د. رمضان الصباغ - الموسيقى والإيقاع فى الشعر الحر..

مقـدمة :
يتكون الشعر من كلمات تنتظم بطريقة معينة وفقا لتتابع الحركة والسكون، وهذا هو ما يجعل للشعر إيقاعه الخاص معتمدا على علاقة الأحرف فى الكلمات فيما بينها، وتناسب أصوات الكلمات فى توافق زمنى. والتركيز الزمنى فى الشعر هو الذى يبرز الكيفية التى يتحدد بها الوزن.
واذا كانت التجربة الشعرية - كما درسنا سابقا - هى التى تحدّد الشكل الذى تتخذه القصيدة، فإن أول ما يحدث فى التجربة "هو وقع جرس الألفاظ على أذن العقل والإحساس بالألفاظ وهى تردد فى المخيلة. هذان معا يمنحان الألفاظ جسدها الكامل، اذا جاز لنا هذا التعبير. إن الشاعر يتعامل بالأجساد الكاملة للألفاظ لا برموزها المطبوعة وقد يفقد كثير من الناس كل شئ تقريبا فى الشعر لأنهم يعجزون عن القيام بهذه العملية"(1).
فالكلمة هى أساس الشعر، والكلمة المنطوقة بما لها من جرس هى ما يتعامل معه الشاعر، ذلك أن اللغة "أداة زمنية، لأنها لا تعدو أن تكون مجموعة من الأصوات المقطعة إلى مقاطع تمثل تتابعا زمانيا لحركات وسكنات فى نظام اصطلح الناس على أن يجعلوا له دلالات بذاتها. وبهذا المعنى تكون اللغة الدالة تشكيلاً معينّا لمجموعة المقاطع أو الحركات والسكنات خلال الزمن، أو هى فى الحقيقة تشكيل للزمن نفسه تشكيلا يجعل له دلالة معينة، تماما كما أن التصوير تشكيل للألوان فى المكان له دلالته، أو هو تشكيل للمكان للمادة الغفل بحيث تكتسب معنى خاصا"(2).
وإذا كانت اللغة زمنية فى طبيعتها والكلمات توضع فى نظام محدد وفقا لتتابع الأصوات، فإن هذا التتابع الصوتى خلال الزمن هو ما يطلق عليه الإطار الموسيقى للقصيدة. وقد أطلق عليه مصطلح الوزن، "وإن كان الوزن لا يمثل إلا الإطار الآلى أو العرفى الذى يستطيع الشاعر فى داخله أو بامتثاله له أن ينمى حركته الشعرية"(3).
ولقد حرص الفلاسفة المسلمون (الفارابى، وابن سينا، وابن رشد) على التأكيد على أهمية الوزن فى الشعر - كما أسلفنا فى الفصل الأول - وجعلوه من العناصر الجوهرية فى القصيدة، وان كانوا قد جعلوا الأولوية للمحاكاة (أو التخييل).
يقول الفارابي :
"وكثير من الشعراء الذين لهم قدرة على الأقاويل المقنعة يضعون الأقاويل المقنعة ويزنونها فيكون ذلك عند كثير من الناس شعراً وإنما هو قول خطيى عدل به عن مناهج الشعر"(4).
فالـوزن ليست له أهمية عنصر المحاكاة أو التخييل، وإن كان هذا لا ينفى قيمته.
ولقد حرص النقاد العرب - على سبيل المثال "حازم القرطاجنى" - كما سبق وأوضحنا على التأكيد أيضا على أهمية الوزن، فهو - أى الوزن ما يتقّوم به الشعر ويعدّ من عناصره الجوهرية وهو بمثابة تساوٍ زمنى للنطق. هذا التساوى الزمنى هو عبارة عن صورة من صور التناسب. وإن هذا التآلف يثير البهجة فى النفـوس، وبقدر ما يهتم (حازم) بالتركيب المتلائم، يهتم بالحركة المنتظمة للوزن، هذه الحركة "شبيهة بالحركة المنتظمة للإيقاع الموسيقى، لأن كلا منهما يقوم على نفس المبدأ. وهو تناسب حركة الأصوات فى تعاقبها المنتظم فى الزمان"(5).
وهكذا يلتقى الوزن الشعرى مع الموسيقى فى سمة التناسب التى تتمثل فى تعاقب الحركة والسكون على نحو منتظم، وبنسب معلومة فى كلّ جزء من أجزاء القول. وتعاقب الحركة والسكون يشكل الأسباب والأوتاد التى تتشكل منها التفاعيل التى تكون البيت الشعرى.
ولكن إذا كانت القصيدة لا تقوم إلا على تكرارٍ منتظم لوحدات معينة فى رتابة دائمة، فإن النتيجة سوف تكون مجرد بناء صوتى يوحـى بالملل والضجر. فوحدات الوزن المنتظمة ليست إلا الأساس أو القاعدة التى يقيم عليها الشاعر الأصيل شعره.
ولقد "تمثّلت الصياغة الموسيقية فى الشعر العربى فى بحوره وقوافيه، التى وصلت الينا ناضجة، بحيث لا نستطيع أن نقطع بشيء فيما يخصّ مراحل نشوئها وتطورها"(6).
ويجب أن نفرق بين الإيقاع والوزن فى الشعر. أما الإيقاع فـإن المقصود به وحدة النغمة التى تتكرّر على نحو محّدد فى الكلام أو فى بيت الشعر، أى لتوالى الحركات والسكنات على نحو منتظـم فى فقرتين أو أكثر من فقرات الكلام أو فى أبيات القصيدة. وقد يتوافر الإيقاع فى النثر، مثلما فيما سمّاه قدامة: "الترصيع" ومثاله: "حتى عاد تعريضك صريحاً، وصار تمريضك تصحيحا"، وقد بلغ الإيقاع فى النثر درجة يقرب بها كل القرب من الشعر. والإيقاع فى الشعر تمثله التفعيلة فى البحر العربى.. أما الوزن فهو مجموع التفعيلات التى يتألف منها البيت، وقد كان البيت هو الوحدة الموسيقية للقصيدة العربية(7)، وذلك فى العصور السابقة - قبل الثورة التى قامت، وحطمت الوزن وهشمت عمود الشعر.
ولقد حرص العرب على أن تكون القصيدة موحدة الوزن والإيقاع، فكان التزام الوزن الواحد فى القصيدة، وكذلك القافية الواحدة. وذلك فى الشعر الذى اعتمدته دواوين العرب، بعيداً عن الأراجيز والأغانى الشعبية.. بل إن العرب "جعلوا من المحسنات نوعا من التقسيم الإيقاعى فى داخل البيت نفسه فى مثل قول الخنساء:
حامى الحقيقة، محمود الخليقة مهــ
دى الطريقة، نفّاع وضرّار

جواب قاصية، جزار ناصية
عقاّد ألوْية ، للخيل جرار"(8).
لكلمات القافية صلة بموسيقى البيت. وتكرارها يزيد من وحدة النغم، وكلماتها فى الشعر الجيد ذات معان متصلة بموضوع القصيـدة، بحيث لا يشعر المرء أن البيت مجلـوب من أجل القافية، بل تكون هى المجلوبة من أجله، ولا ينبغى أن يؤتى بها لتتمة البيت، بل يكون معنى البيت مبنياً عليها ولا يمكن الاستغناء عنها فيه، وتكون كذلك نهاية طبيعية للبيت(9).
أما الإيقاع فينشأ عن تساوق الحركات والسكنات مع الحالة الشعوريـة لدى الشاعر. وهو توقيعات نفسية تنفذ إلى صميم المتلقى لتهز أعماقه فى هدوء ورفق.
ويقوم الإيقـاع على عنصرين أساسيين هما التكرار والتوقّع. فيكون التكرار بمثابة "تنظيم لاستجابات النفس على نمط معين، فتتابع الحـركات والسكنات على نحو خاص يهيئ الذهن ليتقبل تتابعا جديداً من نفس النوع"(10).
ولكن ليس معنى ذلك أن إشباع التوقع هو القاعدة الأساسية فى الإيقـاع الشعرى بل يمكن أن يحفل الشعر بالمفاجآت والصدمات التى توحى إلى المتلقى بمعان تتّسق مع ما يريد أن يقدمه الشاعر.
وتشكيل القصيدة الموسيقى يخضع خضوعا مباشراً لحالة الشاعر النفسية أو الشعورية التى يصدر عنها. إنها صورة من الإيقـاع الذى يساعد المتلقى على تنسيق مشاعره وأحاسيسه المشتتة. وتكوين الإيقاع عند الشاعر ليس مجرد عملية سلبية، بل هو نتاج قدرة على السيطرة والتنظيم لوضع الكلمات فى أفضل نسق أو نمط. والكلمة - فى هذا النسق - تفقد شخصيتها المستقلة وتكتسب ظلالاً وأبعاداً جديدة وفقا للحالة الشعورية التى يشكلها الشاعر وذلك وفقا للوضع الذى اكتسبته داخل السياق.
العلاقة بين الشعر والموسيقى
إذا كان الشعر مكونا من أقوال موزونة، وكل قوْل منها مكون من أقوال إيقاعية، يكون عدد زمانه مساويا لعدد زمان الآخر - كما يرى "ابن سينا". ويرى "ابن رشد" أن الوزن يتم بالنبرات والوقفات التى تكون بين المقاطع والأرجل، وبالعدد أى أن تكون حروف المصراع الأول ـ مساوية لحروف المصراع الثانى - كما أسلفنا فى الفصل الأول وأن الأساس فى الإيقاع الشعرى عند "ابن سينا" هو نفس الأساس الذى يقوم عليه الإيقاع فى الموسيقى على اعتبار أن الإيقاع هو تقدير ما "لزمان النقرات، فإن اتفّق أن كانت النقـرات منغمة كان الإيقاع لحنيا، وإن اتفق أن كانت النقرات محدثة للحروف المنتظم منها كلام كان الإيقاع شعريا"(11) أى أن الإيقـاع فى الشعر يناظر الإيقاع الموسيقى من حيث التعاقب المنتظم للحركات والسكنات سواء كان ذلك يتأتى من الحروف، أو من الأنغام.
ولكن هذا التصور للتشابه بين الوزن الشعرى، والإيقاع الموسيقـى يسلب الشعر خصوصيته وتميّزه كفن قولى عن الموسيقى. "إن الإيقاع الموسيقى يلتقى مع الوزن الشعرى فى مبدأ التناسب، من حيث هو مبدأ جوهرى فى كل أشكال الفن وأنواعه، ولكن صورة هذا المبدأ تختلف باختلاف الأداة. أداة الشعر تتكون من كلمـات دالة، تنطوى على معانٍ مباشرة أو غير مباشرة، حسـب نوع العلاقات التى تنتظم فيها. وارتباط الأداة الشعرية بنظـام متميز من الدلالة؛ لا يجعل من الوزن الشعرى مجرد محاكاة لفن الموسيقى، بل يجعل موسيقى الشعر نابعة من طبيعة أداته الخاصة من حيث الإمكانيات الصوتية لهذه الأداة، إذا ألفت فى علاقات، ومن حيث دلالة هذه العلاقات الصوتية على غرض من الأغراض أو معنى من المعانى ومن هنا يمكن لتناسب المسموع والمفهوم أن يتخذ مغزى متميّزاً عند "حازم القرطاجنى". وما دام الوزن الشعرى ينبع من تآلف الكلمات فى علاقات صوتية لا تنفصل عن العلاقات الدلالية والنحوية، فلابد أن يستمد الوزن الشعرى فاعليته من أداة صياغته ذاتها، أى من اللّغة، وليس من مجرد محاكاة فن آخر كالموسيقى"(12).
فالـوزن الشعرى يختلف عن الموسيقى، فى أن المتلقى، لا يتلقى فى الشعر الكلمات كأصوات، فى سياق معين، من خلال الأذن، بل يتلقاها أيضا كدلالات. ويتضافر إيقاعها الصوتى ككلمات، ضمن سياق معين يعمل على إكسابها ظلالاً، ويحرفها عما كانت تشكله ككلمة مستقلة، يتضافر ذلك كله مع مالها من دلالات، وتاريخ لدى المتلقى. وهذه الكلمات بكل ما حملها به الشاعر من انفعالات تنتظم فى نظام معين، فمن خلال جدل الوزن/المعنى أو الإيقاع/الدلالة يتلقى الإنسان القصيدة، أى أنه لا يتلقاها كوزن خالص - وإن حدث ذلك - فيكون فى حالة نادرة واستثنائية.
"إن ارتباط الوزن الشعرى بإمكانيات اللغة. فضلا عما تنطوى عليه اللغة من علاقات متميزة فى بنيتها الدلالية، يميز العناصر الصوتية فى الشعر عن العناصر الصوتية فى الموسيقى، من حيث صلة كل منهما بنظام متميز فى التشكيل والدلالة"(13).
ولما كان الشعر يحاول أن يعطى فى إيقاعاته صورة للحالة الشعورية التى يعبر عنها الشاعر، ولما كانت تجربة الشاعر أكثر غنى، وأعمق، وكانت قدرة الشاعر أكبر، كلما أمكنه أن يقدم نوعا من التوافق بين الحالة الشعورية (أو التجربة) وبين إيقاعاته.
كما أن موسيقى الشعر لا تنفصل عن معناه، فباختلاف المعنى تتنوع الموسيقى. ولا وجود لمقطع صوتى أو تفعيلة مستقلة، بل وجودها رهين بالبيت فى معناه، وموقعه بين أبيات القصيدة جميعا. "وقد ربط بعض الباحثين بين موضوع القصيدة والبحر الذى نظم فيه الشعر العربى؛ أى موقف الشاعر من معانيه وعاطفته وبين الإيقاع والوزن اللذين اختارهما للتعبير عن موقفه على نحو ما هو معروف فى شعر الكلاسيكيين من الأوروبيين والقدماء من شعراء الغـرب"(14). وإن كان الأمر - فى الواقع - يخضع لقدرات الشاعر الذى يمكنه أن يجعل الإيقاع ملائما للحالة الشعورية، "وأن يضفى عليه الصبغة التى يريد بما يصب فيه من عبارات وكلمات ذات طابع خاص"(15).
وإذا كانت القافية فى الشعر العربى ذات سلطان يفوق ما لنظائرها فى اللغات الأخرى، فإن هذا جعل المنظّرين - سواء كانوا فلاسفة أو نقاداً - يهتمون بوضع القافية بالنسبة للقصيدة لما رأوه لها من قيمة موسيقية فى البيت الشعرى.
يقول "الفارابى":
"وأشعار العرب فى القديم والحديث فكلها ذوات قواف، إلا الشـاذ منها، وأما أشعار سائر الأمم الذين سمعنا أشعارهم فجلها غير ذوات قواف، وخاصة القديمة منها، وأما المحدثة منهم فهم يرومون بها أن يحتذوا حذو العرب"(16).
يقول "عبد الرحمن بدوى" :
"لم توجد القافية فى الشعر اليونانى، ولا فى الشعر الرومانى، وانما ظهرت القافية لأول مرة فى أوروبا فى العصر الوسيط بعد غزو القبائل المتبربرة. وفساد اللغات القديمة اليونانية واللاتينية، هناك أخلى نظام العروض الإيقاعي المكان لنظام القافية.
وقد بحث الباحثون فى النظم عن أصل القافية وقال بعضهم أن أصلها عند العرب"(17).
واذا كان "الفارابى" و"ابن سينا" لم يحددا سبب عناية العرب بالقوافى دون غيرهم، ولم يبررا فى الوقت نفسه عدم اهتمام الآخرين بالقافية فى الشعر، واكتفيا بالإشارة إلى أن القافية هى تلك الحروف التى يختم بها القول الشعرى الموزون، وإنها قد تكون أسبابا أو أوتادا كما يذهب إلى ذلك "الفارابى"، وإنها تتكرر مع نهاية كل قول. وإنها تكـون حـروفا واحـدة متساوية فى زمـن النطـق بها لكنهما لم يحدّدا - على سبيل المثال - قيمتها من حيث هى فواصل موسيقية ينتهى عندها الوزن التام فى البيت الواحد، وتتكرر بعد مسافات موسيقية منتظمة وبعد عدد معيّن من المقاطع، على الرغم مـن حرصهما على المقارنة بين الإيقاع الموسيقى والإيقاع الشعرى وتصورهما أن الأصل فيهما واحد(18).
والقافية فى الشعر العربى القديم تسير على نمط واحد، ولا تختلف إلا فى الموشّحات والمقطّعات، أما فى اللغات الأخرى - غير العربية - فى اليونانية مثلا ـ نجد أن "لكل بيت قافية مستقلة كما فى "هوميروس". وفى الفرنسية والإنجليزية تتفق قافية البيت مع قافية البيت الذى بعده، وهى القافية المتعانقة Rim Embrassee أو مع التالى لما بعده، وهى القافية المتقاطعة Rim Eroissee على حين القافية فى الشعر العربى القديم تسير على نمط واحد"(19).
وقد ربط (الفارابى) بين القافية والوزن. اذْ لابد أن يكون القول موزونا ذو فواصل، وهو بهذا يفرق بين القافية فى الشعر، وبين السجع فى النثر.
"وترتبط القافية بالمعنى الذى يحاكيه الوزن بالصوت، خاصة إن القافية مركز ثقل مهم فى البيت فهى حوافر الشعر ومواقفه، إن صحّت استقام الوزن وحسنتْ مواقفه ونهاياته"(20). ولكن لا توجد قاعدة تربط حروف القوافى بموضوع الشعر - وإن كان قد لوحظ "أن (القاف) قد تجود فى الشدة والحرب، (والدال) فى الفخر والحماسـة، (والباء) (والراء) فى الغزل والنسيب، ولكن هذا قول إجمالي إذا صح من باب التغليب فلا يصح من باب الإطلاق - على حدّ تعبير "محمد غنيمى هلال" - لأن هذه الأحرف تختلف فى موسيقاها تبعا لحركتها، وللحروف والحركات قبلها"(21).
وقـد برر "حازم القرطاجنى" القوافى على أساس حرص العرب على التمييز بين فروق المعانى، واللّذة التى يحدثها التكرار المنتظم للمقاطع. وذلك لأن اللذة مرتبطة دائماً بنظام(22).
وقد كان لانتقال الشعر العربى إلى الأندلس أثره فى تطوير أوزانه فيما يعرف بالموشحات، والتى كانت مقدمة لتغيير شامل - جـاء فيما بعد - فى موسيقى الشعر، وإن كان امتثال الشعراء الكامل للنظام الخليلى قد شابته حالات من التمرد والثورة، "فقد كانت فى عصـر "الفراهيدى" وما تلاه من قرون، فئة متحررة من الأوهام لا تنظر إلى عروض الخليل إلا على أنه محاولة تنظيمية لبعض الإيقاعـات. فقد روى "الزمخشرى" قوله : (والنظم على وزن مخترع خارج على أوزان "الخليل"، لا يقدح فى كونه شعراً، ولا يخرجه عن كونه شعرا"(23).
ولقد تطورت علاقة الشاعر بموسيقى الشعر، فى الأندلس ثم فى العصـر الحديث على أيدى مدرسة الديوان، وشعراء المهجر، ثم مدرسة أبوللو، حتى وصل إلى انفجار الشكل القديم عن شكل جديد هو الشعر الحر، القائم على التفعيلة.
وفى هذا الشأن تطورت موسيقى الشعر فلم تعد مجرد موسيقى تقوم على القافية، والوزن الخليلى الصارم من خلال أحد بحـور الشعر، بل دخلتْ إليه عناصر جديدة كلّ الجدة، بالإضافة إلى الأساس الأول القائم على القافية، والوزن - وان كان الوزن هنا يعتمد نظام التفعيلة بديلا عن نظام البحر

تجليات الوزن والإيقاع فى الشعر الحر

لما كان الإيقاع يقوم على التناسب والتتابع، وعنصر المفاجأة فى الشعر، بينما يقوم الوزن على التنظيم الجاهز، والتكرار، والفواصل المحددة وفق نظام معروف؛ لذا فان الشاعر فى العصر الحديـث صار فى إمكانه أن يجرب الأصوات المتباينة. ويعيد خلق أصوات جديدة، كما أتاح نظام التفعيلة - للشاعر الفذّ فحسب - إمكانيات واسعة لاستخدام كل إمكانات الإيقاع، وتشكيلاته المعبرة عن الجوّ النفسى المطلوب، والتعبير الموسيقى المناسب والملائم للموضوع باختيار عدد التفعيلات المناسب، وربط التفعيلات ببعضها البعض وفق نظام تحدّده التجربة الشعرية عبر قدرات الشاعر فى الصياغة والتعبير.
فعندمـا قام الشاعر بتحطيم الوحدة العروضية للبيت، "تلك الوحدة التى كانت تفرض على الشاعر حركة فى اتجاه معين، لم تكن فى أغلب الأحيان هى الحركة الأصيلة التى تموج بها النفس، استطاع أن يتحرك نفسيا وموسيقيا وفق الحركة التى تموج بها نفـسه. وقد تكون حركة سريعة ما تلبث أن تنتهى. وعندئذ ينتهى الكلام أو ينتهى السطر، وقد تكون ذبذبة بطيئة متماوجة وممتدة، وعندئذ يمتد الكلام أو يمتد السطر بها إلى غايتها. وقد احتفظ الشاعر بخاصية الوزن، فالسطر الشعرى، سواء طال أم قصر مازال خاضعا للتنسيق الجزئى للحركات والسكنات المتمثل فى التفعيلة. أما عدد التفعيلات فى كل سطر فغير محدد وغير خاضع لنظام ثابت"(24).
عندما اختار الشاعر التفعيلة، أصبح فى وسعه أن يعبر حـالات من الحزن والفرح، وحالات نفسية أخرى معقدة، ويعبّر عن تقلبات النفس مستخدما الإيقاع الملائم للحالة النفسية. كما استطـاع أن يطّور الإيقاع القائم على العلاقة بين الكلمات والحروف وما يجاورها، فى ملاءمتها مع الحالة النفسية التى يمرّ بها.
إن الإيقاع هو بمثابة الروح التى تسرى فى القصيدة، وتعتمد على النشـاط النفسى للشاعر. وترتبط بالتجربة الشعرية بكل ما فيها من ثراء وخصوبة.
"إن شاعـر اليوم لا يريد أن يقلد لينجو من آفة الخطابة، إنه يريـد لغة ليست هى لغة العامة كما يزعم أى زاعم، وإنما لغة تتمرد على الرقابة التى تنجم عن ضياع أبعاد الصورة، وهذا هو سر تحطيمه لرتابة الوحدات إذا كررها بصورة تقليدية. هذا سر أن يصدر إيقاعات تختلف تماما عن إيقاعات الأولين، هو له لغته وله موسيقى هذه اللغة، ومن المحال أن يرتبط بعد هذا بإيقاع الجاهليين"(25).
لقد صار الشعر القائم على التفعيلة، بالإضافة إلى الموسيقى الناجمة عن ترتيب معين للتفعيلات، مشتملا أيضا - أى الشعر - على "خاصية موسيقية جوهرية هى ذلك الإيقاع الناشئ عن تساوق الحركات والسكنات مع الحالة الشعورية لدى الشاعر. وأصبحت موسيقى الشعر توقيعات نفسية تنفذ إلى صميم المتلقى لتهز أعماقه فى هدوء ورفق، أما متى ينتهى السطر الشعرى فى القصيدة الجديدة فشئ لا يمكن لأحد ان يحدّده سوى الشاعر نفسه، وذلك تبعا لنوع الدفعات والتموّجات الموسيقية التى تموج بها نفسه فى حالته الشعورية المعينة"(26).
يقول (صلاح عبد الصبور) فى قصيدته - الملك لك(27).
"صباى البعيدْ
أحنّ إليه
لأوقاته الحلوة السامرة
حنينى غريب
إلى صحبتى
إلى إخوتى
إلى حفنة الأشقياء الظهور ينامون ظهراً على المصطبة
وقد يحلمون بقصر مشيدْ
وباب حديد
وحورية فى جوار السرير
ومائدة فوقها ألف صحن
دجاج وبط وخبز كثير
إلى أمى البّرة الطاهرة
تخوّ فنى نقمة الآخره
ونار العذاب
وما قد أعدّوة للكافرين
وللسارقين وللاّعبين
وتهتف إن عثرت رجليه
وإن أرْمد الصيف أجفانيه
وإن طنتّ نجله حوليه
باسم النبى"
فى هذا المقطع من القصيدة نجد أن الحركة الإيقاعية تبدأ بتفعليتين فى السطرين الأول والثانى ثم يطول السطر قليلا ليصل إلى أربـع تفعيلات منتهية بـ (فعو) ثم يعود ليقصر ثم يطول إلى أن يصل إلى ثمانى تفعيلات منتهية بـ (فعو) ثم يعود إلى أربع تفعيلات، ثم تفعيلتين، وهكذا يتغير عدد التفعيلات وفقا للحالة الشعورية التى ينقلها الشاعر. فالحركة تتراوح بين الحركة السريعة، التى يريد الشاعر أن يهيئ بها الجو النفسى للسطر الطويل الذى يرغب من القارئ التركيز عليه :
"إلى حفنة الأشقياء الظهور ينامون ظهراً على المصطبة"
ثم ينتقل إلى سطر أقصر يكمل به السابق، ثم بإيقاع سريع مفاجئ يقول "وباب حديد" فكأنه يوحى لنا، بهذا الإيقاع السريع المفاجئ، بحركة الباب الصوتية إذا أقفل. ثم يستمر المقطع بعد ذلك وتستمر القصيدة لتقدم نموذجاً لقصيدة التفعيلة - إيقاعيا - فى مولدها - يعبّر عن مبررات التغيير، وتجاوز العمود الشعرى.
إن نهاية السطر فى القصيدة أى عدد التفعيلات المتصلة - تعتمد على التجربة الشعرية، وعلى الدفعات والتموجات الموسيقية التى تموج بها نفس الشاعر فى حالة معينة، فى نموّها وتطوّرها خلال القصيدة. وأصبحت وقفات الشاعر، حرة، لا يحكمها غير تجربته ومدى تمكنه من أدواته وقدرته على التعبير بها عن هذه التجربة.
وقد تحرر الشاعر فى القصيدة من الروىّ المتكرر فى نهاية السطور، مستعينا بالقافية المتحررة التى يمكن أن تتغير أو تتبدل، كلما كان ذلك ملائما للحالة الشعورية، "وترتبط القافية السابقة أو اللاحقة فى حالة انسجام وتآلف دون اشتراك ملزم فى حرف الروى"(28).
وهكذا صارت القافية هى النهاية التى تنتهى عندها الدفقة الشعورية فى السطر الشعرى، وهى النهاية الوحيدة التى تعبر عن سكون النفس فى ذلك المكان.
فالقافية فى الشعر الحر - ببساطة - نهاية موسيقية للسطر الشعـرى، وهى أنسب نهاية له من الناحية الإيقاعية.. ومن هنا كانت صعوبة القافية فى الشعر الحرّ، وكانت أيضا قيمتها الفنية(29).
وترى "نازل الملائكة" أن الشعر الحر يحتاج إلى القافية احتياجاً خاصاً. وذلك لأنه يفقد بعض المزايا المتوفرة فى شعر الشطرين الشائع. إن الطول الثابت للشطر العربى الخليلى يساعد السامع على التقاط النبرة الموسيقية ويعطى الموسيقى إيقاعا شديد الوضوح بحيث يخفف ذلك من الحاجة إلى القافية الصلدة الرنانة التى تصّوت فى آخر كل شطر فلا يغفل عنها انسان. وأما الشعر الحرّ فإنه ليس ثابت الطول وإنما تتغير أطوال أشطره تغيرا متصلا، فمن ذى تفعيلة إلى ثان ذى ثلاث تفعيلات إلى ثالث ذى اثنتين وهكذا. وهذا التنوع فى العدد مهما قلنا فيه، يصير الإيقاع أقل وضوحا ويجعل السامع أضعف قدرة على التقاط النغم فيه. ولذا فإن مجيء القافية فى آخر كل سطر. سواء كانت موحدة أو منوعة، يعطى هذا الشعر الحر شعرية أعلى ويمكن الجمهور من تذوقه والاستجابة له"(30).
ان تعبير نازك الملائكة - هذا - عن ضرورة القافية لأنها بمثابة تعويض عن فقدان ثبات طول السطر الشعرى، وما ساقته من مبررات، إنما يعبر عن انطلاقها من منطلقات خليلية فى الأصل، واعتبارها - ضمنا - أن الخروج على الأوزان من باب التيسير فحسب، وأنه عيب يجب أن نستعيض عنه بالقافية التى تمثل نقطة الارتكاز فى القصيدة وتمكن الجمهور من تذوق الشعر والاستجابة له.
لقـد كانت القافية(31) فى صورتها القديمة الرتيبة تؤثر تأثيراً سلبياً على الشعر فى أحيان كثيرة، فقد كان الشاعر يلجأ إلى الغريب من الألفـاظ، وإلى الكلمات الوعرة، وكان كل ما هو مطلوب من الشاعر هو الحصيلة اللغوية الثرية، وكثيراً ما كانت القافية تتسبب فى التأثير السلبى على البيت الشعرى. أما القافية فى الشعر الحرّ، فهى كلمـة يستدعيها السياق النفسى، والموسيقى للقصيدة، وإلا كانت ذات أثر سلبى أيضا على القصيدة.
وتضرب "نازك الملائكة" مثلا على ضرورة القافية بقصيدتين إحداهما مرسلة "لصلاح عبد الصبور" أما الثانية "فلنزار قبانى" تنتظم فيهـا القافية الموحدة جميع أشطر المقطع المستشهد به. وتخلص إلى أن "القافيـة ركن مهم فى موسيقية الشعر الحر لأنها تحدث رنيناً وتثير فى النفس أنغاماً وأصداءً، وهى فوق ذلك فاصلة قوية بين الشطر والشطر، والشعر الحر أحوج ما يكون إلى الفواصل خاصة بعد أن أغرقوه بالنثرية الباردة"(32).
لقد كانت "نازك الملائكة" تسطر كلامها هذا ردًّا على التطورات الجديدة فى القصيدة، والتى نشأت نتيجة لتغير الموضوعات، واتساع المضامين، ومن أجل التعبير عن حالات شعورية معقدة لم يكن بالوسع التعبير عنها بالشعر القديم. كما أن هذا التصور الذى تطرحه "نازك" ليس إلا مجرد تصور يستغنى فقط فى الشعر عن تساوى الأشطر - (وان كانت سوف تؤكد بعد ذلك على قيود جديدة فى هذا الشأن) (33) - ويبقى جميع جماليات القصيـدة (الخليلية) لتكون مستوطنة للقصيدة الحرة. وهذا ما لم يكن ممكنا. فقد انفلت الشعر الحرّ من ربقة (الخليل)، وكان ذلك إيذاناً بتغيرات جذرية فى بنية القصيدة معتمدة على أطر، وعلاقات مغايرة تماماً لما طرحه (الخليل بن أحمد الفراهيدى). ولذا فإن الاحتجـاج بالخليل هنـا، أو بالذائقة الشعرية للشاعرة المكونة تكـوينا شبه كلاسيكي، إنما يعيد القصيدة أدراجها إلى الماضى، وهذا ما لم يعد ممكنا بعد أن خطا شعراء هذه المدرسة خطوات واسعة فى اتجاه التجديد.
"أيها الواقفون على حافة المذبحهْ
أشهروا الأسلحه!
سقط الموت، وانفرط القلب كالمسبحهْ.
والدّم انساب فوق الوشاح!
المنازل أضرحةْ
والزنازن أضرحةْ
والمدى أضرحةْ
فارفعوا الأسلحهْ
واتبعونى!
أنا ندم الغد والبارحةْ
رايتى عظمتان وجمجمةْ
وشعارى الصباح"(34).
فى هذا المقطع من قصيدة (أمل. دنقل) نجد انتظام القافية مع تغير التفعيلات يؤدّى غرضه النفسى والتحريضى أيضا فنجد أن السطر الثانى يأتى قصيراً ليساهم فى الحركة الموسيقية للقصيدة موحيا بالحسم والسرعة. "أشهروا الأسلحة"، بينما يطول السطر الثالث لأنه يقدم جملة خبرية، ثم يعود فى السطر الخامس الإيقاع المنتظـم السريع إلى أن يصل إلى السطر الثامن حين يقول فى تفعيلة واحدة - ويعدّ هذا السطر أقصر سطر فى المقطع - (فاتبعونى) فكأنه يريد أن يقول إن هذا أمر قاطع، ولا وقت للمناقشة. ويستمر المقطع فى سطرين يعيد القافية مرة أخرى، وينتهى بـ "وشعـارى الصباح" وهذا السطر يختلف فى القافية مع جميع الأسطر - ماعدا السطر الرابع (والدم انساب فوق الوشاح) وليصبح بمثابة النهاية للمقطع. وهى نهاية تتوافق مع إيقاع القصيدة.
وهنا نجد أن استمرار القافية الموحدة، لا يشعرنا بالملل لأنه كان موظفا بشكل جيد، فى هذا المقطع، بل كان بمثابة تأكيد لما يريد أن يقوله الشاعر. أما نهاية المقطع فقد جاءت بقافية مغايرة لكل قوافى الأسطر السابقة - متفقة فقط مع السطر الرابع - فكانت بمثابة النهاية الطبيعية للمقطع. وهذا عكس ما كانت تراه "نازك الملائكة".
وعندما يقول (صلاح عبد الصبور) فى أغنية لليل(35) :
"الليل سكرنا وكأسنا
ألفاظنا التى تدار فيه نُقلنا وبقلنا
الله لا يحرمنى الليل ولا مرارته
وإن أتانى الموت، فلأمت محدثا أو سامعا
أو فلأمت، أصابعى فى شعرها الجعْد الثقيل الرائحه
فى ركنى الليلىّ، فى المقهى الذى تضيئه مصابيح حزينه
حزينة كحزن عينيها اللتين تخشيان النّور فى النهار
عينان سوداوانْ
نضّاحتان بالجلال المرّ والأحزان
مرت عليهما تصاريف الزمان
فشالتا من كل يوم أسود ظلا..
عينان سردابان"
فى هذا المقطع من قصيدة (أغنية لليل) يحرص الشاعر على إطالة الأسطر ويقلل من التنوع وعنصر المفاجأة، وتكرار القافية تكراراً يوحى بالرتابة، وهذا لا ينفصل أيضا عن معنى القصيدة(36).
وقد لعبت القافية دوراً بارزاً فى نقل الإحساس بالملل والرتابـة، مضافاً إلى ذلك الإطالة المتعمدة لبعض الأسطر المتتالية، ممـا يؤكد على الضجر، والفراغ. فقد وظّف (صلاح عبد الصبور) القافية مع عدد التفعيلات لخلق الجو النفسى الملائم للقصيدة. كما كان استخدامه للعبارة "الله لا يحرمنى الليل ولا مرارته) فى صياغتها القريبة من اللغة العادية موحيا للألفة مع هذا الليل، ومع كل ما يجول بخاطر المتحدث (الشاعر) عن حالة الفراغ والملل التى يعيشها.
وإذا قارنا قصيدة "صلاح عبد الصبور" (السلام) بقصيدة "نزار قبانى" (طوق ياسمين) واللتين عرضتهما (نازك) على أن الأولى فيها سوء الاستغناء عن القافية، بينما الثانية تحفل بالغنائية والموسيقى لاستعمالها القافية - المتكررة فإننا سوف نرى أن (نازك الملائكة) قد جانبها الصواب.
يقول صلاح عبد الصبور :
"كنا على ظهر الطريق عصابة من أشقياء
متعذبّين كآلههْ
بالكتْب والأفكار والدخان والزمن المقيتْ
طال الكلام، مضى المساء لجاجةً، طال الكلامْ
وابتل وجه الليل بالأنداءْ
ومشت إلى النفس الملالة والنعاس إلى العيونْ
وامتدت الأقدام تلتمس الطريق إلى البيوتْ
وهناك فى ظل الجدار يظلّ انسان يموت
ويظل يسْعل، والحياة تجفّ فى عينيه، انسان يموتْ
والكتب والأفكار مازالت تسدّ جبالها وجه الطريقْ
وجه الطريق الى السلامْ"
وهذا نص نزار قبانى (قصيدة طوق الياسمين)
"ولمحتُ طوق الياسمينْ
فى الأرض مكتوم الرنينْ
كالجثة البيضاء تدفعه جموع الراقصين
ويهم فارسك الجميل بأخذه فتمانعين
وتقهقهين
لا شىء يستدعى انحناءك، ذاك طوق الياسمين"(37)
إذا كان الشاعران قد استخدما تفعيلة الكامل فى القصيدتين، فإننا نلاحظ أن (نزار قبانى) أراد أن يكون الإيقاع بسيطاً، ويصور موقفا واضحا، وقد جاءت قوافيه جميعها موحدة، وسهلة على الأذن، بينما أراد (صلاح عبد الصبور) أن يغوص فى أعماق النفس، معبّراً عـن الملل والضجر، والموت بمظاهره المتعددة، ولذا جاءت أسطره طويلة لتسمح بالتأمل النفسى، وتعبر عن الملل والاكتئاب، كما أن قوافيه ليست موحدة، وغير منتظمة لتؤكد نفس المعنى. وإن كانت القصيدة ليست مرسلة بشكل كامل كما ترى "نازك الملائكة" فتوجد تقفيه بين السطرين الأول والخامس، كما أن الأسطر التى لم تشأ أن تكمل بها بقية المقطع مقفاّه بشكل واضح (البيوتْ - يموت - يموت). لقد أرادت الشاعرة الناقدة أن تلوى عنق الحقيقة، وكان بوسعها أن تقع فى الشعر على قصائد بدون تقفيه بالمرة.
لقد اعتمدت على أن القافية ضرورية للشعر، لكنها لم تدرك أن للقافيـة دوراً فى الشعر ووظيفة، وليس مجرد التواجد. إن رأيهـا هذا لا يصدق على الشعر الحرّ، بل انه لا يصدق على الشعر عامة، فلو كانت القافية مجرد ضرورة فى الشعر القديم، وليس لها دور جوهري، لكانت عبئا أكثر منها قيمة، وهذا يكون عند الشعراء غير المتمرسين فحسب.
و"نازك الملائكة"، التى تعد رائدة من رواد التجديد، لم تدخر جهـدا فى تقييد الشكل الجديد من الشعر، فنجدها تقف بالمرصاد لكل رأى أو موقف أو إبداع يحاول أن يتجاوز ما قدمته - شعريا ونقديا - فنجدها ترفض أن يكون فى السطر الشعرى تفعيلات خمس أو تسع معتمدة على التراث الخليلى فتقول :
"ونحن حريصون أن ننبه أولا إلى أن الشعر العربى فى مختلف عصوره، لم يعرف الشطر ذا التفعيلات الخمس"(38). "وجـاء المعاصرون وتناولوا الحرية التى أباحها لهم الشعر الحر فخرجوا على قانون الأذن العربية ونظموا أشطراً ذات خمس تفعيـلات. وكان ينبغى لهم، إذْ ذاك أن يتوقفوا ويدرسوا هذه المسألة ويقرروا مدى نجاحها"(39).
وتقدم نموذجا لقصيدة "لفدوى طوقان"، وقصيدة أخرى للسياب (جيكور المدينة) قائلة "لعل هذه النماذج تخبرنا هى نفسها لماذا لم يرتكـب العرب الوقوع فى التفعيلات الخماسية، ذلك أنها تبدو قبيحة الوقع، عسيرة على السمع، بحيث لا نحتاج إلى أكثر من إيرادها للتدليل على ضرورة تحاشيها"(40).
ونحن نورد هنا - نموذج السياب - كما جاء فى كتاب نازك الملائكة :
"تقول يا قطار يا قدر (ثلاث)
قتلتَ إذْ قتلته الربيع والمطر (أربع)
وتنشر الزمان والحوادث الخبر (أربع)
والأم تستغيث بالمضمد الخفر (ثلاث)
ان يرجع ابنها يديه، مقلتيه أيما أثر (خمس)
وترسل النواح يا سنابل القمر" (أربع)
ثم تقدم نموذجا من شعر (خليل الخورى) استعمل تشكيلة من (تسع تفعيلات) من المتقارب :
"تمر ليال أحسّ بها أننى لن أكحل جفنى بمرأى الصباحْ
ليال أرى الموت فيها على قاب قوس وأدنى يمد إلى الجناحْ
وأسمع دقات قلبى مجنونة كالرياح كعصف الرياح
يردّ صداها جدار الظلام ويذْرو حبيباتها فهى رجع نواح
فأبسم مستسلما غير أني إذا ما أطلّ على الكون فجر ولاحْ
أرانى مازلتُ أحيا كما كنت لا الموت جاء ولاثار حولى الصياح"(41).
وترى الناقدة أن السطر فى هذه القصيدة أطول مما ينبغى، وكـان من الممكن - من وجهة نظرها - لو كان الشاعر قسمه على ثلاثة أشطر، لو أنه أراد ذلك وأحدث له الوقفات اللازمة فى ثنايا الشطر. ثم تقول : فماذا يضير الشاعر أن يقول :
فأبسم مستسلما غير أنى إذا ما أطل
على الكون فجر ولاحْ
أرانى مازلت أحيا كما كنت لا الموت جاء
ولا ثار حولى الصباح
مقسم كل سطر إلى سطرين. متعللة بان ثقل التفعيلات التسع يأتى من ناحيتين :
أولاهما : أن العرب لم يكتبواً شطر مدوراً أطول من ثمانى تفعيلات
وثانيهما : أن الرقم تسعة هو نفسه ثقيل الوقع على السمع، كالرقم خمسـة تماما. فليس الطول وحده هو الثقيل فيه، وإنما لأنه أيضا ذو تسع تفعيلات(42).
والجدير بالذكر أن ما تقدمه (نازك) هنا من أسس ترفض على أساسها إطلاق عدد التفعيلات فى السطر الشعرى، وتطالب بتقييدها، استناداً إلى ما كان يتم فى الشعر العمودى، لا يعد مقبولا الآن فى القصيدة العربية الحرّة، خاصة بعد التطورات التى تجاوزت كل هذه الأمور الشكلية التقليدية، ودخول عناصر جديدة للقصيدة، والاستفـادة من حرية الصياغة بأى عدد من التفعيلات، وقد تم إنجاز القصيدة المدورة(43) على هذا الأساس، وليس دليلاً على تهافت رأى "نازك المـلائكة". ما جاء فى ملاحظتها الختامية لهذا الموضوع إذْ تقول : "نبه أكثر من أديب إلى أنني أنا نفسى استعمل التشكيلات الخماسية فى شعرى، وقد أدهشنى هذا فرجعت إلى قصائدى فإذا الأمر صحيح. ومن ثم فإن الظاهر أننى مجزأة إلى جانبين : جانب منّى ذهنى يرفض كل تشكيلة خماسية رفضا كاملا وجانب منى سمعى يتقبلها ولا يرى فيها ضيراً، أو لنقل أن الناقدة فى ترفض، والشاعرة تتقبل"(44).
إن هذا يؤكد أن اختيار عدد معين من التفعيلات كثر أو قل (بمعنى أن يكون السطر أطول، أو أقصر) إنما يخضع للحالة الشعورية وللتجربة التى يقدمها الشاعر، وهذا هو الذى يجعل الإطالة فى مكان ما مناسبة وفى مكان آخر ممجوجة لا تقبلها الأذن ولا تستريح لها النفس.
وهكذا نجد أن التفعيلة تلعب دوراً جوهريا فى القصيدة، وكذلك القافية سواء فى حالة وجودها، أو الاستغناء عنها نسبيا أو كليا - كما سوف نرى فيما بعد-، والعبرة بقدرة الشاعر على تكييف عمله الشعرى، والاستفادة من إمكانات القافية، وعدم جعلها عبئا عليه، ومعرفته الدقيقة لموقعها من الموسيقى، حضوراً أو غيابا. كذلك إدراكه لأهمية الوزن (القائم على التفعيلة)، وذلك بالاستخدام الأمثل للتفعيلات، سواء فى اختيارها، أو عددها، وإطالة الأسطر، أو تقصيرهـا، بما يخدم العمل الشعرى، ويجعله معبرا تعبيرا ناجزاً عن التجربة الشعرية.
ولم يتوقف إثراء القصيدة من الناحية الإيقاعية على اختيار عدد التفعيلات فى كل سطر، بل تجاوزها إلى النظم على أكثر من تفعيلة فى القصيدة الواحدة. إذْ يقسم الشاعر قصيدته إلى مقاطع، ولكل مقطع إيقاعه الخاص به، والذى يختلف فى التفعيلة عن الآخر، أو يتم توافق لبعض المقاطع مع بعضها فى التفعيلة وفقا للجو النفسى للقصيدة، فيبدأ الشاعر بتفعيلة محددة ثم يغيرها فى المقطع التالى، ثم يعود إليها، وهكذا .. ووتتآزر جميع المقاطع مكونة بناءً ايقاعيا أكثر تعقيداً من القصيدة الغنائية ذات الصوت الواحد. وهذا التنوع فى الإيقـاع القائم على تغير التفعيلة يؤدى إلى بثّ التنظيم الدرامى داخل القصيدة، وذلك من خلال تفاعل عناصرها الإيقاعية معا، بالإضافة إلى ما تضفيه من جو نفسى وانفعالي يجعل القصيدة أكثر ثراء وحيوية.
ويمكننـا - لو اتخذنا قصيدة "صلاح عبد الصبور" (شذرات من حكاية متكررة وحزينة)، أو (مذكرات الملك عجيب بن خصيب) - أن نقارن بين هذا النوع من الشعر - المتعدد التفعيلات فى القصيدة - وبين القصيدة ذات الصوت الواحد، والتى تنتشر لدى العديـد من شعراء (الشعر الحر). فنجد ثراء القصيدة - ذات الإيقاع المتعدد - الدرامى، وقدرتها على الإيحاء بما لا تستطيعه قصيدة الصوت الواحد، والبوح بمشاعر أكثر تعقيدا وتركيباً.
ويمكننا أن نلاحظ إمكانيات الإيقاع المتغير فى التعبير النفسى والإيحـاء بالمشاعر المتباينة فى قصيدة "صلاح عبد الصبور" (شذرات من حكاية متكررة حزينة) من خلال النظر فى تفعيلات المقاطع التى تتباين بين تفعيلات (المتدارك - والرجز - والمتقارب) والتى تتردد فى المقاطع وفقا للجو الانفعالي داخل القصيدة.


يقول "صلاح عبد الصبور"(45)
(1) "لما انتصبت وتعرت كالشمعة
وتوهج مفرقها بالنور
وتهدل سالفتاها كالذهب المصهور
أيقنت بأن الحرف المستور
قد يكشف للصوفى المغمور
أن أخلص فى العشق
والطلسم المسحور
قد يلقيه الموج الليلىّ
للصيّاد المقهور
إن وافاه الرزق
……
ربى .. ما هذا النور!
ألقتْ له جنّية المجال
من برجها جدائل الضفائر الطّوال
وأنقذته من لظى الجبالْ
وبللت غربته من بئرها السخيّهْ
ووسدته فى الخميلة العليِّهْ
(2) وحين أصبح الصباح
أوقفتْه بين الشمس والظلال
وخيرتْه بين أن يكون سادنا لعرشها
وخادما لفرشها
إلى مشارف الأبد
أو أن يحور بلبلا معلقا ببابها
محدثا بما شهد
فى ليلة الخيال
…..
….. (3) (يعود لنفس إيقاع المقطع الأول.. الجزء الأول)
(4) وحيدا حزينا أواجه عينيك، إذْ تسألان الفرحْ
وإذ ترفعان إلى مقلتى حباب الشجى واخضرار القدحْ
وحيدا حزينا أواجه كفّك حين تُمد الىّ
لترفعنى من رماد الرماد، إلى حمرة الشفق الشاعرى
وحيداً حزينا أواجه فرحة حبكْ.
ثم يعود فى المقطع (5) الى تفعيلة المقطع (1) (المتـدارك)، بحركاته وسكناتها المتتالية ( /ه/ه/….) المستعملة فى الجزء الأول من المقطع (1) ويستمـر بها فى (6)، وفى(7) ؛ (8) يعود إلى التفعيلة المستعملة فى (4)، (المتقارب) وفى (9) يعود إلى تفعيلة الرجز (مستفعلن) المستعملة فى القسم الثانى من المقطع الأول. وفى (10)، (11) يعود مرة أخرى إلى تفعيلة (1) (المتدارك)، وفى (14) إلى تفعيلة (4) (فعولـن/المتقارب) وهو بذلك يغير فى التفعيلة ويكررها بين المقاطع تعبيراً عن تغير الجو النفسى، والإيحاء بالمضمون.
وقد استفاد من هذه التقنية العديد من الشعراء، وصارت منتشرة بشكل كبير، وانْ كان استعمال هذه التقنية، فى غير ما هى مؤهلة له يعد خطراً كبيراً على القصيدة، وقد وقع عدد لا بأس به من الشعراء فى هذا المأزق. (فنظموا) القصائد المتنوعة التفعيلة بدون وعى لما لهذا التنوع من دور فى القصيدة، بل استسهالا، وتيسيراً فى صياغة، فكان أن سقطت قصائدهم فى المباشرة والنثرية وصار الربط بين أجزاء القصيدة متعذّراً لأن الغرض الأساسى من تغيير (التفعيلة) لم يكن فى ذهن الشاعر، بل كان الأمر لا يعدو كونه مجرد تقليد لبعض القصائد التى نجحت فى هذا الإطار.
أما قصيدة صلاح عبد الصبور (مذكرات الملك عجيب بن خصيب) (46) فهى من القصائد التى تعد شاهدا على ثراء القصيدة المتعددة الإيقاع (التى تستخدم أكثر من تفعيلة). من الناحية الدرامية والجمالية.

الكلمات والإيقاع
"نحن الشعراء نصارع اللا وجود لنجبره على أن يمنح وجوداً، ونقرع الصمت لتجيبنا الموسيقى.
إننا نأسر المساحات التى لا حد لها فى قدم مربع من الورق، ونسكب طوفاناً من القلْب الصغير بقدر بوصة.
فتأمـل ما يعنى هذا. إن (الوجود) الذى تشتمل عليه القصيدة مستمد من (اللا وجود)، لا من الشاعر، والموسيقى التى يجب أن تحتويها القصيدة لا تنبثق عنا، نحن الذين نصنع القصيدة، بل عن الصمت : وتنطلق جوابا لقرعنا"(47).
إن دور الشاعر ليس دورا سلبيا، بل أنه يتصارع مع (اللاّوجـود) ومع الصمت الرانى على العالم، لإجباره - أى العالم - على (أن يمنح وجودا) ويجعل الصمت يبعث الموسيقى.
إن الكلمة هى أساس القصيدة. فالكلمة فى القصيدة "توحى بأنها تعنى شيئا أكثر من المعنى العادى وهذه صفة لا مهرب منها للكلمات عندما تحتل مكانها فى القصيدة أو عندما يرويها ناظمها. إنها أشبه بما يوحى به إلينا وجه مألوف لدينا عندما يلتفت الرأس نحوه وتلتقى الأعين بشكل غير متوقع؛ أو ما يوحى به بشكل طبيعى مألوف اذا انعكس عليه ضياء جانبى"(48).
ان القصيدة تحتوى فى داخلها على هذا الجانب الهام، والذى يربطها بالموسيقى، ألا وهو النغمة الجميلة التى تجعل الكلمة تعنى فى الشعـر غير ما تعنيه فى النثر. أو تجعل لها ظلالاً وإيحاءات - كما أسلفنا -
"لو أننا كنا كغصنى شجرهْ
الشمس أرضعت عروقنا معا
والفجر وانا ندى معا
ثم اصطبغنا خضرة مزهردةْ
حين استطلنا فاعتنقنا أذرعا
وفى الربيع نكتسى ثيابنا الملونةْ
وفى الخريف نخلع الثياب، نعرى بدنا
ونستحم فى الشتا، يدفئنا حُنوُّنا"(49)
"فاستخدام الشاعر لإمكانيات الصوت فى اللغة، مماثل إلى حدّ بعيد لاستخدام اللحن أو الموسيقى للنغم، بل إنه يفضُل الموسيقى هنا، فى أنه يستمد موسيقاه نحتا من أرض قاسية كلها كلمات وضعت أصلاً لكى تكون أداة وصل بين الناس أى أنه يقْسر اللغة البشرية على فضّ أسرار نغمية لم تحلم بحيازتها.. يبد أن الحال بالنسبة للموسيقى أبسط وأهون. فمادته النغم، أى ماهو مموسق بالضرورة، ولا أحد يُلزم الموسيقىّ بعدُ أن يكون معقولاً، أو على الأقل ذا رسالة اجتماعية"(50)".
لقد رأى ( إزرا باوند Ezra Pound) (51) أن الكلمة فى القصيدة مشحونة بالمعنى، ولكنها غير ذلك خارج القصيدة. أو بالأحرى إنها مشحونة فى القصيدة بنوع خاص بالمعنى : معنى يشق طريقـه مباشرة الى ما نسميه القلب، ونعنى بهذه عضو المعرفة الذى يأخذ المعانى حية كاملة لا مقضومة مقسمة إلى تجريدات ممضوغة - على حدّ تعبير (مكليش).
والكلمة - فى الشعر - معين نفسى لا ينضب، بالإضافة إلى ما يقدمه جرْسها من مشاركة مع كلمات أخرى فى الجو الموسيقى، وهذا يعمل على نقل ما لا يمكن نقله من مشاعر وأحاسيس وانفعالات إلا شعراً.
والشاعر المتمّرس، والموهوب هو القادر على خلق الكلمات المشحونة، أو شحن الكلمات المألوفة، بالانفعالات والمشاعر، عن طريق استخدام إمكانيات الكلمة بكل طاقاتها، ووضعها فى سياق موات يجعلها - عن طريق التآلف، أو التناقض، مع غيرها من الكلمات - تثير جوّاً موسيقيا وانفعاليا يتسق مع القصيدة.
لقد رأى (مالارمية) ان الشعر لا يصنع من الأفكار، "بل من الكلمات، وبما أنّ عدداً كبيرا من الكلمات تدل على الأفكار، رغبنا فى ذلك أم لم نرغب، فإن هذا التعريف يجب أن يؤخذ على أنه يعنى أن الشعر يصنع، لا من الكلمات، كتعبير عن الأفكار، ولكن مما أسماه (مالارميه) فى موضع آخر (الكلمات نفسها) الكلمات كأحداث حسّية - وباختصار الكلمات كالأصوات التى تحملها"(52).
ويناقـش (مكليش) (53) رأى (مالارميه) فيرى أن هناك من الكلمات فى اللغة ما يمكن أن نعرفه من جرسه مثل كلمة (bazz) ومعناها (أز) وكلمة (Bark) (عوى) هو معناها أيضا، وهناك أيضا مجموعة من الكلمات التى تحمل جرس معانيها بشكل غير مباشر، كما أن هناك أيضا كلمات يوحى جرسها بمعناها عن طريق قرائن العقل مثل كلمة (خدر) (Numb). ثم يقدم صفحة كاملة من كتاب (فينيجانزويك Finnegans Wake) لـ (جيمس جويس James Joyce) مؤكداً على أهمية الصوت بالنسبة للمعنى. ويرى أن "أصوات الكلمات، ليست بالنسبة إلى الشعر تلك المادة المرنة، كما يكون الحجر هو المادة المرنة بالنسبة إلى النحت. فـأعمدة ديانا على الأكروبول مصنوعة من قطع من الرخام لم يسبـق لها قط أن كانت فتيات. ولكن كل صوت يشكل كلمة قد حمل معنى تلك الكلمة قرونا طويلة حتى لم يعد بالإمكان استعماله فى قصيدة دون أن يوحى بذلك المعنى، فلكى نفقد المعنى،يجب أن تفقد الكلمة فإذا أردت أن تستعمل فى قصيدتك كلمة (طور) بدلا من (طير)، فبإمكانك أن تفعل ذلك ولكن طيرك سيختفى"(54).
ان الدور المنـوط بالشاعر، هو إضفاء الانفعال على الكلمة، بوضعها فى سياق إيقاعي، ونفسى، يحولها عن معناها المألوف فى الحياة اليومية أو لغة النثر، ويعطيها ما يمكن أن نسّميه الكثافة، والقدرة على الإيحاء.
إن الكلمة فى النثر ذات مدلول دقيق، أما الكلمة الشعرية فإنها لا تتوخى أن تكون هكذا، بل حسبها أن تثير حولها جوا من الذكريات والأحلام والرؤى، والمدركات الأخرى الخافية والظاهرة. فالكلمة الشعرية ليست بناءً ذا معنى وحسب، بل إن الإيقاع يحول المعنى، ويفرض ظلالا جديدة عليها.
ولو أننا درسنا شاعراً محددا دراسة صوتية فإننا يمكن أن نلاحظ مجموعة معينة من الكلمات الصوتية تتردد فى شعره دون غيرها.
يقول السياب فى قصيدة (غريب على الخليج)
"وعلى الرمال، على الخليج.
جلس الغريب يُسرح البصر المحيّر فى الخليج.
ويهد أعمدة الضياء بما يصعد من نشيج
(أعلى من العباب يهدر رغوة ومن الضجيج
صوت تفجر فى قرارة نفسى الثكلى : العراق)
كالمدّ يصعد، كالسحابة، كالدموع إلى العيون.
الريح تصرخ بى : عراق،
والموج يعول بى. عراق، عراق، ليس سوى عراق!
البحر أوسع ما يكون، وأنت أبعد ما يكون
والبحر دونك يا عراق"
"فى الفقـرة السابقة من القصيدة نجد "السياب" يذكر كلمة (عراق) التى لا تثير فى نفس القارىء أية أخيلة، إذْ أنها هنا مصطلـح جغرافى محض. ولكن "السياب" يشحن فى هذه الكلمة طاقـة جديدة. فإذا انتبهنا أكثر فيما يثيره الصوت مع مد حرف (الراء) فى (عراق) نجد بداهة أن ما يصدمنا هو النديب والتفجّع فى تكرار كلمة (عراق. عراق) فالكلمة تكاد تشبه ذلك الصوت الذى نطلقه فى حالة الألم (آه). أو يشبه صوت الغراب هذا الصوت الفاجع الذى دعانا لنطلق عليه (غراب البين) أو طائر الشؤم"(55).
إن الكلمة الصوتية. هنا مشحونة بما يعتمل داخل الشاعر من مشاعر وانفعالات.
ولقد كانت الكلمة - فى استخدامها الأمثل - فى سياق السطر الشعرى عاملا أساسيا فى إثراء الإيقاع فى القصيدة، وكانت متضافرة مع غيرها من الكلمات، صوتيا، وانفعاليا، بمثابة ركن أساسى فى بناء القصيدة.
وهكذا نجد أن الإيقاع الشعرى يُثْرى باستخدام إمكانيات الكلمات الصوتية، كما يثرى بالاستخدام الخاص بتنويع وتعدد التفعيلات، وطول السطر الشعرى ونوع التفعيلة المستخدمة، وكل هـذا يتضافر مع غيره من إمكانيات أخرى أتاحتها القصيدة الحرة - مثل التضمين والتكرار، والتدوير - من أجل إثراء الإيقاع، واستنفاذ كل ما له من إمكانيات من أجل القصيدة.

التضميـن والإشــارة

مـع انفجار الشكل الشعرى القديم، وتحول الشعر الى التفعيلة، حاول الشعراء إثراء تجربتهم الشعرية عن طريق تنويع مصـادر الإيقاع، فكان التضمين أحد هذه الوسائل، وقد استخدم بشكل واسع فى الشعر الحر، ورغم أنه كان موجوداً فى الشعر العمودى إلا أنه فى الشعر الحر صار له الدور المتميز، والذى يختلف كثيرا عنه فى الشعر العمودى(56).
ولقد كان تأثر الشعراء المعاصرين، بالشاعر ت.س اليوت T.S. Eliot كبيـرا فى هذا المجال، فاليه يرجع استخدام التضمين فى الشعر، فقد كانت قصيدة الأرض الخراب The Waste Land بمثابة دستور لهم.
ففى القسم الأول من قصيدته (الأرض الخراب) (57) وهو بعنوان دفن الموتى The Burial of T Dead. نجد - على سبيل المثال لا الحصر - أن اليوت يضمن قصيدته أبياتا بالألمانية مأخوذة من أوبرا لفاجنر وهى كالآتى :
Frisch Weht der wind 31
Der Heimat zu 32
Mein I risch kind 33
Wo Weilest du? 34
….. .
Oed’ Und Leer das Meer 41
وهى الأبيات 31-34، 41
لقد هبت الرياح المنعشة 31
من أرض الوطن 32
أى حبيبتى الايرلندية 33
أين تتمهلين؟ 34
….
والبحر متسع وخال 41
(وهى أغنية يغنيها بحار).
كما يقتبس من شكسبير (فى العاصفة) بيتا من الشعر أيضا
(هذه اللاّئى تمثل عينيه .. انظر
Those are pearls that were his eys, Look!)
وتحفل القصيدة بالإشارة والتضمين من "دانتى"، و"هوميروس" و"سوفكليس" ومن "أوليفر جولدست" (1730-1774)، واعترافات "أوغسطين". كما يشير "اليوت" إلى حفلات الغرس وأسطورة "ايزيس وأزوريس" فيما ياتى :
(That Corpse you planted last year in your garden !)
Has it Begun to spourt? Will it bloom this year
Or has the sudden frost disturbed its bed?
Oh keep the dog far hence, that’s friend to men
Or with his nails he’ll dig it up again!
"هل نبت الجسم الذى زرعته فى العام الماضى فى حديقتك؟!
هل بدأ النمو، ترى هل سيزهر هذا العام؟
أم أن الصقيع المفاجئ قد أقضّ مضجعه؟
أوه. دع الكلب بعيدا، هذا الصديق الوفىّ للبشر
وإلا أخرجه ثانية بأظافره".
فقد كان "إليوت" يؤمن بأنه فى هذا العصر، عصر القلق والـذى ارتبك فيه الناس بالعلوم الجديدة، والعصر الذى لا يهبنا غير القليل مما يمكن اعتباره معتقدات، وفروضاً، وخلفية مشتركة بين القراء، يرى أنه لا توجد أرض فكرية ممنوعة. وكان التضمين أحد أدوات "إليوت" التى ينوع بها الإيقاع، ويمنح القصيدة شحنة درامية، سواء كان هذا التضمين يأتى بنص انجليزى - كما فى تضمينه "لشكسبيـر"، أو بالنصوص الألمانية - كما سبق وأشرنا، أو الفرنسية مثل تضمينه لبيت من شعر "بودلير".
والجديـر بالذكر أن التضمين "لا يفيد قصيدة الشعر الحرّ فى إعطائها فرصة التواصل والتكامل فحسب، بل أيضا يفيد كذلك فى إخفاء اللحن الناجم عن القافية، إذا وردت(58).
"والتضمين يخلق الإحساس بالمفارقة عن طريق الصوت والمعنى بين حياة العصر الحاضر وحياة العصور الأخرى"(59). وبالمزج بين الأداءين، أداء النص الأصلى، وأداء النص المتضمن، تختصر المسافة بين الصوتين، ليتلبس كلّ منهما الآخر، "ومع المشابهة فى الموقف قد تنبثق مفارقة أو مفارقات بحكم اختلاف الظرف التاريخى، فتضاف إلى المعطى المضمن - نتيجة لذلك - شذرات تحويرية تتسق مع الحالة المفارقة بما يشبه تنويعات على الفكرة الأولى. ومن ثم فقد يضمن الشاعر المعاصر بيتا أو أبياتا أو جزءا منه، وقد يعمد إلى تحوير البيت أو الأبيات المضمنة كما يوظف التحوير للإبانة عن روح المفارقة الأليمة، على نحو أشبه بإيماء مختصر وحاد إلى أزمته المعاصرة"(60).
ويعدّ التضمين تقنية شعرية هامة فى جماليات الشعر إذْ أنها تعبّر عن التوتر والصراع داخل القصيدة. كما أنه يثرى الإيقاع الشعرى لأنه يعد "عاكسا للصراع بين المستوى النحوى للقصيدة والنظام الإيقاعي لها … كما أن ثمة صراعا هنا بين النثر والشعر يسببه التضمين، ويكشف عنه، وهو صراع لا يؤدى إلى التوتر فحسب، بل هو يعكس أيضا موقفا خاصا بمفهوم الشعر ووظيفته"(61).
واذا كان ت.س. إليوت قد شغف بالتضمين، فضمن قصيدته الأرض الخراب - هذا البيت لبودلير :
“You! Hypocrite Lecteur! - Mon Sembable, - Mon Frerel”
"أنت أيها القارئ المخادع .. إنك تشبهنى. فأنت أخى"(62)
مـن قصيدة إلى القارئ وبنفس اللغة (الفرنسية) التى كتبت بها أزهار الشر، فإننا نجد (صلاح عبد الصبور) (63) فى قصيدته عن "بودلير" يضمن نفس البيت كالآتى :
"أنت لما عشقت الرحيل
لم تجد موطنا
يا حبيب الفضاء الذى لم تجسْه قدم
يا عشيق البحار وخدن القممْ
يا أسير الفؤاد الملول
وغريب المنى
يا صديقى أنا
Hypocrite Lecteur
Mon Sembalble, Mon frerel
شاعر أنت والكون نثْر
والنفاق ارتدى أجنحة
وتزيا بزى ملاك جميلْ
والطريق طويلْ
والتغنى اجتراء على كشف سر"
فى عيون النساءْ
طفْت - لما تجد
فى السماء التى أطرقت معجبهْ
فوق بحر سجا كالزجاج الرهيف
لم تجد .. لم تجد
فى الدخان الذى ينعقدْ
ثم يهوى أمام العيون كثوب شفيف
لم تجد .. لم تجد
فعشقت الرحيل
فى بحار المنى
يا فؤادًا ملولْ
يا صديقى أنا"
إن "صلاح عبد الصبور" أراد أن يصدم القارئ الذى لا يعرف معنى البيت، لكى يتهيأ الى ما يأتى بعده، مستفيدا من المفارقة، للانتقال إلى إحساس جديد.
واذا كان "الإيقاع لا يمكن أن يتم بدون فهم واضح للأسطر، أو أعلى الأقل النغمة العاطفية العامة"(64). فإن النص الفرنسى يكون بمثابة نشاز داخل النص، فيقوم بدور الصدمة والتى تعمل على إفاقة القارئ فلا يسترسل مع الإيقاع فى الأسطر السابقة، بل يتأمل النص ويعمل ذهنه فيه، محاولاً سبر أغواره، وفك رموزه.
وفى قصيدة "لحن" يقول (صلاح عبد الصبور) :
"جارتى مّدت من الشرفة حبلاً من نغمْ
نغم قاس رتيب الضرب منزوف القرارْ
نغم كالنّار.
أنت فى القلعة تغفين على فرش الحريرْ
وتذودين عن النفس السآمهْ
بالمرايا واللآلى والعطورْ
وانتظار الفارس الأشقر فى الليل الأخيرْ
- اشرقى يا فتنتى
- مولاى!
- أشواقى رمتْ بى!
- آه .. لا تقسم على حبى بوجه القمر
ذلك الخداع فى كل مساءْ
يكتسى وجهاً جديداً
وأنا لست أميرا
لا ولست المضْحك الممراح فى قصر الأميرْ
سأريك العجب المعجب فى شمس النهار"
اننى خاوٍ ومملوء بقش وغبارْ
ويقول شكسبير فى مسرحية "روميو وجولييت" والحوار بين عاشقين :
- اشرقى يا فتنتى
- مولاى!
- أشواقى رمت بى!
- آه .. لا تقسم على حبى بوجه القمر
ذلك الخداّع فى كل مساءْ
يكتسى وجها جديدا"
أمـا "إليوت" فى "أغنية حب ج. ألفريد برفروك" فيقول:
The Love Song of J.Alfred Purferok
"كلا .. لست الأمير هاملت، ولم أخلق لأكون أميرا!
إنني أحد اللوردات فحسب الذين تتألف منهم الحاشية.
رجل لا يصلح إلا ليزين موكبه، وابتداء مشهد أو مشهدين.
أنصح الأمير، وبلا شك يسعده أن أكون أداة طيعة
أظهر الاحترام، ويسعدنى أن أكون ذا فائدة
سياسى، حذر، ودقيق.
رأسى محشو بالحكم والأمثال والألفاظ الطنانة الجوفاء
أحيانا أكون مبعث سخرية
وفى أغلب الأحيان أكون مضحك الأمير"(65)
إن "صلاح عبد الصبور" إذْ يضمن فى قصيدته (لحن) فى النص المذكور لشكسبير، فإنما يريد أن يقابل بين موقفه من جارته التى "مـدت له من الشرفة حبلا من نغم" وأحس بقسوته لأنه لا أمل له فى حبـه لها - والشرفة أيضا - مستعارة من موقف بين (روميو وجولييت) - ولكن موقف الشاعر هنا نقيض الموقف الذى يصوره "شكسبير"، فيكون تضمين النص الشكسبيرى فى القصيدة من أجل أحداث المفارقة، وتوضيح الفجوة بينه وبين جارته.
- اشرقى يا فتنتى
- مولاى!
"- أشواقى رمت بى!
- آه .. لا تقسم على حبى بوجه القمر
ذلك الخداع فى كل مساء
يكتسى وجها جديدا"
والتضمين هنا كان بالنص (مترجما).
أمـا بالنسبة لتضمينه لنص (اليوت) فإنه يضمن المعانى العامـة لنص اليوت، وهو أنه ليس الأمير، ولكنه أيضا ليس مضحك الأمير. انه يريد أن يقول إنه - وإن كان - ليس الأمير "هاملت" فى نص اليوت، فهو أيضا ليس أحد اللوردات من حاشية الأمير، إنه إذن : إنسان لا يملك ما يملأ كفه طعاما)، إنه انسان فقير مثل رفاقة التعساء، ولذا لا أمل له فى حب هذه الجارة.
أما السطر الأخير من المقطع الذى ذكرناه من قصيدة "صلاح عبد الصبور":
"إنني خاو ومملوء بقش وغبار"
فإنه يشير إلى قصيدة "اليوت"، "الرجال الجوف The Hollow Men" إذْ يقول اليوت فى مفتتح القصيدة
"نحن الرجال الجوف
نحن الرجال المحشوون
نميل معا
وأأسفاه .. لقد حشيت رؤوسنا بالهشيم"
“We are the Hollow men
We are the Stuffed men
Leaning togther
Head price filled with Strow, Alas.!”(66)
وكذلك فى قصيدة "أغنية حب ج. الفريد برفروك" إذ يقول:
"رأسى محشو بالحكم والأمثال والألفاظ "الطنانة الجوفاء" وإن كانت الإشارة إلى (قصيدة الرجال الجوف) أكثر وضوحاً.
وقد أغرى "ت.س. اليوت" العديد من الشعراء للتضمين من شعـره فقط أشار (السياب) فى (أنشودة المطر) إلى قصيدة (الرجال الجوف) أيضا للأبيات التالية لتلك التى ذكرناها، والتى أشار إليها "صلاح عبد الصبور".
يقول السياب :
أصيح حتى تئن القبور - من رجع صوتى وهو رمل وريح
ويقول اليوت(67) :
أصواتنا جافة، عندما
نتهامس معا
خافتة لا مغزى لها
كالريح فى الحشائش الجافة
أو كإيقاع الفئران على الزجاج المهشّمْ
فى قبْونا الكئيب
“Our dried voice, when
We are whisper together
Are quite and meaningless
As wind in dry grass
Or rat’s feet over broken glass
In our dry Celler"
ونلاحـظ هنا أن "السياب" قد أخذ النص، ولكنه حوّره، وأدخله ضمن نصه (أنشودة المطر)، وبذلك كان تأثره فيه مهارة.
واذا قال السياب فى قصيدة ملال :
"وأكيل بالأقداح ساعاتى"
فإنه يشير إلى نصّ "اليوت" (فى أغنية ألفريد ج برفروك)
I have measured out my life with coffee spoons
"ووزنت حياتى بملاعق القهوة"
كما أغرت (هذه القصيدة) لاليوت (سعدى يوسف) فيكتب - فى قصيدة من (نهايات الشمس الإفريقي)
"النساء اللواتى يرحن ويغدون فى الحجرة
يتحدثن عن ميكائيل أنجلو"
يقول اليوت :
"فى الغرفة النسوة يغدون ويرحن
مثرثرات عن مايكل انجلو"
“In the room the woman come and go
Talking of Michelanglo”(68)
ولكن التضمين لم يتوقف عند الأخذ من "اليوت"، أو النصوص غير العربية فحسب، بل جاء التضمين من الشعر العربى، والتراث يشكل عنصراً هاما فى عملية التضمين أيضاً.
فهذا أمل دنقل فى قصيدة (البكاء بين يدى زرقاء اليمامة) يضمن القصيدة بيتا لـ (الزباء) ملكة تدمر يقول :
"ما للجمال مشيها وئيدا
أجندلا يحملن أم حديدا؟"
يقول (أمل دنقل) مخاطباً زرقاء اليمامة :
تكلمى .. تكلمى
فها أنا على التراب سائل دمى
وهو ظمىء يطلب المزيدا
أسائل الصمت الذى يخنقنى:
(ما للجمال مشيها وئيدا ؟!
أجندلا يحملن أم حديدا ؟!)
فمن ترى يصدقنى؟
أسائل الركع والسجودا
أسائل القيودا
(ما للجمال مشيها وئيدا ؟!
ما للجمال مشيها وئيدا !!)
كان "عمرو" عدو (الزباء) ملكة تدمر قد "أرسل إليها جاسوسا يخبرها بأنه سوف يأتيها مسترضيا ومحملا بالهدايا، فلما بدت قافلة عمـرو فى الأفق البعيدة كثيرة الجمال بطيئة الحركة ارتابت (الزباء) فى أمر هذه المصالحة وتساءلت مستنكرة.
"ما للجمال مشيها وئيدا؟
أجندلا يحملن أم حديدا ؟!
فبرر لها الجاسوس تثاقل الجمال بكثرة الهدايا، وارتفاع قيمتها. وحين وصلت القافلة تيقنت (الزباء) من صحة نبوءتها، حيث خرج من داخل الصناديق مجموعة ضخمة من الجنود المسلحين، وعندئذ أجابها عمرو قائلا :
"بل الرجال قبضا قعودا"
فأبت (الزباء) مهانة الهزيمة، وقتلت نفسها بمص السم من خاتمها وهى تقول : "بيدى لا بيد عمرو"(69)
وقـد قصد "أمل" من التضمين هنا، ليس مجرد لفت انتباه القارئ، بل التأكيد على استدعاء الموقف التراثى الكامل (موقف الزباء)، وكيف خدعت، وكيف تصرفت عندما علمت أنها لا محالة مهزومة، فأخذت السم من خاتمها.
ويستدعى أمل فى نفس القصيدة، نفس المقطع شخصية "عنترة العبسى" من خلال اشارة إلى موقف أهله منه فى الجزء السابق على ما ذكرناه آنفاً فيقول:
"أيتها النبية المقدسة
لا تسكتى، فقد سكتُّ سنةً فسنةً
لكى أنال فضلة الأمانْ
قيل لى "اخرس"
فخرست وعميت، وائتممت بالخصيان!
ظللت فى عبيد (عبس) أحرس القطعان
أجتز صوفها
أردّ نوقها
أنام فى حظائر النسيان
طعامى الكسرة والماء وبعض التمرات اليابسةْ
وها أنا فى ساعة الطِّعان
ساعة أن تخاذل الكماة والرماة والفرسان
دعيت للميدان!
أنا الذى ما ذقت لحم الضانْ
أنا الذى لا حول لى ولا شانْ
أنا الذى أقصيت عن مجالس الفتيانْ
أدعى إلى الموت، ولم أدع إلى المجالسةْ
تكلمى أيتها النبية المقدسة
تكلمى .. تكلمى"(70)
إنه هنا يقدم صياغة شعرية لموقف (عنترة العبسى) وكلماته فى حواره مع والده - الذى كان ينكره - عندما دعاه إلى الحرب. وبالتالى يقيم حواراً بين الموقف الحاضر - هزيمة يونيو 1967، والموقف الغائب. موقف "عنترة العبسى" ليؤكد على رؤيته التى تستشف من خلال هذا كله، فهو لا رأى له، ولا أهمية، ويعيش منسيا على الهامش عندما تكون الحياة هادئة - فيها الأنس والمجالسة - ولكن عند الموت يكون أول المطلوبين فى وقت تخاذل فيه من قيل لهم : الكماة والرماة والفرسان.
ولقـد أفاض "أمل دنقل" قى التضمين سواء كان بنص شعرى أو نص من المأثورات الشعبية، أو من خلال إعادة صياغة النـص القديم أو الشعبى فنراه فى قصيدة الموت فى الفراش، يضمن القصيدة عبارة (خالد بن الوليد) المعروفة (أموت فى الفراش كما يموت العير) :
"أموت فى الفراش .. مثلما يموت العير
أموت والنفير ..
يدق فى دمشق ..
أموت فى الشارع : فى العطور والأزياءْ
أموت والأعداءْ ..
تدوس وجه الحق
"ما بجسمى موضع إلا وفيه طعنة برمح"
.. إلا وفيه جرح
"فلا نامت عيون الجبناء"(71)
وكـذلك عبارة "ما بجسمى شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة أو رمية" .. "فلا نامت عيون الجبناء".
وكذلك فى قصيدته (من أوراق أبى نواس) (72) يبدأ بعبارة يقولها الأطفال وهو يلعبون (لعبة الحظ) ملك أو كتابة. وغيرها من النصوص التى يتجلى فيها التضمين بكل أشكاله فى الشعر الحر.
واذا كان المتنبى(73) فى مدحه لسيف الدولة فى القصيدة التى مطلعها :
ما لنا كلنا جوٍيا رسول؟ أنا أهوى وقلبك المتبول
يقــول :
أنت طول الحياة للـروم غـاز فمتى الوعد أن يكون القفول
وسوى الروم خلف ظهرك روم فعلى أى جانبيك تميـــل
قعد الناس كلهم عن مساعيـك وقامت بها القنا والنصـول
فإن (عبد الوهاب البياتى) يضمن البيت الثانى : (وسوى الروم…) بعد تحويره كالآتى :
"كان الروم أمامى، وسوى الروم ورائى، وأنا كنت أميل
على سيفى منتحرا تحت الثلج وقبل أفول النجم القطبى وراء
الأبراج، فلماذا سيف الدولة ولى الأدبار؟
ويقول فى المقطع الحادى عشر :
"لماذا ترك الشعراء خنادقهم؟ ولماذا سيف الدولة ولّى الأدبار؟ الروم أمامى كانوا، وسوى الروم ورائى"(74).
ويقوم "حميد سعيد"(75) فى قصيدته "صيغة مقترحة للملحمة الغجرية" بالتضمين من النص القرآنى "جنة عرضها السماوات والأرض" وذلك بعد إدخاله فى قالبه الشعرى :
"أيها الناس
من مات مات .. ومن لم يمت فليكن معنا
اننا راحلون إلى جنة عرضها الوطن العربىّ
فمن لم يمت فليكن معنا
اننا راحلون الى وطن الحور .. والعسل .. واللبن
الظل .."
ويعد ديوان "محمد عفيفى مطر"(76) أنت واحدها وهى أجـزاؤك انتثرت" - قصيدة اشكاليات علاقة - نموذجا فريداً للتناص مع القرآن، بتضمين مفردات قرآنية أو تراكيب، أو الاستجابة للنص القرآنى، أو استدعائه لأكثرمن آية، مثل قوله :
سلام هى حتى مطلع الفجر .. سلام
مضمنا نصه النص القرآنى : "سلام هى حتى مطلع الفجر"
أو فى " إمرأة إشكاليات علاقة" إذْ يقول :
"وكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد"
مع النص القرآنى :
"فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد"
أو فى :
فاصدع بحلمك
هذى عشيرتك الأقربون دم يكتب السعف الحى
والأغصن المثمرات
دم تتناسل فيه النبوات والشهداء
الكتابات والصرخة الفاتحة
"فالتمهيـد التعبيرى يستدعى أيتين كريمتين ترشحان لعملية الإحالة فى دال (الفاتحة)، هى قوله تعالى : "فاصدع بما تؤمروا عرض عن المشركين". وقوله: "وانذر عشيرتك الأقربين". كما تضاف إلى ذلك بعض الدوال التى تنتمى إلى حقل (الدين) بوجه عام مثل : (النبوات)، و(الشهداء) (77).
كذلك نجد "كمال عمار" يشير فى قصيدته "الوجه الذى غاب" إلى يونس، بعد صياغته صياغة شعرية :
"الريشة ما عادت تدمى صدر الكون
والأسود صار أمير اللون
الضوء يموت
مّد يديه يستجدى العون
لكن من أين؟
يونس لن يخرج من بطن الحوت!" (78)
ويضمـن "كمال عمار"(79) من شعر "المتنبى" من قصيدته التى قالها بعد أن أصابته الحمى، والتى مطلعها :
"ملُومكما يجلّ عن الملام
ووقع فعاله فوق الكلام"
إذْ يضمن منها الأبيات :
"وإن أمرض فما مِرَض اصطبارى
وإن أحمم فماحم اعتزامى"
….
"تعود أن يغبر فى السرايا
ويدخل من قتام فى قتامِ"
….
"وإن أسلم فما أبقى ولكن
سلمت من الحمام إلى الحمامِ"
….
"جرحت مجرحا لم يبق فيه
مكان للسيوف ولا السهام "
وذلك فى قصيدته كابوس "أبو الطيب" :
"يونيو جاء
مختال القامة مزهو الريش
لم ينفضه أحد عنه
لم يتغير شىء منى أو منه
حمدا لله فمازلت أعيش
"وإن أمرض فما مرض اصطبارى"
"وإن أحمم فما حم اعتزامى"
يونيو جاء
باركه الشيطان وقبّله فى الخدّين
لما أبصر فى شفتيه الساخرتين بقايا أشلاءْ
قلبى .. عقلى والأمعاء
لم يترك لى غير العينين
لأراه أمامى يضحك منى حين يشاء
"تعّود أن يغيَّر فى السرايا
ويدخل من قتامٍ فى قتامِ"
قالوا عن رجل ضاق بحال الدنيا فتمنى الموت
وأتاه .. فاتّسعت عيناه
ورجاه فى صوت مذبوح النبرات
أن يمهله بعض الوقتْ
صَبر الموتُ قليلاً
ثم التفت إليه فأبصره ماتْ
"وإن أسلم فما أبقى ولكن
سلمت من الحمام إلى الحمام"
من قبلك يا بونيو أموات
لايخدعك النور الشاحب فى الطرقات
لا يخدعك الطبل الأجوف فى الكلمات
عن حطّين ..
عن نار تحرق أعداء الله وأعداء الدين
عن كل دعاء صحنا فى آخره آمينْ
"جرحت مجرّحاً لم يبق فيه
مكان للقسىّ وللسهامِ"
يونيو جاء
فليقبل لا يخجل
لا تثريب غليه ولا لومْ
لكنى أسأل
لمن الملك اليوم؟
- للتعساء
ماذا تحمل من أنباء؟
- قيّدنى فى الصيف وأوقعدنى الدّاء
"وما فى طبّه أنى جواد
أضرّ بجسمه طول الجِمام"
وقد انتشر التضمين فى الشعر الحر بشكل واسع فنجده فى ديوان "نجيب سرور" (لزوم ما يلزم) يضمن للمعرى، وبايرون، ودانتى ولشكسبير .. الخ كذلك عند محمود درويش، وأدونيس، وأحمد دحبور وغيرهم.
ولقد تباينت قدرات الشعراء فى استخدام التضمين، سواء لصنع صدمة فى الإيقاع، أو مفارقة فى المعنى، وتوليد صراع بين النص الغائب والنص الحاضر بما له من شحنة انفعالية، أو خلق جو نفسى متوتر من خلال الصراع بين النصين.
ولقـد أثرى استعمال التضمين الإيقاع الشعرى بما قدمه له مـن شحنة انفعالية، وتوتر ناجمة عن شكل العلاقة - التى تتم - بين النصين.

التكـرار فى الشعــر

"يعد التكرار Repetition ظاهرة لغوية من حيث اعتماده - فى صوره البسيطة والمركبة - على العلاقات التركيبية Syntagmitic Relations بين الكلمات والجمل. وهو يعد وسيلة بلاغية ذات قيم أسلوبية"(80).
والمراد بالتكرار هو إعادة ذكر كلمة أو عبارة بلفظها ومعناها فى موضع آخر أو مواضع متعددة. وقد استخدمه العرب قـديماً، وكان "ابن قتيبة" من أوائل من تعرضوا له حين تناول أسباب التكـرار فى بعض صور القرآن. وكذلك "أبو هلال العسكرى"، و"ابـن رشيق" والذى قصر كلامه على تكرار الكلمة المفردة، بل على نوع منها فقط وهو الاسم، علما كان أم غير علم؛ أما تكرار الجملة، أو العبارة التى تتألف من اكثر من جملة فلا مكان لها عنده(81).
ومـع أن التكرار كان معروفاً فى الشعر العربى منذ أيام الجاهلية، إلا أننا سوف نركز اهتمامنا فى دراستنا لأساليب التكرار علـى الشعر الحر، خاصة أن التكرار - هنا - قد أخذ منحى جديداً، وصار يمثل ظاهرة فى القصيدة الحرة.
والتكرار بوسعه أن يثرى "المعنى ويرفعه إلى مرتبة الأصالة، ذلك إذا استطاع الشاعر أن يسيطر عليه سيطرة كاملة، ويستخدمه فى موضعه، وإلا فليس أيسر من أن يتحول هذا التكرار نفسه بالشعر إلى اللفظية المبتذلة التى يمكن أن يقع فيها أولئك الشعراء الذين ينقصهم الحسّ اللغوى والموهبة والأصالة"(82).
وعلى الرغم من وجود التكرار فى الشعر العربى - منذ الجاهلية - سواء فى صورة تكرار للألفاظ أو للمعانى، أو للألفاظ والمعانى معا - إلا أن التأثير الأكبر على الشعر الحر، لم يكن - من وجهـة نظرنا - مصدره التراث، بل كان مصدره الأساسى من شعر (ت.س. اليوت) والذى كان عظيم الأثر لا على أساليب التكرار فحسب، بل وعلى مجمل التعبير الفنى للقصيدة الحرة.
ت.س. اليوت، والأنماط المتعددة للتكرار
فى المقطع الأول من قصيدته الرجال الجوف The Hollow Men يقول اليوت :
" نحن الرجال الجوف
نحن الرجال المحشوّون
نميل معا ..
وا أسفاه، لقد حشيت رؤوسنا بالهشيم
أصواتنا جافة، عندما
نتهامس معا،
خافتة لا مغزى لها
كالريح فى الحشائش الجافة
أو كإيقاع أقدام الفئران على الزجاج المهشم
فى قبونا الكئيب
شكل بلا هيكل، ظل بلا لون
قوة مشلولة، إشارة بلا حركة
أولئك الذين عبروا
بعيون شاخصة، إلى مملكة الموت الأخرى
اذكرونا - إذا ما ذكر تمونا -
ليس كنفوس هائمة
بل كرجال جوف
رجال محشوّين"(83).
نلاحظ هنا تكرار السطرين الأول والثانى فى خاتمة المقطع مع بعض التحوير لجعلهما ينسجمان مع كونها نهاية للمقطع.

(نحن الرجال الجوف
نحن الرجال المحشوون)
وفى نهاية المقطع : (كرجال جوف
رجال محشوّين)
كما يكرر فى نفس القصيدة فى المقطع الرابع الأسطر الآتية :
" لا توجد العيون هنا
العيون لا توجد هنا
فى وادى النجوم الذابلة
فى هذا الوادى الأجوف"
The eyes are not here
There are no eyes here
In this valley of dying stars
In this hollow valley.
مع ملاحظة بعض التغيير فى الصياغة. ويعدّ هذا التكرار بمثابة التأكيد على المعنى. ففى السطرين الأول والثانى نجد أن السطر الثانى يؤكد على معنى السطر الأول، وهو بنفس الكلمات تقريبا. دون تغيير، وإنما حدث تغيير فى مواضع الألفاظ فحسب. أما السطرين الثالث والرابع، فيوجد تغيير فى بعض الألفاظ إضافة إلى التغيير فى الصياغة، وإضافة صفة الأجوف (hollow) إلى الوادى، وذلك لإثراء المعنى بالإضافة إلى تأكيد المعنى السابق المستقى من (فى وادى النجوم الذابلة).
كما يكرر فى هذه القصيدة - فى المقطع الخامس - أكثر من سطر، مستخدما أساليب عدة للتكرار. فيقول :
"ها نحن ندور حول شجرة الصبار
شجرة الصبار .. شجرة الصبار
ها نحن ندور حول شجرة الصبار
فى الخامسة صباحا"
ويمكننـا ملاحظة التكرار أيضا فى القسم التالى، والذى كان له تأثير كبير على الشعراء العرب :
بين الفكرة،
والواقعة
بين الحركة
والفعل
• يسقط الظل
• لأن الملك لك
بين التصور
والخلق
بين الانفعال
والاستجابة
• يسقط الظل
• طويلة هى الحياة
بين الرغبة
والنشوة
بين الإمكان
والوجود
بين الماهية
والتجلى
• يسقط الظل
• لأن الملك لك
لأن لك
الحياة تكون
لأن لك الـ
• على هذا النحو ينتهى العالم
• على هذا النحو ينتهى العالم
• على هذا النحو ينتهى العالم
لا بضجة، بل بنحيب خافت
ويلاحظ هنا توظيف التكرار إيقاعيا، إذْ نجد أن (يسقط الظل) (ولأن الملك لك) يكونان بمثابة قرار أو خاتمة لمعنى محدّد يريد (اليـوت) أن يجعلنا نتوقف عنده، وينبهنا إلى أن إضافة جديدة سوف تأتى بعد هذا القرار. هذا بالإضافة إلى توالى حروف العطف، مع (بين) التى تفصل دائما بين مختلفين (الإمكان، والوجود، والماهية، والتجلّى، والحركة والفعل، والتصور والخلق (الإبداع)، الانفعال والاستجابة).
كما نلا حظ تكرار (على هذا النحو ينتهى العالم) ثلاث مرات، للتأكيد والجزم بنهاية العالم - دون ضجة بل بنحيب خافت.
كما يلاحظ أن اليوت قام بعملية البتر فى :
لأن لك
الحياة تكون
لأن لك الـ
For thine is
Life is
Your thine is the
وهـو صوت أشبه بترجيع الصدى، وهو ما سوف نجده عند (يوسف الخال)، والسياب، وغيرهما فى الشعر العربى.
أما فى (أغنية حب. ج. ألفريد بروفروك) (84) فإن التكرار أيضـا يتردد كثيرا فى القصيدة إذْ يكرر عددا من الأسطر بين الحين والحين والتى تكون بمثابة (لازمة) يبدأ بها أو ينتهى عندها معنى محدد، أو تكون تعبيراً عن الملل والضيق والضجر.
"الضباب الأصفر الذى يحكّ ظهره على زجاج النوافذ
الدخان الأصفر الذى يحكّ أنفه على زجاج النوافذ"
The yellow fog that rubs its back up on the window-panes.
The yellow smoke that rubs its muzzle on the window-panes.
كما يكرر أيضا (سوف يتسع الوقت) مرتين، ويعيد الإشارة إلى الدخان الأصفر. كما يكرر أيضا :
هل أجسر على هذا الفعل؟!
فى مواضع متعددة.
أو عندما يقول : "لكن مع أنى بكيت، وصمت، بكيت وصليت"
وكذلك تكراره فى السطرين :
"لا ليس هذا ما كنت أعنيه
لا لم أعن هذا أبدا"
أو فى :
"إني أكبر .. أهرم .. أكبر وأهرم"
ويعد أسلوب التكرار من الأساليب الأثيرة لدى "اليوت"، وهذا يتضح - بالإضافة إلى ما سبق - من قصيدته الذائعة الصيت : الأرض الخراب The Waste land (85) هذه القصيدة التى كان لها الأثر البالغ فى الشعر العربى، سواء فى استخدام أسلوب التكرار، أو فى غيره من التقنيات الفنية للقصيدة - كالتضمين، واستعمال الأسطورة، والبناء الدرامى والإيقاعي - وان تباينت قدرات الشعراء بين التقليد، والقدرة على النفاذ إلى صلب التقنية المبتدعة من قبل "اليوت".
يقول "اليوت" فى قصيدة الأرض الخراب - مشيراً على لسان (تايرزياس) - إلى جبل المطهر فى كوميديا (دانتى)، إذْ لاحظ "دانتى" أن (فرجيل) ليس له ظل على الصخرة، بينما ظله لا يفارقه، وهذا تعبيـر عن مفارقة الروح للجسد، إذ أصبح (فرجيل) روحا خالصة، وتخلص من علائق الجسد، وعجلة الميلاد - على حد تعبير الفيثاغوريين فى تعاليمهم(86).

"هنالك تجد ظلا تحت هذه الصخرة الحمراء
(هلم بنا تحت ظل الصخرة الحمراء)"
There is shadow under this red rock
(Come in under the shadow of this red rock)
وقـى القسم الثانى من القصيدة (لعبة الشطرنج The game of chess) حيث يسمع صوت النادل يكرّر بين الحين والحين قائلا : أرجوا أن تسرعوا فقد حان الوقت “Harry up Please It s time"
قاطعا الثرثرة الطويلة المملة، مذكًرا بأن الوقت قــد حان، ولكن دون أن يعبأ به أحد، فيكرر ويكرر، فيضطر إلى تكرار العبارة مرتين متتاليتين، وهذا يرمز إلى إهدار الإنسان لوقته فى اللّغو الفارغ، والحياة المملّة، والثرثرة هروبا من وطأة الواقع فى العالم المعاصر بكل ما جلبه للإنسان - فى رأى "اليوت" - من تفسخ، وتدهور، وانهيار وهزيمة على المستويين النفسى والأخلاقى.
ثم يختم هذا المقطع بتكرار أيضا :
"طـاب مساؤك يا بيل، طاب مساؤك يالو، طاب مساؤك يا ماى، طاب مساؤكم جميعا
تا، تا. انعمن مساء، أنعمن مساء
أنعمن مساء سيداتى، طاب مساؤكن سيداتى الجميلات، طاب مساؤكن، طاب مساؤكن"
Goodnight Bill, goodnight Lou, goodnight May, goodnight. Ta ta. Goodnight. Goodnight.
Goodnight, ladies, goodnight, sweet ladies, goodnight, goodnight”.
حيث تشير الأبيات الأخيرة إلى كلمات (أوفيليا) (87) بعد أن أصابها الجنون لعدم اكتراث (هاملت) بحبها. وهذا التضمين إحالة إلى موقف (أوفيليا) وفى نفس الوقت يؤكد التكرار على انتهاء الوقت بترديد عبارات الوداع.
وفى المقطع الثالث من القصيدة - عظة النار The fire sermon يقول اليوت :
أيها التايمز العذب، امْض الهوينى ريثما أختم أغنيتى
أيها التايمز العذب، امض الهوينى، لأننى لن أجهر بصوتى، ولن أطيل حديثى.
Sweet Thames, run softly till I end my song
Sweet Thames, run softly, for I speak not loud´-or-long.
هذان البيتان تكرار لبيت سابق هو البيت الرابع فى هذا المقطع :
"أيها التايمز العذب، امض الهوينى ريثما أختم أغنيتى"
وقد غير "اليوت" فى بعض كلمات البيت الثانى، محددا نوع الصوت الذى سوف يردّد به أغنيته، بأنه لن يكون جهوراً، وبأن الأغنية لن تطول، فليتمهل النهر.
كما يكرر بعض الكلمات الصوتية فى أكثر من مكان فى هذا المقطع مثل :
"تويت .. تويت .. تويت
جوح .. جوج .. جوح "جوح .. جوج .. جوح"
“Twit Twit Twit
Jug Jug Jug Jug Jug Jug”
وكذلك:
"ويلا لا لى
والا لا لى لا "
Weialala Leia
Wallale Leialale”
ثم يختم هذا القسم من القصيدة، بتكرار، يعد دعما للخاتمة :
إلى قرطاجة أتيت
احترق احترق احترق، احترق
يا إلهي القِ بى بعيدا
يا إلهي انتزعني
أحترق
To Carthage then I came
Burning Burning Burning Burning
O Lord thou pluckest me out
O Lord thou pluckest
Burning
حيث تنتهى العظة بالإشارة إلى "القديس أوغسطين" فى اعترافاته، والإشارة إلى رحلته إلى قرطاجة. ويبدو التكرار هنا كخاتمة للمقطع (العظة) تأكيداً على الموقف فى (Burning) (أحترق) وفى تضرعه إلى الله يتضح التكرار فى النص (الإنجليزي) حيث يتم تكرار السطر كاملا ما عدا (Me out) مما يشكل إثراء للإيقاع وللموقف الانفعالي.
وفى ما قاله الرعد What the thurder said(88) الجزء الخامس - تتردد كلمة (الماء) فى أكثر من موقع، مرتبطة بالصخر والرمل
"هنا .. حيث الصخور بلا ماء
الصخر دون الماء والدرب الرملىّ
الدرب الملتوى فى صعوده للجبل
جبال الصخر بدون ماء
لو وجد الماء، لتوقفنا .. ونهلنا
بين الصخور لا أحد يستطيع التوقف أو التفكير
العرق جاف، والأقدام تغوص فى الرمال
لو كان الماء بين الصخور
فم الجبل الميت بأسنانه النخرة التى لا يمكنها البصْق
هنا .. حيث لا يستطيع أحد أن يقف أو يسترخى أو يجلس
فقد فارق الصمت الجبال
وصار مكانه الرعد العقيم بلا مطر
والعزلة فارقت الجبال أيضا
ولكن الوجوه المتجهمة الحمراء متهمكة وساخرة
بأبواب الأكواخ الطينية المتشققة
لو كان هناك الماء
بلا صخر
لو كان هناك الصخر
ومعه الماء
والماء
والنبع
والغدير بين الصخور
لو كان هناك خرير الماء فحسب
لا زيز الحصاد
والحشائش الذابلة
بل خرير المياه المنسابة بين الصخر
حيث يغرّد السمّان المتنسّك على أشجار الصنوبر
دريب دروب دريب دروب دروب دروب دروب
ولكن دون أثر للماء."
وبتكرار بعض الكلمات والعبارات مثل (لو وجد الماء، لو كان الماء بين الصخور.. لو كان هناك الماء.. ولا صخر، لو كان هناك الصخر ومعه الماء والنبع والغدير بين الصخور .. خرير الماء.. خرير المياه المنسابة بين الصخور .. ولكن دون أثر للماء .. بين الصخور لا يستطيع أحد التوقف أو التفكير.. الجبل الميت بأسنانه النخرة… الخ).
وذلك ليؤكد - باستخدام التكرار - على الجفاف الذى أصاب روح سكان الأرض الخراب The Waste Land، والشيخوخة التى تمكنت من أنفسهم، فدبّ الخور والعجز فى أعماقهم.
لقد كان تأثير "اليوت كبيرا" على الشعر العربى، فيما يتعلق بموضوع التكرار، وقد تفاوت التأثير - كما أسلفنا - بين الاستفادة من التقنية الفنية والأسلوب، وبين النقل الحرفى لما كان يردده "اليوت" فى قصائده.
* التكرار فى القصيدة الحرة
يمكننا أن نرصد عدة أنماط من التكرار، ولعل أبسط أنواع التكرار هو تكرار كلمة واحدة خلال القصيدة أو جزء منها مثل :
"وجه حبيبى خيمة نورْ
شعر حبيبى حقل حنطهْ
خدّا حبيبى فلقتا رمانْ
جيد حبيبى مقلع من الرخامْ
نهدا حبيبى طائران توأمان أزغبانْ
حضْن حبيبى واحة من الكروم والعطورْ
الكنز والجنة والسلام والأمانْ
قرب حبيبى"(89)
وأيضا فى :
"سيدتى، إليك قلبى، واغفرلى ..
أبيض كاللؤلؤ
وطيب كاللؤلؤ
ولامع كاللؤلؤ"(90).
إذ يكـرر الشاعر كلمة (حبيبى) التى تعد بمثابة المركز الذى يدور حوله الشعر فى الجزء الأول من القصيدة، كما يكرر كلمة (اللؤلؤ) فى المقطع الأخير منها.
أو فى قصيدة (شنق زهران) لنفس الشاعر، إذ يكرر كلمة (قريتى) ثلاث مرات فى بداية الأسطر، ويقصد بذلك التأكيد على المعنى.
" قريتى من يومها لم تأتدم إلا الدموع
قريتى من يومها تأوى إلي الركن الصديع
قريتى من يومها تخشى الحياة"(91)
أو كما جاء فى قصيدة "أمل دنقل" (ضد من) - من (أوراق الغرفة 8)
"فى غرف العمليات
كان نقاب الأطباء أبيضْ
لون المعاطف أبيض
تاج الحكيمات أبيضْ، أردية الراهبات
الملاءات
لون الأسرة، أربطة الشاش والقطن،
قرصا المنوّم أنبوبة المصل،
كوب اللبنْ
كل هذا يشيع بقلبى الوهنْ
كل هذا البياض يذكرنى بالكفن
فلماذا إذا مت ..
يأتى المعزّون متّشحين ..
بشارات لون الحداد ؟
هل لأن السواد
هو لون النجاة من الموت
لون التميمة ضدّ الزمن"(92)
إن هذا اللون الأبيض الذى يحاصر الشاعر وهو على فراش المرض، فى ارتباطه بذهنه بلون الكفن، يقدم شحنة انفعالية عالية فى مواجهـة اللون الأبيض - على غير المألوف - مستخدما التكرار لكلمة (أبيض) من خلال تجلّيات اللون فى حالاته المتعددة التى تحـاصر الشاعر وتجعله يعبر من خلال - هذا التكرار - عن حالته الانفعالية والنفسية تعبيراً دقيقا.
وإذا كان "ت.س. اليوت" قد كرر فى قصيدة (الرجال الجوف) تعبيره - (الملك لك) أكثر من مرة ليجعله بمثابة قرار لمجموعة من الأبيات، فإننا نجد هذا التكرار - تكرار العبارة - هذا قد تردد عند أكثر من شاعر.
وهـذا (صلاح عبد الصبور) يجعل (الملك لك) (93) عنوانا لإحدى قصائده فى (الناس فى بلادى) - فيقول فى المقطع قبل الأخير:
"أواحدتى، المساء السعيدْ
وطيفك يبهجنى بالحياهْ
فأحبو إلى ذكريات الشبابْ
عرفت به فورة الأقوياءْ
بقلبى، فأضحت حياتى لهيبْ
وقالت لىَ الأرض "الملك لكْ!!"
تموت الظلال ويحيا الوهجْ
الملك لكْ
الملك لكْ
الملك لكْ
فيا صيحة لم يقلها نبى
ولا ساحر همجى الصِّنْج
ولكنها فى مسارى الدماءْ
ومن نبضة الأذرع القادرهْ
أواحدتى وعرفت القلمْ
كتبت به أحرفا شاعرة
ليعرف اخوتى الأصفياءْ
نشيد البناء
الملك لكْ .. "
ثم يختم القصيدة فى نهاية المقطع الأخير كالآتى :
"وأفرح يا فتنتى بالحياة
وبالأرض، بالملك، الملك لك"
ولقد استهوت عبارة (الملك لك) هذه الكثير من الشعراء، فنجد "فاروق شوشة" فى قصيدته (مضحك الملك). (94) رغم انه يستقى قصيدته من قصيدة اليوت (أغنية ج. الفريد بروفروك) خاصة من الموقف الذى يقول فيه على لسان بروفروك :
"كلا لست الأمير هاملت، ولم أخلق لأكون أميرا
….
….
وفى أغلب الأحيان أكون مضحك الأمير"
إلا أنه يبدأ قصيدته بـ :
"الملك لك
الملك لك
فكل ما تقوله صوابْ
وحكمة (لم يحوها كتاب)
وينحنى المسامر الأنيس
وبهجة الندّ والجليس
والحافظ الأسرار و الأخبار والحكايا
يخرجها من كّمه النفيس:
"يا سيدى
ما اجملك ؟
ما أعد لك !
لولاك مادار الفلكْ
ولا نتهى التاريخ من بلادنا بلا جدال
ألست أشجع الرجال !
والطاهر النقى فى "مهابة الملك"
….
وعندما يعجز المسامر عن الإتيان بالكلام يعود بعد ذلك، ليقول :
"يا سيدى
الملك لك"
وذلك فى الثلث الأول من القصيدة تقريبا محاولا أن يجعل من العبارة - الملك لك - بمثابة لازمة يمكن الوقوف عندها، أو البدء بها.
وهو فى هذه القصيدة التى تشير بقوة إلى قصيدتين لـ (ت . س . اليوت) - "الرجال الجوف"، وأغنية "الفريد ج بروفروك" يصور المنافق الذى يطلق الصفات على الملك (الحاكم) ويقول فيه شعراً، ليـس فيه منه شئ.. ثم عندما يعجز عن الاستمرار - يطلق عبارة "الملك لك".
والتكرار (للملك لك) .. هذه العبارة التى تأتى بعد حديث منساب ثم تسقط محدثته رنينا، توحى بفراغ هائل تسقط فيه كلمات وعبارات هذا الجليس المنافق .. بهذا يكون تكرارها ذا وظيفة انفعالية معبرة.

"ويقدم (يوسف الخال) صورة حية لتلاشى صدى الصوت فى غابة مخيفة باستخدام أسلوب التكرار إذ يكرر عبارة لا باب مرتين يعقبهما ذكرها منقوصة فى المرة الثالثة"(96).
"الغابة يملؤها الرعب
حين يجوع بها ذئب
وأنا المفتاح ولا باب
لا باب
لا .. با"
ولعل هذا يعد تقليدا لاليوت عندما قال فى (الرجال الجوف)
"لأن لك
الحياة تكون
لأن لك، الـ"
كما أشرنا إلى ذلك من قبل
ويمكن رصد العديد من حالات التكرار التى استخدمها "أمل دنقل"، و"أدونيس"، و"صلاح عبد الصبور"، و"يوسف الخال"، وغيرهم. من هذا النوع.
يقول "صلاح عبد الصبور" فى قصيدة ( إلى جندى غاصبْ )
"سأقتلك
من قبل أن تقتلنى سأقتلك
من قبل أن تغوص فى دمى
أغوص فى دمك
وليس بيننا سوى السلاح
وليحكم السلاح بيننا
…………
أقسمت بالأهرام والإسلام والسلام
سأقتلك
بكل ما شقيت من مرارة الأيام
أغوص فى دمك
…………
أقسمت ، وجهك الجديب سوف يصبح الثمن
من أجله سأقتلك
لأجل ثأره أغوص فى دمك
…………
تريد .. بئس ما تريد
لكننى سأقتلك
من قبل أن تقتلنى أغوص فى دمك"(97)
فى هذه القصيدة - والتى اخترنا بعض نماذج التكرار فيها نجده يكرر (سأقتلك)، و (أغوص فى دمك) بنظام محدد يعبّر عن كراهيته للجندى الغاصب الذى يواجهه فى المعركة وقد أدّى التكرار هنا الدور المنوط به، وذلك بالتركيز على المعنى الذى أراده الشاعر.
وننتقل الآن إلى التكرار القائم على المقطع الكامل. "وهو تكرار يخضع لشروط البيت نفسها، أعنى إيقاف المعنى لبدء معنى جديـد" كما ترى "نازك الملائكة" والتى تضرب مثلا بقصيدة (الصباح الجديد) لأبى القاسم الشابى وقد كرر المقطع التالى أكثر من مرة.
اسكتى يا رياح واسكنى يا شجون
مات عهد النواح وزمان الجنون
وأطلّ الصباح من وراء القرون
وترى أنه مع أن هذا التكرار لم يضرّ بالقصيدة، إلا أنه لم يفدها كثيراً، وترى لو كان الشاعر قد حذفه، فالقصيدة من دونه أفضل وترى أن هذا النوع من التكرار يحتاج إلى وعى كبير من الشاعر بطبيعة كونه تكراراً طويلاً يمتدّ إلى مقطع كامل(98).
وقد حدث هذا النوع من التكرار كثيراً، واستخدمه الشعراء المعاصرون من مدرسة الشعر الحر ومثال ذلك ما جاء فى قصيدة (كمال عمار) "فى انتظار الرقم 6" - ضمن ديوانه - أنهار الملح(99):
"أعرف عشاقها
ضربوا لى موعدا
وحدثونى واحدا واحدا".
ثم يعدّد عشاقها واحداً واحداً بين أبيض الشعر، والمغامر، والخادم، والذى مات فجأة دون انتظار .. وبعد ذلك ينهى القصيدة بنفس المقطع بعد إضافة سطرين عليه :
" أعرف عشاقها
ضربوا لى موعدا
وحدثونى واحدا واحدا
حتى أنا .. حدثت نفسى
ولم يجب إلا الصدى"!
وهذا النوع من التكرار يقوم بدور الخاتمة والإقفال للقصيدة.
يقول "أمل دنقل" فى "أغنية الكعكة الحجرية"(100).
" أيها الواقفون على حافة المذبحهْ
أشهروا الأسلحهْ!
سقط الموت وانفرط القلبْ كالمسبحهْ
والدم انْساب فوق الوشاح!
المنازل أضرحهْ
والزنازن أضرحهْ
والمدى أضرحه
فارفعوا الاسلحهْ
واتبعونى
أنا ندم الغد والبارحهْ
رايتى عظمتان وجمجمهْ
ةشعارى : الصباح"!
ثم يأتى فى ختام القصيدة بتكرار المقطع:
"المنازل أضرحهْ،
والزنازن أضرحهْ ،
والمدى أضرحهْ ،
فارفعوا الأسلحهْ !
ارفعوا
الأسلحهْ !
وذلك لتقوم هذه الأبيات بدور التأكيد، وفى نفس الوقت كخاتمة للقصيدة.
وإذا كان التكرار فى أبسط أنواعه هو "إلحاح على جهة هامة فى العبارة يعنى بها الشاعر أكثر من عنايته بسواها. فالتكرار يسلط الضوء على نقطة حساسة فى العبارة ويكشف عن اهتمام المتكلم بها، وهـو بهذا ذو دلالة نفسية"(101) وانفعالية، ويمكن أن نجد مثالا على ذلك قول "أمل دنقل" فى (الجنوبى) (102).
" رفسة من فرس
"تركت فى جبيني شجا وعلمت القلب أن يحترس
أتذكرْ
سال دمى
أتذكرْ
مات أبى نازفاً
أتذكرْ
هذا الطريق إلى قبره
أتذكر أختى الصغيرة ذات الربيعين
لا أتذكر حتى الطريق إلى قبرها المنطمسْ"
أو كان الصبى الصغير أنا ؟
أم تُرى كان غيرى ؟
والقاعدة الثانية التى "نستخلصها هى أن التكرار يخضع للقوانين الخفية التى تتحكم فى العبارة، وأحدها قانون التوازن. إن للعبارة الموزونة كياناً ومركز ثقلٍ وأطرافا، وهى تخضع لنوع من الهندسة اللفظية الدقيقة التى لابد للشاعر أن يعيها وهو يدخل التكرار على بعض مناطقها"(103).
ويقدم (صلاح عبد الصبور) فى قصيدته (الإبحار فى الذاكـرة) (104) ضمن ديوانه الذى يحمل نفس الاسم تكراراً يمثل نوع الصدى:
"قدم قربانك للبحر الغضبان
قدم قربانك للبحر الغضبان
قدم قربان … "
فيكون متسقا مع ما يقصده الشاعر من أنه (صوت يتردد جياش الأصداء) ثم يقدم كخاتمة للقصيدة :
(لا تبحر فى ذاكرتك قط
لا تبحر فى ذاكرتك قط)
لتكـون بمثابة النهاية والخاتمة والرد على مطلع القصيدة الذى يتأهب فيه للرحلة.
"أتأهب للميعاد - الرحلة - فى آخر كل مساء"
"ومن الوظائف الفنية التى استخدم لها التكرار فى الشعر الحر اتخاذه أداة لتصوير حالة نفسية دقيقة، أو مجرى للشعور من إنسان مأزوم.
وشرط هذا التكرار أن يجئ فى سياق شعورى كثيف يبلغ أحيانا درجة المأساة، ومن ثم فإن العبارة المكررة تؤدّى إلى رفع مستوى الشعور فى القصيدة إلى درجة غير عادية. وهذا يغنى الشاعـر عن الإفصاح المباشر وإخبار القارئ عن مدى كثافة الذروة العاطفية"(105).
يقول السياب فى قصيدة (نهاية) - ضمن ديوانه (أساطير) :
"(سأهواك حتى) نداء بعيد
تلاشت على قهقهات الزمان
بقاياه .. فى ظلمة .. فى مكان
وظل الصدى فى خيالى بعيدْ
(سأهواك حتى .. سـ ..) يا للصدى
أصيخى إلى الساعة النائيةْ
(سأهواك حتى ..) بقايا رنين
تحدّين دقاتها العاتيةْ
تحدّين حتى الغدا
(سأهواك ..) ما أكذب العاشقين
(سأهوا ..) نعم تصدقين"
"إن البتر هنا بليغ، ففى مثل هذه الحالات التى نجابهها كلنا أحيانـا سواء فى حالة حمى عالية تشتت التفكير المنتظم، أو فى حالة صدمة عنيفة .. فى مثل هذه الحالات تتردد فى أذهاننا عبارة مهمة تنبعث من أعماق اللاشعور وتطاردنا مهما حاولنا نسيانها والتهرب من صداها. وكثيرا ما تفقد العبارة المتكررة معناها وتصير فى الذهن المضطرب مجموعة أصوات تتردد أوتوماتيكيا دون أن تقترن بمدلول، ومن ثم فهى تتعرض لأن (تنْبتر) فى أى جزء منها، فجأة حين ينشغل العقل الواعى بفكرة طارئة يفرضها العالم الخارجى على الشخص المصدوم ليوقظه من ذهوله لحظات(106).
ولقد استطاع "السياب" أن ينقل ما يعتمل بداخله من خلال تكـراره فى قصيدته السابقة (سأهواك حتى) مستعملا البتر فى بعض المواقع للتأكيد على ما يعتمل فى ذهنه، والصراع الداخلى الذى يعتريه من جراء هذه التجربة.
ومـن الجدير بالذكر أن "التكرار فى ذاته، ليس جمالا يضاف إلى القصيدة بحيث يحسن الشاعر صنعا بمجرد استعمـاله"(107). بل إن التكرار يمكن أن يكون ضاراً بالقصيدة لو لم يستخدمـه الشاعر فى مكانه الطبيعى منها. كما أنه ليس مجرد ملء فراغ - بمعنى إكمال التفعيلات - أو إنهاء لقصيدة أفلتت نهايتها من الشاعر. انه بالأحرى أسلوب، لا يكون مفيداً إلا إذا استخدمه الشاعر المتمرس، ووضعه فى موضعه الصحيح من القصيدة.




د . رمضان الصباغ

يتبع

.../...

هذا النص

ملف
رمضان الصباغ
المشاهدات
119
آخر تحديث

نصوص في : نقد أدبي

أعلى