثلا، حين تشتغل الفلسفة على مفاهيم العقل، والوجود، والإنسان، وغيرها، فهي لا تتردد في طرح وإعادة طرح الأسئلة حول ما العقل؟ ما الوجود؟ ما الإنسان؟ إلخ. إن مساءلة الفلسفة لمواضيع اشتغالها لهي الشغل الأساسي للفلسفة. حتى أن السؤال، ما الفلسفة؟ يظل بدوره سؤالا متواصلا في تاريخ الفلسفة.
على نفس المنوال، طالما أن العزاء موضوع أساسي من مواضيع الفلسفة كما يؤكد كثير من الفلاسفة القدماء والمعاصرين، فمن المتوقع أن تكون الفلسفة قد طرحت –ولو مرة واحدة في تاريخها- السؤال، ما العزاء؟
غير أن الأمر لا يبدو كذلك.
لعل السؤال ما العزاء؟ لم يُطرح من قبل، أو على الأقل لم يُطرح بصيغة واضحة صريحة مثلما هو حال سائر أسئلة الماهية من قبيل ما العقل؟ ما الأخلاق؟ ما العدالة؟ ما الحقيقة؟ ما الفلسفة؟ إلخ.
لماذا؟
هناك ثلاثة أسباب أساسية:
أولا، بسبب الانقطاع التاريخي طويل الأمد عن الوظيفة العزائية للفلسفة، والذي استغرق طيلة العصر الوسيط، واستمر خلال العصر الحديث إلى نهاية القرن العشرين. ما يعني أننا أمام انقطاع استغرق ألفي عام بالتمام. فما أن بدأت الفلسفة في العصر الروماني تتخذ طابعا عزائيا مع كل من شيشرون وسينيكا وبلوتارخوس، حتى أخذت الثقافة المسيحية تسيطر على العالم القديم، إلى أن فرضت لاهوتها الرسمي على الفلسفة الرسمية، ومن ثم انتقلت وظيفة العزاء إلى الدين واللاهوت إبان العصر الوسيط، حيث العزاء في "الكتاب المقدس" وظيفة الله حصرا، وسيظل الأمر على هذا النحو قرونا طويلة.
ثانيا، إن تاريخ الفلسفة الرسمي كما ساهم هيجل في تشكيله، قد همّش عصرين أساسيين من عصور الفلسفة، هما العصر الهلينيستي والعصر الروماني، واللذان اتخذت فيهما الفلسفة طابعاً عزائيا بارزاً.
ثالثا، في النهاية تُرك العزاء كما قلنا للدين الذي سرعان ما أضفى عليه طابعا خلاصيا عنيفا، وهو الطابع الذي ستقوم الإيديولوجيات الخلاصية في القرنين التاسع عشر والعشرين بمحاولة علمنته، وعلى رأسها الهيجلية والتيارات الماركسية.
بالجملة، خلال العصر الوسيط، وبعده أيضا، حل خطاب الخلاص بآماله وقسوته أيضا محل خطاب العزاء بخيبته ورحمته أيضا.



سعيد ناشيد


أعلى