ميلاد زكريا يوسف - بائع الظلام.. شعر

كنا نشعر بمجيئه
عندما تتعطل آلاتنا الموسيقية
و ينقطع النور فجأة :
بائع الظلام ….
يأتى فى عربته السوداء
حاملاً صناديق مليئة بالخوف والشر والحقد والظلام
عندها نغلق أبوابنا و شبابيكنا
فقد كنا نشترى منه دون أن يرى أحدنا الآخر
لم نكن نشترى منه سوى الظلام وقليل من الخوف
فقد كانت مفاهيمنا الأخلاقية فى تلك الأيام
تجرّم بضاعته الأخرى .
وبرغم رومانسيته الشديدة
وملامح وجهه البريئة؛
إلا أننا كنا و اثقين
أنه هو الذى قتل صانعى الشموع والمصابيح
لكننا لم نستطع أن نواجهه بذلك
فقد كان كثيرون منا يحتاجون إلى ظلامه
المصنوع بطريقة جيدة؛
بحيث لا يؤثر عليه أى نوع من النور .
وبعد رحيله مباشرة؛
نكتشف اختفاء إحدى النساء
وكنا نعلم أنه هو الذى يختطف نساءنا .
وقد زعمت الأشجار
أنه يلتهم المرأة فى ثلاثة أشهر؛
حتى يحولها إلى ظلام .
وربما هذا هو ما يفسر حالات الجنون الجنسى
التى كانت تنتاب من يشترون منه .
بل إن أحد العشاق؛
ظل يشترى منه أكياساً كثيرة من الظلام
بحثاً عن حبيبته التى اختفت
بعد إحدى زيارات الرجل .
وما كان يزيد من حيرتنا :
أن النساء يصبن - فور مجيئه -بالصرع
ونوبات مستمرة من الارتعاش والرعب،
وفى مرات عديدة؛
كنا نضبط إحداهن تردد اسمه وهى نائمة؛
وأخريات وجدناهن يسرن خلفه خفية
عندما يبدأ فى مغادرة المدينة .
كان قد قال لأحد العشاق
إنه يحب الأطفال؛
فلماذا يخافون منه ؟!
ولماذا يصرخون لمجرد رؤيته ؟!
غير أننا لم يكن باستطاعتنا ؛
أن نعرف سر الأكورديون الذى يعلقه على كتفيه
دون أن يعزف عليه مرة واحدة
ولم نكن نستطيع أن نفسر :
لماذا تغمرنا رغبة مفاجئة فى البكاء
عندما يتحدث عن زوجته
التى ستأتى يوماً لتقتله بنورها
وعن أمنيته فى أن يغمر الظلام العالم …
كان يخيل إليه أنه لابد سيموت مشنوقاً
فى سلك أحد المصابيح .
كانت شهوتنا للسجائر تزداد
لمجرد مروره أمامنا
فقد كان يمتلك قدرات غريبة على تحريك آلامنا ولم نكن نستطيع مقاومة ذلك الحنين المفاجئ
إلى طفولتنا؛
عندما ننظر فى عينيه الملونتين .
وأحيانا كان بعضنا يختفى تماماً
بعد شرائه كمية زائدة من الظلام
- كان العشاق واللصوص
هم أكثر من يشترون منه
فقد كانت كل أفعالهم بحاجة دائمة
إلى ظلام ثقيل-
أحياناً يكون غاضباً
وأحياناً ضاحكاً بصوت كالرصاص
لكنه فى كل الأحوال وبطريقة جنونية؛
كان يرمى قطعاً من الظلام فى الشوارع
أو يدسها من تحت الأبواب.
وبسبب هذا؛
فإن بعضاً منا كان يصيبه الظلام المتطاير
فاختفت أيادى وأرجل البعض
وعيون البعض الآخر؛
وأولئك هم الذين اضطروا - فيما بعد-
أن يصبحوا متسولين .
وأحياناً أخرى؛
كنا نلمحه من خلف زجاج شبابيكنا
وهو يبكى بحرقة .
وفى إحدى بكاءاته سكب صندوقاً كاملاً من الظلام
على المدرسة الابتدائية … فاختفت . . !
وحدث الشىء نفسه
مع أحد محلات الأكسسوارات النسائية
بل إن الأمر انتهى به
إلى تدمير كل ما يتعلق بالنساء فى المدينة
وفى إحدى المرات - بعد اختفائه مباشرة-
اكتشفنا فى الصباح
أن المدينة كلها مملوءة بالأكورديونات
بعضها ملقى على الأرض
أو سائر فى الشارع
أو طائر بجوار البلكونات
وظللنا غارقين فى موسيقى الأكورديون شهراً كاملاً
وكنا نفاجأ وقتها
بأحد الأكورديونات نائماً على سرير أحدنا
وهو يعزف موسيقا شديدة الشجن.
حتى جاء ذلك اليوم
عندما غرقت المدينة كلها طيلة الليل
فى ضوء أحمر قوى
وبسبب ذلك احترقت مساحة هائلة من الحدائق،
وانتشرت بيننا أعراض أمراض غريبة.
وكان طبيعيا وقتها؛
أن نرى المصابيح تضاء من تلقاء نفسها
ثم تنفجر فى صمت.
وتعطلت كل ساعاتنا تقريباً .
وفى الأيام التالية؛
شممنا جميعاً روائح قوية .
لمزيج من عرق نسائى وعطور زهرية…….
ثم ظهرت المرأة
كتلة من النور والنار . .
ارتفعت فى الهواء
واستقرت على سطح الكنيسة المهجورة .
وطيلة الوقت؛
كنا متأكدين أنها تنتظر وصوله :
بائع الظلام غريب الأطوار.
بعد مجىء المرأة؛
أصبحنا سجناء فى منازلنا
منتظرين نحن أيضاً وصول بائع الظلام .
وفى ذلك الوقت بدأنا جميعاً نتعلم الكذب
كى نهرب من خوفنا؛
كما بدأنا نتعرف - للمرة الأولى - على الأحلام؛
و دفعنا الملل إلى ارتكاب عديد من الخطايا
التى كنا نرفضها من قبل.
وفى أثناء هذا
كانت المرأة تغنى بعض الأغنيات العاطفية
التى تحكى عن نساء ينتظرن رجالهن .
وكان صوتها الساحر دافعاً لنا
كى نشعر بحقارة نسائنا
وأصبحنا أكثر استعداداً للخيانة
وفى الليل كان سطح الكنيسة
يبدو لنا - نحن الرجال - مثل سرير كبير.
وفى فجر أحد الأيام
ظهر بائع الظلام عند أطراف المدينة
لكنه عندما لمح الأضواء المنبعثة من المرأة
وضع يديه على عينيه
واستدار عائداً .
وعندما جاء فى اليوم التالى
اقترب من المرأة أكثر
ونظر كل منهما فى عينى الآخر ساعات طويلة
فاهتزت المدينة كلها
وعندما بدءا فى الحديث
تساقطت حوائط بيوتنا
ومات الأطفال جميعاً
كذلك مات جميع من هم فوق الخمسين
كانا يقتربان من بعضهما أكثر؛
كتلتين من النور والظلام.
عند ذلك
فوجئنا بأجسادنا تتضاءل
وبدأت محتويات المنازل
تتحول إلى نافورات مياه صغيرة
تحولت الأرض كلها إلى مياه عميقة تحت أقدامهما
واكتشفنا عندئذ أننا تحولنا نحن أيضاً
إلى زهور عباد الشمس طافية فوق الماء
بينما كان بائع الظلام والمرأة
يخلعان ملابسهما
ويلتصقان .
وكل ما نذكره بعد ذلك
هو كمية الدماء العظيمة
التى انفجرت من جسديهما،
وأصوات عظامهما التى تكسرت
وهما يغطسان فى مياهنا
ويختفيان تماماً فى نوم طويل ……..


فبراير / مارس / 1996

هذا النص

ملف
ميلاد زكريا يوسف
المشاهدات
21
آخر تحديث

نصوص في : مختارات الأنطولوجيا

أعلى