مزمل الباقر - عن ما جرى للشيوعيين في عهد النميري .. قراءة في كتاب حسن الجزولي : عنف البادية (1 – 4 )

شاء الله سبحانه وتعالى ان يقع في يدي بمحض الصدفة كتاب الدكتور حسن الجزولي والذي عنونه ب: ( عنف البادية: وقائع الأيام الأخيرة في حياة عبد الخالق محجوب). بتقدمه للراحل المقيم بروفسير محمد سعيد القدال. الكتاب يقع في 349 صفحة من القطع المتوسط وقد صدر في طبعة اولى انيقة في العام 2006 عن : منشورات مدارك. فيما قام بتصميم الغلاف الفنان المبدع : الياس فتح الرحمن.

الكتاب قسم إلى اثني عشر فصلاً بدأ ب: ( مطارد من المهد إلى اللحد) وانتهاء ب: ( أزيز المشنقة: كلمة السلطة أم كلمة التاريخ؟) وقد الحق بالكتاب محلقاً لصور نادرة بالأسود الأبيض لبعض الشخصيات التي تعرض لها الكاتب اثناء سرده الشيق. وتزين الكتاب بمقدمة تحمل عنوان: كتابة شاقة وشائقة. للمؤرخ بروفسير محمد سعيد القدال فضلاً عن اهداء الكاتب.

يقول حسن الجزولي في الغلاف الخلفي لكتابه: ( لا يدعي هذا العمل انه سيرة حياة لرجل، في قامة عبد الخالق محجوب عثمان، فتلك مهمة عسيرة قد تحتاج لجهود فريق من المتخصصين في هذا الحقل) وبذات الاتجاه لا ادعي ان حديثي عن هذا العمل هو ضرب من النقد الأدبي الذي لست احد فرسانه على كل حال. ولكن هو بعض ما عنا لي واعتمل في صدري بعد ان فرغت للتوء من قراءته فرأيت ان أؤانسكم ونفسي بقراءة على هوامشه.

انتهج الكاتب في صياغة هذا العمل الأسلوب العلمي ( لم يخف الكاتب انفعاله بالرحيل المأسوي، لقائد فريد تم اغتياله، ولكنه سعى بجهد أكاديمي ليستوفي مختلف جوانبه، فاطلع على أغلب ما كتب عن تلك الفترة الكالحة، واتصل بأغلب الشخصيات الأحياء الذين عاصروها، ورجع إلى بعض الوثائق التي توفرت مؤخراً، فأزاح الغموض عن القضايا، وترك بعضها يكتنفها الغموض عن بعض القضايا، وترك بعضها يكتنفها الغموض، وأثار مواضيع جديدة تحتاج للمزيد من التقصي، ومن هنا جاء الجانب الشائق من هذه الدراسة) هذا بعض ما اورده بروفسير القدال في مقدمته عن الكتاب.

الكاتب وان خص كتابه بالحديث عن الاستاذ عبد الخالق بل وعنون العمل بمقولة له في وصف ملابسات تآمر بعض الاحزاب على الحزب الشيوعي بأنه: ( عنف البادية)، قلت رغم ان حسن الجزولي خص كتابه بالحديث عن وقائع الأيام الأخيرة في حياة عبد الخالق محجوب غير انه لمقتضيات البحث آثر ان يولي اهتمامه: ( لثلاثة ايام فقط من عمر الرجل، هي، بالتحديد، عمر انقلاب 19 يوليو 1971م في السودان، مع الاعتبار الكافي، بطبيعة الحال، لما سبقها من أحداث مهدت لما انتهت إليه، وما تلاها من تداعيات تشكلت بأثرها، بقدر ما يلزم لإضاءتها وإجلاء ما قد يكون غامضاً من تفاصيلها.) ( حسن الجزولي - عنف البادية.ص15).

مقتطفات من عنف البادية:
بقي ان اشير قبل ان القي مزيداً من الضوء على هذا العمل القيم، ان الكاتب في سبيل انتهاجه للبحث العلمي في حديثه عن هذه الأيام الثلاث والتي كما وصفها استاذنا محمد سعيد القدال: ( لم يحدث ان تمت منازلة حركة سياسية بمثل ذلك العنف الدموي في تاريخ السودان الحديث، إلا حركة الإمام المهدي بعد هزيمتها في معركة كرري م1998 وحركة 1924م. وكان العنف في كل من الحالتين قد تم على يد الإدارة البريطانية. أما نميري والذين تعاونوا معه في تنفيذ المذابح التي وقعت في معسكر المدرعات في الشجرة بالخرطوم، فهم أول سودانيين يبتدرون العنف الدموي في معترك السياسة السودانية. وكان عبد الخالق محجوب والشفيع أحمد الشيخ وجوزيف قرنق أول سودانيين مدنيين يعدمون في السودان تاريخه الحديث) ( القدال- كوبر ص42).

لا بد ان اشير – كما ذكرت – ان الجزولي في سبيل انتهاجه طرق البحث - في كتابه محور حديثنا - قد استعان في استدعاء تلكم الأيام بإفادات شخصية لمن عاصروا تلك الفترة وكانوا قريبين من محور الاحداث. كما انه رفد كتابه هذا بكتب ومقالات إلكترونية وغير إلكترونية تحدثت عن تلك الفترة التي القت بظلالها على حاضر ولعل مستقبل الحياة السياسية في السودان سواء بحدوده التي ورثها من المستعمر ام بحدوده الحالية التي اضطر ان يشغلها نظراً لسياسات خاطئة.

يفترض الجزولي في الفصل الأول من كتابه – والذي عنونه ب( مطارد من المهد إلى اللحد) ان الاستاذ عبد الخالق ظل مطارداً من مهده حتى لحده ويستدل في فرضيته بعدد من البراهين، اوجزها في هذه القصاصات التي لملمتها من طيات الفصل الأول، فالكاتب يرى ان الشخصية محور الكتاب خبرت ( الملاحقة والاعتقال منذ أن كان في (المهد السياسي) بمصر، حتى أصيب بالسل الرئوي وهو بعد شاب غض الاهاب في مقتبل دراسته الجامعية) (عنف البادية – ص 17).

وبعد عودته للسودان يصبح اسم عبد الخالق محجوب مدرجاً في مضابط الإدارة البريطانية ( كزعيم سياسي ذوميول يسارية وعمره لم يتعد الثانية والعشرين بعد، مما اضطره للاختفاء فترة من الزمن) ( الجزولي – الكتاب ص 17).

ويواصل حسن الجزولي في ذات الفصل ( وخلال فترة الحكم العسكري الأول بقيادة الفريق ابراهيم عبود ( نوفمبر 1958م – اكتوبر 1964م) تعرض عبد الخالق للاعتقال مرات عديدة بحراسات كوبر وزالنجي وغيرهما من سجون البلاد. وفي عام 1959م قدم مع بعض رفاقه إلى محكمة عسكرية فيما سمي وقتها ( بقضية الشيوعية الكبرى) وتحت ما سمي ( بقانون النشاط الهدام ) ( الجزولي – الكتاب ص 17).

وقبل ان ينتقل بنا الكاتب لفترة حكم النميري نجد ان الفريق عبود قد نفى عبد الخالق ضمن عدد من زعماء المعارضة لجوبا في مطلع الستينات. ( وما كاد ينقضى أقل من عام على انقلاب 25مايو عام1969م بقيادة البكباشي، وقتها، جعفر نميري، حتى أعادت السلطة ( التقدمية) نفي عبد الخالق إلى مصر، هذه المرة، في طائرة واحدة مع الصادق المهدي، وذلك لموقفه وموقف الحزب الشيوعي المعارض لضرب الانصار في الجزيرة أبا وودنوباوي عام 1970م.) (عنف البادية،ص 18).

ولكن بعد عودة عبد الخالق وتعهد النميري بعدم التعرض له مجدداً، تم اعتقاله بعد ان وطئت قدماه مطار الخرطوم لينقل وفي معيته الشفيع ونقد إلى مزرعة ما بمنطقة الباقير - على تخوم ولاية الخرطوم - حيث تم التحفظ على ثلاثتهم، قبل ان تندلع مظاهرات جماهيرية واسعة تشجب هذا المسلك وتطالب بالافراج عنهم غير ان اعتقال نظام النميري لعبد الخالق محجوب تواصل وتعددت اشكال النفي حتى انتهى الأمر بتصفيته جسدياً مشنوقاً بسجن كوبر اثر محاكمة هزيلة تطعن كثيراً في نزاهة القضاء السوداني وتفتح الباب على مصراعية بعد سنوات من هذه الاحداث إلى ارتماء النميري وصحبه في احضان التيار المتأسلم في شكل جبهة الميثاق الاسلامي ويقود الهوس الديني نميري بعد اكثر من عشرة اعوام على تصفية عبد الخالق إلى تصفية الاستاذ محمود محمد طه وذاك حديث آخر.

تحت عنوان ( جذور الصراع) يمضي بنا حسن الجزولي في فصله الثاني إلى عدد من السنوات قبل انقلاب هاشم العطا ليعيدنا للعام 1965م. حيث شهد ذلك العام حل الحزب الشيوعي السوداني وطرد نوابه من البرلمان وملاحقة قادته على تداعيات ندوة معهد المعلمين. ورغم ان مولانا بابكر عوض الله رئيس القضاء آنذاك قد أصدر قراراً من المحكمة العليا ببطلان قرار الحل. إلا ان المتواجدين بالمبنى صوتوا لطرد نواب الحزب الشيوعي من قبة برلمانه، مما ترتب على ذلك تقديم مولانا بابكر عوض الله لاستقالته.

في داخل اروقة الحزب الشيوعي كان ردة الفعل عنيفاً نوعاً ما، حيث انقسم في مؤتمره الرابع إلى فريقين احدهما فريق عبد الخالق الذي كان يرى الالتزام بالخط الماركسي والتعويل على حركة الجماهير لاحداث التغيير الديمقراطي المطلوب فيما رأي الفريق الآخر الزج بخيار عسكري يقضي باستعادة مفاهيم ثورة اكتوبر ودارت مساجلات عبر صحيفة الايام بدأه احمد سليمان المحامي عضو اللجنة المركزية – والذي يمثل التيار الآخر - حيث رأى الأخير انه لابد من أن تعزز ثورة اكتوبر وتحمى من قبل القوات المسلحة السودانية.

عبر صحيفة ( اخبار الأسبوع ) رد عبد الخالق محجوب بمقال على حديث احمد سليمان، أوضح فيه عبد الخالق، الموقف الثابت للحزب الشيوعي من اشراك الجيش في حكومة الوحدة الوطنية واعتبره تجاهلاً لتجربة الشعب السوداني. وهو ما اوضحه - عبد الخالق نفسه - في ندوة سياسية اقامها بدائرته الانتخابية بإحدى ميادين حي بانت جنوب بامدرمان بتاريخ 19 مايو 1969م : ( ولعله من الواجب ان أؤكد هنا ان حزبنا الصامد يرفض أي مغامرة عسكرية طائشة للتغيير تستغل فيها البرجوازية الصغيرة معاناة شعبنا لتتسلق إلى الحكم تحت عناوين تعرف سلفاً انها زائلة قبل ان تستوعبها جماهيرنا) (بابكر حسن مكي، النميري .. الإمام والروليت- اسرار 16سنة من حكم المشير للسودان – ص 36).

اترك الفقرة السابقة والتي اقتبس فيها حسن الجزولي من كتاب بابكر حسن مكي بعض من حديث عبد الخالق في ندوته تلك، ونمضي للعام 1970م حيث تفاقم الصراع وتطور إلى حدوث شرخ في جسد الحزب الشيوعي ونتج عن ذلك الشرخ انشقاق فريق من كوادره وكان الخلاف يدور حول مشاركة الحزب في حكومة مايو فيما رأى غالبية اعضاء المؤتمر الرابع عدم الزج بالحزب في حكومة عسكرية تنكرت للشعارات الماركسية التي تبنتها في 25 مايو 1969م وهو الرأي الذي ذهب إليه عبد الخالق ومعظم اعضاء اللجنة المركزية. كان الرأي الآخر الذي تبناه معاوية سورج يرى غير ذلك ( أما معاوية سورج فقد ركز مساهمته على انتقاد عبد الخالق، واصفاً نشاطه قبل مايو باليمينية. وقال إن عبد الخالق سعى في تلك الفترة لإقامة تحالف سري مع الصادق المهدي ومع قطاع من الأخوان المسلمين وجماعة وليم قرنق من خلف ظهر الحزب) ( عنف البادية، ص39_40)


- أواصل بإذن الله -

هذا النص

ملف
مزمل الباقر
المشاهدات
79
آخر تحديث

نصوص في : مقالة

أعلى