د.رمضان الصباغ - التناقض بين الأدب والفن وبين السياق الاجتماعى فى المجتمع البورجوازى

ــ 1 ــ
لقد بدأ الإنسان فى الأساس منشغلا بحل المعضلات الضرورية لحياته والملحة، والمعضلات المادية، وكان ارتباط الناس بالفلسفة – أم العلوم – والفنون، لاحقا لحصولهم على الملبس والطعام والمأوى. وقامت حياتهم على العلاقات المادية التى تقرر وتنظيم الإنتاج المادى وتقرر وجود أو غياب الطبقات، وشكل السيطرة والعلاقات القانونية والأفكار والمبادىء الفلسفية والأخلاقية خلال كل عصر تاريخى، وهذا ينهض على أساس أن الوجود الاجتماعى هو الأصلى أو الأولى Primary بالنسبة للإنسان، ووعيه الاجتماعى هو التالى أو الثانوى Secondery وأن وجوده الاجتماعى هو الذى يقرر وعيه.
وكان لتطوّر العلاقات الاقتصادية أن تطورت العلاقات الاجتماعية وظلّ نمط إنتاجى معين يأتى ليرسخ نمطا من العلاقات الاجتماعية، وهذا النمط الإنتاجى بدوره يتأثر بالعلاقات الاجتماعية، أى أن علاقة جدلية تقوم بين نمط الإنتاج وبين العلاقات الاجتماعية.
وفى المجتمع الطبقى يكون الصراع دائرا، بدرجات متفاوتة تحدد لعلاقات بين الطبقات، وطور كل طبقة، ومستوى نضجها، والظرف التاريخى …إلخ، حيث أنه يكون هناك المستغِل، والمستغَل ويستمر التناقض ويزداد حدة مع اقتراب إحلال طبقة محلّ أخرى، ونتيجة لذلك تعانى العلاقات الاجتماعية من عدم الاستقرار وتظل تطمح .. دائما إلى التغير إلى علاقات تحلّ معضلات الصراع الدائر.
وقد كتب "كارل ماركس" فى "بؤس الفلسفة":
"إن نفس الناس الذين يؤسّسون علاقاتهم الاجتماعية لتطابق إنتاجهم المادى. نراهم ينتجون أيضا المبادىء واللوائح لكى تطابق علاقاتهم الاجتماعية. وهكذا فإن هذه الأفكار، وهذه اللوائح ليست أبدية كالعلاقات التى تعبّر عنها، إنها نتاج تاريخى، فترة انتقال. توجد حركة مستمرة فى نمو القوى الإنتاجية وتوجد حركة دائمة لتشكيل الأفكار، أما الشىء الثابت الوحيد الذى لا يخضع للحركة هو تجريد الحركة"(1).
أى أن المبادىء والأفكار لا تأتى منفصلة عن العلاقات الكائنة فى المجتمع، بل تأتى لتصوغ نفسها وفقا لهذه العلاقات، وهذا لا يعنى أن إحلال نظام محل آخر يجعل من المبادىء والأفكار التى تتصل بالنظام القديم تنقرض فجأة، إن هذا الإدّعاء ينْكر العلاقات بين الأشياء، ويضع مكانها استاتيكية فجة يدحضها العلم المعاصر.
إن صراعا عنيفا يقوم بين الأفكار القديمة والأفكار الجديدة قبل قيام الثورة الاجتماعية، وهذا الصراع يظل حتى بعد قلب علاقات الإنتاج، لأن القديم لا يسقط فى كل معسكراته بضربة لازب وإنما تظْهر علامات الانهيار فى كل مواقعه، وبدرجات متفاوتة، وإذا عرفنا أن من المعسكرات العتيدة للتخلف - معسكرات الأفكار – وأن هذا الموقع يحتاج إلى نضال شرس لكى تبعث من أنقاضه أفكار تعبر عن النمط الجديد من العلاقات، وهذا لا يعنى تجزىء الثورة "إن الثورة عملية واحدة، تتطور مكوناتها المختلفة بمعدلات سرعة مختلفة"(2).
ويرجع إحلال نظام محلّ آخر إلى حقيقة أن كلّ تشكيل جديد لعلاقات الإنتاج يوفّر إمكانات أفضل للتنمية والتقدم، ولقد كان حلول الرأسمالية محل الإقطاع مما تتحقق معه القوانين الموضوعية للتطور الاجتماعى، فقد كان ضروريا أن تتحطم الملكية الإقطاعية، وتتحول القنانة إلى نظام (العمل المأجور الحر).
ومع انهيار النظام القديم يزداد النضال ضد بقاياه من أفكار ومبادىء، وتقوم بهذا النضال الطبقة الصاعدة مدعمة بكل الطبقات صاحبة المصلحة فى التطور . فكان مع انهيار الإقطاع بداية قيام الحرية البرجوازية والانفتاح على العالم والتنافس الحرّ، ولكن مع تطور الرأسمالية ازدادت الحاجة إلى نفى الرأسمالية ذاتها. تلك هى قوانين التطور التاريخية التى تعمل دائما فى اتجاه نفى الاستغلال الذى بدأ مع قيام المجتمع الطبقى.
وقد كتب إنجلز:
"فإن الجشع الدنىء كان القوة المحركة للحضارة منذ أول يومها حتى الآن، الثروة، والثروة أيضا، والثروة دائما، ولكن لا ثروة المجتمع، بل ثروة هذا الفرد الدنىء المنفرد وهدفه الوحيد الحاسم"(3).
وعندما ظهرت البرجوازية كانت هناك ضرورة للتعبير عن الواقع الجديد، وكان طموحها إلى السلطة لكى تحقق نمطا جديدا من العلاقات دافعا قويا لأن تعمل الأفكار لدحض ما هو قديم بال يواجه التقدم ، يلفظ أنفاسه، وإظهار الجديد فى صورة الأمل والمنقذ. وأعلنت البرجوازية خارج الحكم أفكارا ومبادىء وضعتها فى موضع المعبر عن كل المضطهدين والمقهورين (المستغلين) وكان الأدب سلاحا قويا من أسلحتها، ثم وصلت إلى السلطة، وظهر وجهها المستغل البشع المعادى لأغلبية الشعب، وهنا أيضا كان الأدب سلاحا من أمضى أسلحتها، أو يعكس تناقضاتها من خلال أدب منتقديها.
لقد كان الإقطاعيون يميلون إلى الترف والإسراف والإنفاق الكبير على الفن، وكانوا يميلون إلى اقتناء اللوحات واجتذاب الشعراء إلى مجالسهم إعلانا عن الأبهة والعظمة، ولكن عندما جاءت الرأسمالية كانت مسلحة بالحساب الدقيق والمراجعة الصارمة لكل تصرفاتها، فالقانون الذى يحكمها هو الربح، والثروة الرأسمالية تتطلب التراكم والتركّز، والرأسمالى على حد قول "ماركس" - إنسان مهووس بزيادة القيمة والإنتاج من أجل الإنتاج وزيادة الظروف المادية الملائمة للإنتاجية(4).
ولذا فإننا نجد أن الرأسمالى يتعامل مع الفن إما من أجل استعراض ثروته، وإشباع رغبته الذاتية الخالصة ونشرْ الأفكار الفردية سواء عن طريق نشرها أو عن طريق سلوكه، أو أنه – أى الفن – سلعة من السلع التى تدرّ ربحا، ثم هو – فى كل الأحوال – يعمل إعلاميا بكل الطرق على قتل كل فكرة جديدة تناهض ما يريده المجتمع ويتعارض مع مصلحته. وقد كانت تناقضات الرأسمالية محتدمة، فالرأسمالية التى جاءت ومعها وثائق تنادى بالحرية الفردية إنما تمارس نوعا من العبودية – عبودية الأجر – وما زعمته من إطلاق العنان لكافة الطاقات البشرية كان فى الواقع خضوعا لقيود المنافسة الرأسمالية ثم كانت الاحتكارات أخيرا، والتى خنقت مجرد الرغبة فى المبادرة الفردية، وقد كانت العبودية محورا رئيسيا للبرجوازية،" فالعبودية لائحة اقتصادية ذات أهمية كبرى"(5) بالسبة للبرجوازى.

ــ 2ــ
"عندما افترقنا
بسكينة ودموع
بقلبين يكادان يتحطّمان
لنبتعد أعوامًا
شحب خدّاك. وبردا
وكانت قبلتك أكثر برودة
وتلك الساعات تنبأت
بأسف
وتساقط ندى الصباح
على جبينى
ينذرنى بما أشعر الآن
كل عهودك تحطمت
وسمعتك الطيبة
استمع إلى أسمك
وأنا كلّى خجل
عندما يرددونه أمامى
أسمعه كجرس جنازة فى أذنى
وتتملكنى الرعدة
لماذا كنت عزيزة علىّ هكذا!
إنهم لا يعلمون أننى
عرفتك حق المعرفة
سأتحسر عليك زمانا طويلا
حسرة أعمق من أن توصف
التقينا سرا …
وتألمت فى صمت
لو ينسى قلبك
فروحك تغويك
وإذا تلاقينا معا
بعد سنين طويلة
فكيف أحييك
بسكينة ودموع"(6).
لقد أطلقت البرجوازية قوى هائلة فى مجال الأدب والفنّ، فلم يعد ممكنا أن يتشبث الفنان بأسلوب جامد بطىء للتطور، وصار الفن ينطلق إلى مجالات فسيحة ويصل إلى أعداد كبيرة من الناس، وانطلق الأدب بسرعة محاولا أن يكون موازيا للتقدم الذى يحدث فى العلم والمجال الاقتصادى، ومع الراسمالية أمكن إدراك أفكار جديدة، وأوجدت مشاعر جديدة أتاحت ثراء فى الموضوعات.
أن الرأسمالية التى كانت فى أساسها غريبة عن الفن طرحت آفاقا جديدة للفن. إن هذا الوضع المعقّد فى ظل الرأسمالية قد اتّضحت أبعاده بعد أن صارت البرجوازية طبقة سائدة، فقد أظهر العديد من تناقضاتها(7).
"فالرأسمالية تنادى بالحرية على حين تمارس فى الواقع مفهوما الخاص للحرية، وهو المفهوم المتمثل فى عبودية الأجر"(8).
"وجاءت الحركة الرومانتيكية كحركة احتياج من جانب البرجوازية الصغيرة على كلاسيكية النبلاء، على القواعد والأنماط، على الشكل الأرستقراطى، أو على المضمون الذى استبعدت منه جميع قضايا (العامة) من الناس. كان هؤلاء الرومانتيكيون لا يرون أن هناك موضوعات ممتازة، فكل شىء يمكن أن يكون موضوعا للفن"(9).
والرومانتيكية – على حد قول "فيشر" – كانت تمثل أكمل تعبير فى الأدب عن تناقضات المجتمع الرأسمالى قبل ظهور الاشتراكية العلمية، إذْ لم يكن فى ذلك الحين ممكنا إدراك التناقضات التى تنخر فى جسد هذا المجتمع بطريقة أفضل.
فقد كان ظهور العمال الأحرار اسما والمأجورين الخاضعين لعبودية الأجر حقيقة، يقابله الفنان الحر الذى يرفض كل قيد وكل ارتباط، واضعا ذاته فى مواجهة العالم، فى موقف الخصم. مع أنه لم يكن فى وسعه الإفلات من واقع ذلك المجتمع المتعلق بالسوق. وقد أدى ذلك إلى تناقضات هائلة داخل الرومانتيكية، ففى كل نقطة فاصلة يكون على الأديب والذى جعل من أدبه شيئا مواجها ومناقضا للعالم ومنعزلا عنه، مضطرًا لتحديد موقفه.
وقد كانت تناقضات الرومانتيكية عنيفة إلى حد أنها لم تقف فقط ضد الكلاسيكية بل كثيرًا ما وقفتْ ضد حركات التنوير وقد تمثل ذلك فى "كولردج"، "بيرك"، "شليجل"، فى نفس الوقت الذى كان فيه "بايرون"، "شيلى" أكثر إدراكا للتناقضات الاجتماعية واعتبرا عملهما مكملا لعمل حركة التنوير(10).
لقد كالتْ الرومانتيكية المديح للعصور الوسطى، وانكفأت على الماضى مما جعل "شيلجل" يدعو إلى فن (يتسم بجمال الإحساس المسيحى الصافى)فى نفس الوقت الذى يموت فيه "لورد بايرون" بحمّى المستنقعات من أجل حرية اليونان، ويناصر "بوشكين" حركة الديسمبريين". فقد كان هناك دائمًا الصراع الدائر، فمن ناحية هناك احتجاج عميق على القيم البرجوازية والآلة الرأسمالية، ومن ناحية أخرى هناك خوف من عواقب الثورة، وهروب إلى الغموض والحيرة يؤدّيان حتمًا إلى السقوط فى هوة الرجعية(11).

يقول "شيلى" عن الشعر:
"هو يبدل كل شىء إلى حسن، فهو يسمو بالأشياء، ويهب الجمال لأحقرها، ويزوج الابتهاج بالهلع، والحزن بالفرح والأبدية بالتغيير، وهو يوّحد تحت سلطانه الخفيف كل الأشياء المتنافرة، ويغير كل ما يمسه، وكل صعدة تشع فى داخله تتحول فى حيلة غريبة إلى لباس للروح التى يخلقها، فكيمياؤه الخفية تحول المياه السامة التى يصبها الموت على الحياة إلى ماء عذب فى أكواب ذهبية. وهو ينزع عن العالم نقاب الألفة ويعرض ذلك الجمال العارى الناعس الطرف الذى هو روح صورة، وقد وجدت جميع الأشياء، كما أدركت، أو على الأقل كما أدركها الشاعر، والعقل ذاته يستطيع أن يخلق جنة مكان الجحيم، وجحيما مكان الجنة، ولكن الشعر يحطّم ذلك القيد الذى يضطرنا إلى الخضوع إلى التأثيرات المحيطة"(12).
إن الكيمياء الخفية للشعر التى تخلق جنة مكان الجحيم وجحيما مكان الجنة، هى نفسها التى جعلت من كبار الرومانتيكيين معجبيين بـ "نابليون بونابرت" تلك الشخصية الكونية اللا محدودة، وفى نفس الوقت انقلب عليه آخرون إلى حد جعل "الكونت "جياكوموليوباردى" (1798 – 1837) يطلق صرخته بعد خيبة أمل فى هذا البطل:
"اعطونى السلاح
وحدى سوف أناضل، وحدى سأموت
ولتجعل السماء دمى
مبعث إلهام لقلوب الإيطاليين"(13).
لقد رأى "نوفاليس"(14) – (فردريك ليوبولد فون هاردنبرج) أن ملكة الخيال هى أعظم ما فى الوجود، وإذا كان الفيلسوف ينظم كل شىء ويضعه فى موضعه فإن الأديب يفك القيود، والشعر هو مسلك النفس الجميلة الموفقة، وتصوير لعالم الباطن بكليته، والبداية الأصيلة هى شعر الفطرة، والنهاية هى البداية الثانية، وهى شعر الصنعة، والشاعر يقصر عن المعجزات إذا سمح لنفسه أن يدهش بالمعجزات، والشعر أشبه بالسحر- وهذا كلام قريب من كيمياء "شيلى" – كما أن الخيال يتمتع بحرية تكفل له تخليط الصور بعضها ببعض، وهو اعتراض ضخم على عالم العادات والتقاليد الذى لا يستطيع الشعراء الحياة فيه لأنهم أناس سحرة متنبئون، والحلم يحمينا من اضطراد الحياة، وسيرها المعتاد ، وفن الشعر الرومانتيكى هو فن الإغراب، وهو جعل الشىء غريبا وجعله مع ذلك مألوفا وجذابا، والكلمة دائما كائن حى أقوى ممن يستخدمها، هى اللون والليل، والفرح والحزن والمرارة، والمحيط واللانهاية إنها كلمة الرب.
وقد قدّم "نوفاليس" للمجتمع الرأسمالى أفكارًا خاصة عن التداعى والعالم المفكك والمشوش، واللامفهوم، وطرح فكرة قصة بلا عقدة تقوم على التداعى كالأحلام، وقصائد ليس فيها سوى الأنغام والألفاظ والجرس والرنين، خالية من المعنى والترابط، لا يوجد بها غير بضع كلمات مفهومة، فنحن لا نستطيع الوصول إلى عالم الحلم بدون التخلّى عن العقل الواعى، ولا نستطيع أن ندرك الواقع الغامض إلا بنفس الطريقة، ولكى نكشف عن المغزى الأصيل للحياة، يجب أن نضفى الرومانتيكية على العالم بأسره. فلقد "أن رأى روح التجارة هى روح العالم، إنها الروح الصافية الرائعة البسيطة، فهى تدفع كل شىء إلى الحركة، وتوجد رابطة بين جميع الأشياء، إنها تخلق الدول والمدن والأمم وأعمال الفن"(15) ولكن فى نفس الوقت كان فزعا من سيطرة الآلة، ومن سيطرة القوى الجديدة فقد كان يحمل تناقض الرومانتيكية حتى النخاع.
لقد كان هناك الاحتجاج على الطبقة السائدة، وعلى آلتها، ولكنه كان لا يستطيع أن يسبر غور تناقضات المجتمع البرجوازى. لقد رأى الرومانتيكيون الألمان فى رجل الأعمال الألمان فى رجل الأعمال الألمانى شيئا كريها ومزعجا، ولكن لم يكن فى وسعهم أن يروا الطبقة الناشئة، الطبقة العاملة الألمانية لم تكن لهم القدرة على النفاذ إلى المستقبل، فارتدوا إلى الماضى الإقطاعى بعد أن حاولوا تخليصه من عيوبه، وقدموه كواقع نظيف لمواجهة سلبيات الرأسمالية، فقد كان الشعور الجماعى والبساطة فى العلاقات الاجتماعية والتقسيم الضيق للعمل، الذى كان نتيجة الاستقرار والتكامل فى الشخصية الإنسانية والرابطة المتينة بين المنتج والمستهلك، كانت هذه – فى المجتمع الإقطاعى – مواجهة لنظيرتها فى المجتمع البرجوازى.
لقد تطلع الرومانتيكيون إلى حياة شاملة، وليس إلى الشمول الحقيقى للعمليات الاجتماعية، فقد كانوا مخلصين للمجتمع البرجوازى، ولم يدركوا تناقضاته المستعصية، ولا كيفية الخروج منها، رغم أنهم قد وجهوا إليها النقد.
لقد وصلت الرأسمالية إلى السلطة وانقضت مرحلتها الثورية، وصار رجل الأعمال سيدا. وانتشر الإنتاج الضخم، واصبح العامل اشد غربة عن عمله ومن المستحيل مع تقسيم العمل أن ينشأ الشعور بالوحدة معه. لقد صار العمل عذابا، والقوة ضعفا، والإنتاج أصبح كالعجز، وصار مكانه الحديث عن الأسعار والأوراق المالية، أما المنتج فالعلاقة به علاقة بسلعة فقط، وسيطر الإنتاج للإنتاج.
وفى هذه الأوضاع أحس الأديب بالضياع، واصبح من المستحيل الكلام عن طبقة ثورية فى السلطة، فالحر لم يصبح حرا بعد، وأصبح من المستحيل أن يمتلك الحرية، وقصر الذهن "البرجوازى الصغير" عن إدراك مسالك للحرية أبعد مما فى هذا المجتمع، وواجه الفنان – رجل الأعمال، ورفض أن يبيع إنتاجه، وظهرت شعارات (الفن للفن) كمحاولة خيالية للإفلات من عالم السوق البشع، وإن كانت قد جاءت بالضرورة مؤكدة لما هو سائد فى عالم الرأسمالية – وهو مبدأ الإنتاج للإنتاج، وكان الفن وثيق الصلة بالرومانتيكية(16).

ــ3ــ

يقول "إرنست فيشر" "إن السمة المشتركة بيم جميع الفنانين والكتاب المرموقين فى العالم الرأسمالى هى عجزهم عن الملاءمة بين أنفسهم وبين الواقع الاجتماعى المحيط بهم، فقد وَجَدَتْ جميع النظم الاجتماعية من دافع عنها بقوة ومقدرة فى مجال الفن (إلى جانب من ثاروا عليها ووجهوا إليها سهام النقد)، إلا النظام الرأسمال. ففى ظله وحده نجد الفن كله، فوق مستوى معين من الضحالة، فن احتجاج ونقد وثورة. إن غربة الإنسان عن بيئته وعن نفسه بلغت ذروتها فى ظل الرأسمالية، كما أن الشخصية الإنسانية التى تحررت من قيود العصور الوسطى، قيود الطوائف والطبقات، قد أدركت بقوة أنّ الحرية وامتلاء الحياة التى كان يمكن أن تستمتع بها قد سرقت منها"(17).
وهكذا صارت (الأنا) المنفصلة عن العالم الواقعى، الواقفة فى مواجهة ما هو مبتذل وتافه … سطحى، موضوعا أساسيا فى الشعر.
وقد كان ابتعاد الأدب عن الاتجاهات الإنسانية Humanism لا يتضح فقط اختفاء الإنسان أو تشويهه. أو انحطاط (الأنا) بل تجلى أيضا فى النقد المتقد والوحشى والمجرّح بعنف، الموجه إلى هذا المجتمع. لقد أصبح الإنسان فى صورة حالة Case لا يلتقى إلا بالتافهين من ممثّلى النظام، والصغار، أما ممثلوه الكبار فيحوطهم غموض غريب ورهيب، يعيشون فى عالم صلب لا يمكن النفاذ إليه.
يقول "بودلير" فى قصيدته إلى القارىء":
إن الحماقة والضلال والخطيئة والشحّ
أشياء تشغل نفوسنا وتعمل فى أبداننا
ونحن نغذى نفوسنا التى يبكتها وخز الضمير
كما يغذى الشحاذون الهوام التى ترعى فى جسومهم
إن خطايانا عنيدة، والجبن كامن فى ندمنا
ونحن ندفع ثمناً فادحاً لاعترافاتنا
ثم نسلك فى غبطة سبل الشر الموحلة
وقد خيّل إلينا أننا قد محونا كل أدراننا، بدموع بخسة
فى هيكل الندم
وعلى وسائدة الشر تلمح نقيب الأبالسة
يهدْهد أرواحنا المسحورة
وترى معدن إرادتنا النفيس الصلب
ينصهر ويذوب على يد هذا الكيميائى البارع
أجل إنه الشيطان، ذلك الذى يمسك بالخيوط التى تحركنا
فنجد فى الصورة الدميمة دوافع الإغراء
وفى كل يوم ننحدر خلال الدياجير
درجة فدرجة نحو الجحيم
وكفاسق فقير يقبل الصدر الشهيد
لفاجرة هرمة
تختطف لذة محرمة
نضمها إلى صدورنا ونعتصرها بقوة كأنها برتقالة متعفنة
إن فى عقولنا يتدافع حشد من الجن
ويتواثب فى شراهة كجحفل من الميكروبات الطفيلية
فإذا تنفسنا تساقط الموت فى رئاتنا
أشبه بزهرة غير منظورة فى موكب الأنات الخرساء
وإذا كانت الفضائح وطعنات الخنجر المسموم
لم توش بعد برسومها الساخرة
الخسيس المبتذل لمصائرنا البائسة
فذلك لأن نفوسنا – وأسفاه – على درجة كافية
من الجرأة والجسارة
وفى أدغال رذائلها البشعة، الشبيهة ببنات آوى
والفهود والكلاب والقردة والعقارب والحدءات والأفاعى
والوحوش النائحة والعاوية والمزمجرة والزاحفة
تصفر وتفح وتحشد رذيلة أبلغ شراً وخزيا من تلك الرذائل
وعلى الرغم من أن تلك الرذيلة لا ترسل نأمة، ولا صيحات عالية
فإنها لو شاءت لجعلت الأرض حطاما
وفى وسعها لو تثاءبت أن تبلغ الكون بأسره
وتلك الرذيلة هى الضجر
إنها العين المثقلة بالعبرات
الحالمة دوما بالمشانق، تتمناها وهى تدخن النرجيلة
إنه القول الرقيق … أنه الفجر
أنت تعرفه أيها القارىء المنافق، ياشبيهى، يا أخى"(18).
لقد قبض بودلير على ذلك التناقض فى المجتمع البرجوازى بقوة فكان بمثابة فخ أمسك بالوجود(19)، أو بالواقع، وكان بمثابة من يقرع الصمت فتجيبه الموسيقى، ويمنح اللاّوجود وجودا، وينفخ فى الواقع روحًا جديدة. وقد أحس كما لم يحدث من قبل بلا إنسانية ذلك الواقع فعمل على تجريحه، والتعامل معه بوحشية، ومواجهته بعنف، وقد بدأ معه التخلى عن النزعة الشخصية فى الأدب، ولم تعد الكلمة تصدر عن وحدة بين الشعر والشاعر الحىّ، أو عن صورة فوتوغرافية للواقع، بل كان يقف مواجها لهذا المنطق، وقد أحس جمالا غريبا عن ذى قبل، جمالا يتجسد فى قبح الحياة ووضع نوعا من (استاطيقا القبح).
ورأى أن ما يميز الأديب هو أن يعيش فى صحارى المدينة الكبيرة، فلا يرى سقوط الإنسان وانحطاطه فحسب، بل ويحسّ نوعا من الجمال الغامض فى هذا الانحطاط وذلك السقوط.
ولم تعد الأشياء تحتمل الفكرة القديمة عن الجمال، وإنما مضى إلى المفارقات والإغراب، وعمد إلى نوع من الجمال العدوانى المفزع والمثير فى آن. ورأى أن الجمال يكون نقيا وغريبا، وكان يعمد إلى الشكل فى مواجهة الواقع التافه المنحط، فالنجاة فى التجارب الشكلية مع اللغة. "وإن السمة المدهشة فى الفن هى أن الشىء المفزع المخيف يصبح جميلا إذا عبر عنه تعبيرا فنيا وإن الألم الذى يدخله الإيقاع والتكوين يملأ الروح بالفرح الهادىء"(21).
وأصبح الشعر بناء منظما مقصودا، وقد تخلى القلب عن وظيفته للعقل، فالأديب الذى ينتج من واقع الإلهام أو الفطرة فقط لن ينتج غير الخلط والاضطراب.
يقول "بودلير": "كثيرون يتصورون أن الشعر يستهدف تعليما ما، وأنه عليه تارة أن يعزز الوجدان وتارة أن يهذب الأخلاق وتارة أن يبين شيئا مفيدا … فالشعر لو عدنا إلى ذواتنا وسألنا نفوسنا واستعدنا ذكريات الهوى لما وجدنا له هدفا غير ذاته، ولا يمكن أن يكون له هدفا آخر، والقصيدة الكبيرة النبيلة الجديرة بهذا الاسم هى التى نظمت للذة النظم فحسب"(21).
ويقول أيضا: "من المؤلم أننا نجد أخطاء متشابهة فى المدرستين المتناقضتين: المدرسة البرجوازية، والمدرسة الاشتراكية، كلّ مدرسة منهما تنادى بالأخلاق بحرارة المرسلين، طبعا الأولى تبشر بالأخلاق البرجوازية والثانية بالأخلاق الاشتراكية ولا يبدو الفن من ثم إلا قضية دعائية"(22).
وإذا كان "بودلير : قد ورث الكثير من الرومانسية إلا أنه توجد مسافة واسعة بينه وبينهم، فلم يعد لديه ذلك الشعور الرقيق الحزين بنهاية الزمن، وإنما تحول إلى شعور وحشى وغوص فى عالم المدن الذى يطفح بالعقم والقبح والخطيئة، فعالم الصناعة، واللافتات البشعة، عالم الإنسان المضيع، والتقدم والتكنيك الذى رآه "بودلير" إيذانًا بذبول الروح الإنسانية وضمورها، عالم الصحف اليومية والديمقراطية التى رآها تسوية بين الأشياء جميعًا، بينما يعتمل فى داخله نزوع إلى العزلة والمواجهة مع العالم وبشكل مفرد، لقد كان "بودلير" جديرًا بأن يقلق هذا العالم، ويضفى عليه الغرابة مع إضفائه الروح الصوفيّة على المدن والشوارع وقذوراتها وأحط ما فى الحياء البشرية.
بقول "بودلير"(23) أتتصور "داندى" يخاطب الشعب اللّهم إلا ليهزأ به كذلك يتكلّم عن الشعب المؤمّ بالسوط،، وكان يمقت الديمقراطية، وكان يجد فيها نوعًا من التهريج.
وقد كان "بودلير" بحق الشاعر الذى يوقظ فى القبح سحرًا غريبا. وقد حمل فى داخله روحا مسيحية مهشمة محطمة ضغطت عليها قوى الرأسمالية وآلياتها التى لم يستطع أن يرى وراءها شيئا جديدًا، أو جعل منها نهاية الزمن، وبذلك كانت هذه الروح المحطمة فى داخله تزعق فى مواجهة عالم غُصّ بالمباذل، ولكنها لا تصْعد به إلى الخلاص المسيحىّ، وفى نفس الوقت كان مشدودًا بعنف إلى واقع صلب.. وعاش كإنسان ممزق مزدوج مشدود إلى قطبين متناقضين، فقد تقمصته روح أفلاطونية ونزعة إشراقية، فى وقت كان مضطرًا فيه لأن يعى الواقع بعنفه وحيويته، وكان يجد لذته "لدى "جان دوفال" أو العاهرات الأخريات، فقد كان التناقض مجسدا وكان يحس برغبة فى الصلاح، ولكنها دائما تصْطدم بواقع قاس، بواقع يصفعه فى كل لحظة، ويصفع مثاليته الفارغة التى لا تذهب إلى هدف أو إلى خلاص محدّد، تموت على شفتيه، وتحوِّل إحساسه بخطيئة الإنسان إلى فزع وإلى تجريح للواقع ومواجهة عنيفة للذات(24).
يقول "بودلير": "أما أنا الذى أحسّ فىّ أحيانا سخرية النبى فإننى أدرك أنى لن أعرف أبدا محبة الطبيب، ضائع فى هذا العالم القبيح غارق بين الجماهير، أرانى كرجل متعب لا ترى عيناه وراءها فى السنين الغابرة إلا سأما ومرارة، وأمامها إلا عاصفة لا جديد فيها، ولا علم ولا ألم، حتى إذا جاء مساء هذا الرجل وقد سرق من قدره بعض ساعات اللذة، فتهدهد ونسى ماضيه، وارتدى حاضرة وسلم لمستقبله وانتشى وفخر لكونه ما انحط إلى مستوى غيره ممن يمرون، قال لنفسه وهو يتأمل دخان غليونه: ما أهمنى مصير الضمائر"(25).
ويقول أيضا: "إن الشاذ، أى غير المنتظر والمدهش الطارىء جزء أساسى من الجمال، بل عنوانه الصريح"(26).
"أيتها المرأة الفاجرة، قد تغرين العالم كله بمعاشرتك
لكن الضّجر سيثير القسوة بين جوانحك
ولكى تدربى أسنانك على هذه اللعبة الفذة
يجب أن تبدلى كل يوم قلبك بقلب جديد
إن عينيك المتوهجتين كأضواء الحوانيت
كالشعلة المعلّقة على أشجار البان فى الأعياد
تستخدمان فى جرأة قوة منفعلة
دون أن تخضعنا لسنة الجمال
أيتها الآلة العمياء الصمّاء
أيتها الأداة المحيرة، يا شاربة دماء البشر
كيف لا ترين فى المرايا محاسنك وقد ذبلت
أيتها المرأة يا ملكة الخطايا، أيها الحيوان الدنىء
ألم تفزعى إزاء فظاعة الشر الذى تتشدقين بإتقانه
عندما استخدمتك الطبيعة العظيمة الشأن، ذات الأغراض الخفية
فسخرتك فى صياغة روح شريرة
تبا لك من عظمة موحلة!! أيها العار السامى"(27).
لقد أحس "بودلير" بنوع من الارتباط بين إحساسات ذات طبائع متعارضة، أشبه بعملية سحرية، يثير فيها الشىء ونقيضه، ويصدر الإحساس عن مصدر غير مألوف. لقد أضفى على المثالية الفارغة التى لا تنتمى إلى هدف، والمنحدرة من أصول رومانتيكية عنده، حركة وديناميكية، قوة جذب شديدة تدفع التوتّر إلى أعلى ثم لا تلبث أن تغوص فى الحضيض.
لقد كان شديد الفزع والاشمئزاز من الواقع، الواقع العملى والسطحى، السخيف الذى يهدر الإنسانية، وهو لا يرى أبعد من الواقع الرأسمالى هنا، وكان فى مواجهته لهذا الواقع يغوص فى لجّته حتى القرار، وقد عنى بالتعبير عن الجانب الأدنى منه، وفى نفس الوقت كان يبتعد عن الأوصاف الانفعالية، والتحديد المكانى لأنه كان يريد أن يفْلت منه، وأن يهرب من حبائله.
"عندما فتحت عينىّ المتوجهتين بالنّور
رأيت بشاعة حجرتى البائسة
وأحسست وأنا أعود إلى نفسى
بشوكة الأحزان اللعينة
أخذت الساعة بدقاتها الكئيبة
تعلن فى ضراوة عن الظهيرة
والسماء راحت تصب الظلمات
فوق هذا العالم البارد التعس"(28).
بهذا المقطع ينهى قصيدته (حلم باريسى) التى تصور مدينة غير واقعية، مدينة ترى فى الأحلام، مركبة تركيبا هندسيا وجماليا مختلفا مواجها لما هو مألوف، ولكنه فى النهاية – بالمقطع السابق – يحس قسوة الواقع وبشاعته عندما يفتح عينيه ويواجه الحياة، برعبها الفظيع.
لقد كان الهدف الأساسى "لبودلير" هو الخلاص من الواقع المحدود الضيق البشع، ولذا لجأ إلى المخيلة التى تفكّك وتحطّم العالم كله لتخلق عالما جديدًا (بمقتضى قوانين تنبع من أعماق النفس) كما يراها - ويعْمد إلى عزل أجزاء من الواقع وتفكيكها وتشويهها ليعبر عن قوة ذهنية وروحية فى مواجهة هذا الواقع. وكان هذا الحماس لمواجهة الواقع نتيجة لاستهلاكه بصورة فوتوغرافية ضيقة الأفق، وكانت فى نفس الوقت مواجهة للفهم العلمى، والفهم الضيق للعلوم التى جاءت بالتكنيك الحديث والآلة.
إن هذا القصد المواجهة للواقع، وسيادة الفن الشكلى، والتجريد والمفارقة والغرابة – كل هذا لم يكن إلا الردّ السلبى فى مواجهة مجتمع ضيق الأفق محدود، يلوى عنق الحقائق من أجل فكرة عبودية الأجر – نهاية العالم، وسلب الحرية التى علا صوت البرجوازية بها، والتى رأت فيها مقبرتها.
وقد كان "بودلير" باحتجاجه السلبى العنيف على هذا المجتمع نتاجًا مخلصا له، وموسومًا بميسمه، ولم يستطيع رغم كل هذا الاحتجاج الفكاك من قيوده، فهذا المجتمع الذى يتسلّح بعلم محكم ودقيق، لم يفلت من إحكامه ودقته "بودلير"، فالأدب كان فى نفس الوقت محكما ودقيقا ومعماريا إلى حد مذهل، وكان هذا التجريح الذى انصبّ على الذات ومحاولة مواجهة "الأنا" لم يفلت من خلق ذات "ترانسندنتالية Transcendental" فى مواجهة الواقع، وهذا الأدب الذى يحتج على كونه سلعة، كان يخضع للتقسيم الرأسمالى وشريعة السوق، وكان مضطرا أن يتعامل مع هذا كله، خاصة بعد أن صار الأديب حرا اسما، وتحكمه تلك الشريعة حقيقة. "بودلير"كان يرفض البرجوازية، ويأنف من ذكر اسمها، وكان يطلب المساعدة المادية من الحكومة، ويرغب فى ترشيحه للأكاديمية، أو لنيل وسام الشرف، وهو فى نفس الوقت الذى حوكم بسبب ديوانه "أزهار الشر"، وطلب إليه حذف ست قصائد منه بالإضافة إلى الغرامة المالية، فأدب مجتمع الإنتاج للإنتاج لم يستطع إلا أن يكون (فنا للفن) ينزع إلى الشكلية Formalism بشكل مثير، رغم أنه كان يمثل احتجاجًا فى نفس الوقت.
لقد شهر "بودلير" سلاحه فى وجه المجتمع، وأفسح المجال للكشف عن الدود الناخر فى عظامه، وجسد لغة جديدة، وخاض التجربة بجرأة وعنف، وفى نفس الوقت كان إبنا مخلصا لهذا المجتمع، وكان – وهذا هو الأهم – علامة كبيرة من علامات التناقض المستعصى فيه، وإن لم يدْرك أبعد من وجود التناقض، إلا أنه كان إشارة لإيقاظ الوعى، وأعمال الذهن للغوص ابعد من مجرد إدراك التناقض.
"أعبدك بقدر ما أعبد القبة الزرقاء
أيها الوعد المفعم أسى، يا حليفة الصمت
أيتها الجميلة، إننى أزداد هياما بك بقدر ما تجافيننى
وأنت يا زينة ليالىّ، فى جفاك وسخريتك
تباعدين الشقة التى تفْصل بين ذراعى
وبين سمواتك العظيمة الصافية
ولكنى برغم هذا، عارج نحوك متسلق سبيلى إليك
كما يصعد إلى الجثة فوج من الديدان
أنا عاشق، أيتها الضارية القاسية التى لا تشفى لها غلة
وهذا الفتور، وهذا الجفاء،
يظهرك فى ناظرى أروع وأبهى جمالا"(29).

ــ 4 ــ
إن طبيعة العلاقة بين البنية الاقتصادية والبنية العليا Superior Structure – عالم الأفكار – ليست بسيطة، وليست علاقة مباشرة، بل تعتمد على عديد من الوسائط المعقدة، وهى إلى جانب ذلك، وذلك هو الأهم، متبادلة. ويؤكد "فردريك انجلز" أنه كلما كان الحقل الذى يدور البحث فيه أبعد عن الميدان الاقتصادى، وأقرب إلى المجال الفكرى للبحث، وجدنا أنه يشف عن عوامل عريضة متعددة ويتقدم فى خط متعرج، لكن لو رسمت خط المحور فى زواياه لرأيت أنه كلما كان العصر المدروس أطول، كان خط المحور الثقافى أشد توازيًا فى عمومه مع خط التطوّر الاقتصادى، "وأى حالة محددة لكاتب معين ليست سوى مرحلة وجيزة بالغة القصر فى التطور التاريخى، وهى لذلك لا تكاد تمثل إلا نقطة صغيرة فى الزاوية الكبرى بحيث أن هذا الحقل يصبح منعطفا إلى الحد الذى يظل فيه من الصعب فى معظم الأحيان أن نجد رابطا بينهما دون التماس وسائط عديدة(30).
لقد تمزق الواقع بين يدى "بودلير" وتابعه فى ذلك "رامبو" وغيره واتضح قصور الواقع وعجزه فى مجتمع يخنق الأنفاس ويشلّ الرئات، وانفتح الباب واسعا أمام تجزىء الواقع وتناول الشاعر منه مزقا متفرقة وأطلالا، وأصبحت الغربة وتصدّع الحياة والموت والانسحاق كلمات شائعة، وعلت الأصوات التى تدعو إلى تجاوز هذا الواقع المريض الذى يفرض نمطا من الإنتاج يدعم مسالك معينة فى الحياة أصبحت متناقضة بل معادية لروح الحرية، والروح الإنسانية.
وإذا عدنا إلى كلمات "انجلز" فإننا نجد شعراء قد ظهروا ولم يكونوا إلا الزوايا الحادة فى ذلك الخط المتعرج، وكما كان "بودلير" و "رامبو" فى مواجهتهم العنيفة الحادة يمثلان مثل تلك الزوايا، كان "ت. س. اليوت" شاعر الإنجليزية الشهير رغم صعوبته، والمنتشر رغم أرستقراطيته، زاوية حادة من تلك الزوايا. فقد كان "توماس ستيرنز اليوت" مثالا حيا على اتساع الثقافة والإحاطة بفنه بما لا يقاس بالنسبة للعديد من معاصريه، وقد ذاع صيته بعد قصيدته "الأرض الخراب The Waste Land. ويعد "اليوت" مثالا حيا للتناقض الذى يزعزع المجتمع الغربى، ومثالا فذًّا لانتقاد المجتمع المعاصر، وفى نفس الوقت كان يمثل جزءا أصيلا منه.
"رائحة الكستناء فى الشوارع
ورائحة السيدات فى الحجرات المغلقة النوافذ
والسجائر فى الممرات
والكوكتيل فى الحانات
***
المصباح يقول:
الساعة الرابعة
ها هو الرقم على الباب
يالها من ذاكرة
معك المفتاح
والمصباح الصغير ينشر حلقة ضوء على الدرج
اصعد
الفراش معد، وفرشاة الأسنان معلقة على الجدار
ضع حذاءك بجانب الباب، نم "ثم استعد للحياة من جديد"(31)
هذه هى خواطر شاب فى مدينة كبيرة أمضى ليلة سمر مع أصدقائه ثم عاد إلى منزله، وقد أحس بالفراغ والضجر، إنها الحياة الآلية فى واقع لا مغزى له، تلك التى يعيشها الإنسان كترس فى آله كبيرة لا يملك إلا أن يدور … فى عالم يتحول فيه كل شىء إلى رقم .. عالم منظم .. مرتب رغما عنا ولا نستطيع أن نقلقه، فنحن نعيش على هامشه تطحننا عجلات الزمن وحياتنا أشبه بمناقشة مملّة.
يقول "اليوت" فى العظة النارية" الجزء الثالث من قصيدته "الأرض الخراب":
"فى وقت الغسق، عندما رفعت عينى وظهرى
بعيدا عن الدرج.
حينما تمهلتْ الآلة الإنسانية كعداد التاكسى عند الانتظار.
وأنا "تاريزياس" مع أننى ضرير اترنّج بين حياتين
كرجل هرم بصدر مجعد كصدور الإناث
يمكننى أن أتخيل ساعة الغسق
تلك الساعة التى يعود فيها النوتى إلى بيته الحبيب من البحر
***
السكرتيرة عادت إلى منزلها وقت تناول الشاى
تزيل بقايا طعام الإفطار
وتشعل موقدها، وقد أفرغت الأطعمة المحفوظة
وخارج النافذة انتشرت ملابسها التى جففتها أشعة شمس الأصيل
وتكومت على الأريكة – (التى تصبح فى الليل سريرها)
جواربها وأخفافها، وملابسها الداخلية، والمشدّات
أما أنا "تاريزياس" كرجل هَرِمٍ بصدرى المجعد
فقد كنت أتوقع الضيف المنتظر
ها هو الشاب المعتلّ قد وصل
وهو يعمل نائبًا لكاتب فى (بنسيون) صغير، يتفرّس بصفاقة
ومع ضعته إلا أنه يبدو واثقا مستقرا
كقبعة من الحرير تستقر على راس مليونير "برادفورد"
وقد ظن أن الوقت مواتٍ
فقد انتهت من طعامها وهى ملولة متعبة
فأخذ يداعبها فى رقّة
دون أن يلاحظ صدودها
ولم تلق يده أية مقاومة
فغروره ليس بحاجة إلى استجابة
وصلته بها تقوم على اللامبالاه
(وأنا "تاريزياس" قد عانيت كل هذه الأمور
ولعبت أدوارا عديدة على نفس الأريكة أو السرير
أنا الذى جلست بجانب الجدار فى "طيبة"
وجُلْت بين صفوف الأموات)
ولكنه قبلها قبلة الوداع
وصار يتلمس طريقه، لأن السلم كان مظلما
وقد استدار ونظرت للحظة فى المرآة
تكاد لا تحسّ بأن حبيبها قد رحل
وراودت ذهنها فكرة غير مكتملة
-والآن وقد فعلت ذلك فاننى فرحة بانتهائه –
فحين تنحدر المرأة اللعوب إلى الغواية
وتسير منفردة بخطى متثاقلة فى غرفتها
تأخذ فى تصفيف شعرها بطريقة آلية
وتضع اسطوانة على الجرامافون"(32).
إن "ت. س. اليوت" يستخدم تفاصيل الحياة اليومية، ويعرضها بانتقاء دقيق من أجل الوصول إلى مراميه، ويستخدمها (كمعادل موضوعى Objective Correlative)للمشاعر والأحاسيس التى يريد أن ينقلها لنا، إنه يوضح الظروف والملابسات التى أحاطت بتلك السكرتيرة، وقد انحدرت إلى "الغواية" – كما يرى – وفى نفس الوقت يصور لنا عالما متشابكا وعالما معقدا، اختصرت فيه الحياة، فالأريكة تتكوم عليها الملابس وعلب الأطعمة المحفوظة دليل استقلال المرأة وخروجها إلى العمل وعجلتها، وعدم فراغها، فلم تعد تعيش حياتها المستقرة البسيطة فى رأى "إليوت Eliot"، والعلاقات الجنسية لم تعد تنجب الذرية – كما كان سابقا- بل استخدمت فى اللهو والعبث، وكل هذا يتم بطريقة أوتوماتيكية بعيدا عن الرغبة، فقد قتل العصر الحاضر كل وهج للرغبة، وشلّت وعجزت كل المبادرات الإنسانية. لقد سيطرت الآلة العمياء على كل شىء، ولم يعد فى الإمكان بثّ الروح فى هذا العالم الذى يموت فى كل لحظة .. أو على فراش الاحتضار.
لقد تحكمت الآلة الكاتبة بإيقاعها الرتيب والمملّ فى الفتاة مع أنه كان من المفروض أن يتم العكس، فهى وقد استعبدت للآلية، صارت تصفف شعرها أو تسمع الموسيقى أو تتقبل مداعباته دون أدنى فعالية، فكل شىء يخضع للعادة واضطراد الأحداث فى حياة تسيطر عليها آلات صماء ولكن هل من خلاص يراه اليوت من هذا العالم المعقّد؟
"أضرع إلى المولى أن يتغمدنا برحمته.
وأتوسل إليه أن ينسينى
هذه الأمور التى أنفقت وقتا طويلا فى مناقشتها
وأسرفت فى تفسيرها
لأننى أحيا بلا أمل أن أعيد وجهى ثانية
فلتكفر هذه الكلمات
عما أقدمت عليه
ولتكن رادعة لى فلا أعود مرة أخرى
رب لا تثقل ديوننا بأكبر مما نطيق"(33).
تلك هى التوبة، وليرتد إلى الماضى السحيق، ويلجأ إلى التعويذة والأسطورة، والقوى الغيبية، فالآلة تخنق أنفاسه وإحساسه الفردى العارم، والعزلة المفروضة عليه. هذا كله يجعله يهرب إلى عالم السحر والخرافة.
"هل نبت الجسم الذى زرعته فى العالم الماضى فى حديقتك
هل بدأ النمو، ترى هل سيزهر هذا العام؟
أم أن الصقيع المفاجئ قد أقضّ مضجعه؟
أوه… دع الكلب بعيدا، هذا الصديق الوفى للبشر(34)
وإلا أخرجه ثانية بأظافره
أيه …. أيها القارىء المنافق … يا شبيهى، يا أخى"(35).
لقد وجد "اليوت" خلاصة إذنْ فى الارتداد إلى مرحلة الطفولة فى الفكر الإنسانى، وقد ضمن شعره نصوصا مختلفة من لغات مختلفة، وكان بناء قصيدته "الأرض الخراب" يتيح له التنقل الرشيق بين اللغات والثقافات والعصور، ويصبّ لعنته على الحاضر من خلال رحلات شبه صوفية ورؤيا دينية مسيحية تفزع من التغيير وتعيش تحت وطأة الإستاتيكية وتحسّ بعقْم كلّ شىء، ما دام الإنسان قد ارتكب خطيئته الأولى. وقد واجهه الزمن بعنف وقسوة، وكانت وطأته شديدة، ولذا يتردد فى الحانة – فى أحد أجزاء "الأرض الخراب" بين ثرثرة امرأتين صوت (النادل).
(أسرعا فقد حان الوقت
أسرعا فقد حان الوقت)
ويصور "اليوت" نساءً سقطت أسنانهن رغم أنّهن لم يبلغن الثلاثين، كمعادل للعقم والشيخوخة التى ألمّتْ بالإنسان المعاصر. ولعلّ هذا يتضح من البداية المفاجئة للأرض الخراب:
"أبريل، أقسى الشهور
فيه تتناسل زهور الزنبق فى الأرض الميّتة
وتختلط الرغبة بالذكرى
وتنتفض الجذور الخاملة بمطر الربيع
لقد شملنا الشتاء بالدفء
ودثر الأرض بجليد النسيان
وغذى الحياة الواهية بالدرنات الجافة
أما الصيف فقد باغتنا عندما أسقط الرذاذ
على (شتار نيبرجرسى)، ووقفنا عند الرواق
ومشينا فى ضوء الشمس حتى وصلنا إلى الحديقة
وشربنا القهوة، وتحدثنا لساعة
لست روسية، ولكننى ألمانية الأصل من ليتوانيا
بينما كنت طفلة، أقمت فى منزل ابن عمى الدوق
الذى أخذنى على الزحافة معه
وكنت خائفة جدا، لكنه نادانى : مارى
مارى، أمسكى جيدا، وانحدرنا معا
لعلك تشعرين بالحرية والانطلاق عبر الجبال
إننى أقرأ معظم الليل، وأذهب للجنوب فى الشتاء"(36).
إن "اليوت" ينتقل انتقالا مفاجئا من التقرير الجاف، والتأمل المجرد إلى الصور الكاريكاتورية، ومن الكآبة إلى الانفعال والغضب، ومن الصور الحسّية اليومية إلى التهكم المرير القاسى، ومن ذلك إلى شاعرية لها مذاقها الخاص، وما يربط القصيدة هو التعدد فى الأنغام، بل وهو الذى يخلع عليها الوحدة النفسية، ويشيع إحساسًا بالضياع واليتم فى صحراء المدينة الكبيرة والتى تذكّرنا بعالم "بودلير" – الغربة، والحدائق الموحشة،وعالم التناقضات والتفسخ، إنه يعكس صورة معقدة لعالم بشع أتخم بالتفاهة والتناقضات، وإن كان يخلص فى النهاية إلى:
ما نعتبره بداية هو النهاية غالبًا
والوصول إلى النهاية هو نفسه نقطة البداية"(37)
لقد أصبح الإنسان مستعبدا للآلة، وصار شيئا، تمتلىء حياته بالسأم والفراغ ذلك أن الموت قد ران على كل شىء فى هذا العصر.
"هل أجسر على هذا الفعل!!
وأزعج العالم.
لم يفت الأوان.
فلحظة واحدة تكفى لأخذ القرارات والمراجعات التى تبطلها لحظة أخرى لأننى فد عرفتها جميعا، عرفتها جميعا.
عرفت الأمسيات والصبيحة والآصال.
ووزنت حياتى بملاعق القهوة"(38).

"كلا .. لست الأمير" هاملت" ولم أخلق لأكون أميرًا!!
أننى أحد اللوردات – فحسب - الذين تتألف منهم الحاشية.
رجل لا يصلح إلا ليزين موكبه، وابتداء مشهد أو مشهدين
أنصح الأمير، وبلا شك يُسعده أن أكون أداة طيعة
أظهر الاحترام، ويسعدنى أن أكون ذا فائدة
سياسى حذر، ودقيق.
رأسى مملوءة بالحكم والأمثال والألفاظ الطنانة الجوفاء.
أحيانا أكون مبعث سخرية.
وفى أغلب الأحيان أكون مضحك الأمير"(39).
إن المعضلة التى تواجه "اليوت" هى التعبير عما لا يمكن التعبير عنه(40) وهنا تكمن ضرورة المعادل الموضوعى The Objective Correlative.
إن عالم "اليوت" عالم يجد الإنسان فيه نفسه أمام واقع صلْب، قلق، بارد، حيث النساء وهنّ يحكين عن "مايكل أنجلو" حيت يتهامس الناس بأصوات مريضة متذكرين الليالى التى مرت فى الفنادق الرخيصة، والمحار الذى كان بالمطاعم التى تكسو أرضيتها نشارة الخشب، والطرقات الممتدة امتداد المناقشة المملة، والمفتعلة. إنه عالم "بروفروك" الإنسان المعاصر الذى يزن حياته بملاعق القهوة، والذى لا يعدو أن يكون مضحك الأمير. وإنه إذْ يفقد نفسه وقد سقط فى جوف حياة فارغة كريهة ومملة، لا يملك إرادة التغيير، وإنما يستنيم لواقع قاهر، فيختلط إحساسه بالإحباط مع إحساسه بالنقص، فنراه يهذى بكلام لا مغزى له، ويوحى بروح فارغة.
"إنى أكبر … أهرم … أكبر وأهرم
سيأتى يوم أقلب فيه سراويلى
هل ألقى بشعرى إلى الخلف، هل أجسر على تناول خوخة.
سوف ألبس بنطلونا من الفانلة البيضاء، وأسير على الشاطىء
لقد سمعت حوريات البحر تتناجيْن
لا أحسبهنّ سوف تناجيننى
لقد رأيتهن مبحرات على متن الأمواج
يمشطن شعر الأمواج الأبيض الذى يتطاير إلى الخلف
حين تلفح الرياح المياه فيكسوها البياض والسواد
أنا قد مكثنا فى غرفات البحر.
عند بناته المضفرات بالعشب البنى والأحمر.
حتى توقظنا أصوات البشر … فنغرق"(41).
يقول "اليوت" فى حدود النقد “Forntiers of Criticism"
"فى عصر القلق الذى أربك فيه الناس بالعلوم الجديدة، العصر الذى لم يقدم غير القليل مما يمكن اعتباره معتقدات، وفروض، وخلفية مشتركة بين القراء، فإنه لا توجد منطقة فكرية محظورة"(42).
ولعل هذا هو الذى يفسر تنزهه فى غابات الماضى وتأمل الزمن الحاضر، وهو يضع الماضى والحاضر جنبا إلى جنب، فلا توجد غاية محظورة، ما دام لا شىء فى مكانه.
لقد أراد أن يسجل اعتراضا مريرا على هذا العصر، وإن كان قد أدار ظهره لكل إنجاز وكل تقدم استطاع أن يظفر به الإنسان، ولم يكن فى وسعه أن يسبر غور الذات، فراح يكيل المديح لماض كان "الوجه المبارك" قبلة فيه، وكانت البشرية تتمتع فيه باطمئنان الاعتقاد.
إن "اليوت" الذى جاء ليهز بعنف الواقع الأدبى بأفكار مناهضة للرومانتيكية وللعاطفة المتأججة، والوجدان المشتعل بالحزن والفرح، لم يجد أمامه غير العودة إلى رصانة وموضوعية الكلاسيكية، حيث الخيال الهادىء والفكر الرصين والبناء الفنى المحكم.
إن "اليوت" الذى جاء معترضا على زمن أتخم بالآلة، واغترب فيه الإنسان بحكم تقسيم قاس للعمل، واستعبد فيه بواسطة قوى متعدّدة، رغم الصوت المجلجل بالحرية، كان اعتراضه يشدّه إلى العصر الوسيط، وإلى عالم يتقلص فيه الوعى، ولا يعوض العجز الذى ألم بالإنسان المعاصر، وإنما يكرسه، ويزيد من قوى الضغط والقهر عليه.
و"اليوت" الذى رأى العالم المعاصر عالما مريضا، لم يستطع رؤية ما هو أبعد من حدود الزمن الحالى (الزمن البرجوازى)، ولم يكن فى مقدوره أن يصل إلى القوى التى تبشّر بمستقبل ينأى عن كل اغتراب فى الحاضر، ويحقق للإنسان إنسانيته فى مساواة حقيقية، ولكنه اندفع فى اتجاه أرستقراطية متعالية، تأنف من كل ما هو جماهيرى أو جماعى، محددة انعدام المساواة بشكل مطلق، وتميّز لا نظير له لصفوة تعيدنا إلى الأزمنة القديمة مرة أخرى.
يكتب "اليوت" إننى لا أنكر أن الفن بالتأكيد قد يخدم أهدافًا بعيدة عنه، ولكن ليس مطلوبا من الفن أن يكون على علم بهذه الأهداف. فقد يؤدى دوره على أكمل وجه وفقا لنظريات القيمة على تباينها، مع عدم اكتراثه بهذه النظريات"(43).
إن "اليوت" يرمى بهذا إلى تخليص الفن من أحكام القيمة هادفا إلى موضوعية مستقلّة عن كل ما عدا الفن الشكلى، علما بأن الفن قد يؤدى ما تتطلبه هذه الأحكام القيمية منه دون أن يكون راميا إلى ذلك – فى رأيه.
وقد كان "اليوت" مخلصا لأفكاره على مدى حياته، ولم يحدث – فيما يرى "كولن ولسن"(44) أن كان أديبا مخلصا ومتّسقا إلى النهاية بمثل ما حدث مع "ت. س. اليوت" فقد كان تعبيرا دقيقا عن تناقض حاد فى المجتمع البرجوازى، وفى نفس الوقت يؤدى غرضا تحفظه له القيم البرجوازية.
فالبرجوازية رغم أنها لا تجد من يدافع عنها من الأدباء العظام والذين تجلى موقفهم فى انتقادات حادة للمجتمع البورجوازى فقد كانوا – الأدباء العظام – أبناء مخلصين لأوضاع اجتماعية نتجت عن آليات البرجوازية وسيطرتها على أدوات الإنتاج، وكانوا يسدّون الطريق بأفكارهم، أو هكذا يبدو، أمام الأفكار التى تطيح بالعلاقات الكائنة فى هذا المجتمع.
يكتب: "اليوت" إن المستر "لاسكى" مقتنع، أو كان مقتنعا بأن التغيرات السياسية والاجتماعية المعينة التى يرغب فى أحداثها، والتى يعتقد أنها نافعة للمجتمع، سوف تنتج مدينة جديدة، نظرا لأنها تغيرات جذرية عميقة، وهذا أمر جد معقول ولكن الذى لا يحق لنا أن نستنتجه بالنسبة إلى تغييرات المستر "لاسكى" وإلى تغيرات أخرى فى البناء الاجتماعى ينادى بها أى إنسان هو أن المدينة الجديدة، شىء مرغوب فيه، فنحن من جهة لا نعرف شيئا عما ستكون عليه هذه المدينة الجديدة، إذ أن ثمة أسبابا كثيرة أخرى تعمل فى تكوينها غير تلك الأسباب التى نعلمها، والنتائج التى تترتب على هذه الأسباب وتلك، حين يعمل بعضها مع بعض كثيرة أيضا، بحيث يمكننا أن نتخيّل كيف يكون شعورنا حين نعيش فى تلك المدينة الجديدة"(45).
إن "اليوت" يظهر من الأسطر الأولى نفس التصور الذى وقعت فيه "الرومانتيكية" و "بودلير" وهو أن هذا هو نهاية الزمن، ولعل ذلك يوضح سر العويل فى الحاضر، والارتداد إلى الفردوس المفقود، وما يجعله يقصر عن رؤية الواقع بشكل جلى، بل يمنعه من مدّ بصره لكى يتفهم القوانين الموضوعية للتطور التاريخى، وهو بذلك يقع فى أسر سكونية (بارمنيدية) (46).
ويكتب "اليوت" أيضا:
"أما ما تجرى به العادة الآن، فهو كل من يدعو إلى تغيير اجتماعى، أو تبديل فى نظامنا السياسى، أو إلى توسّع التعليم العام، أو إلى تنمية الخدمة الاجتماعية يزعم أن ذلك سيؤدى إلى تحسين وزيادة الثقافة وربما وضعتْ الثقافة أو المدنية فى المقدمة، فيقال لنا أن ما نحتاج إليه، ويجب أن نحصل عليه، وسنحصل عليه، إنما هو مدنية جديدة"(47).
ويسخر "اليوت" من القارئ إذا استنكر "تمتع فئة محدودة بميزات على حساب الآخرين لسبب وراثى"(48)، ويرى أن الثقافة تتعارض بعنف مع المساواة ، بل ومن يرون العكس عليهم أن يكفوا عن احترام الثقافة، ولا سبيل إلى تحسين المدنية لأننا لا نستطيع تخيل مدنية أخرى، أما رقى المجتمع فليس أكثر من أن نلتمس من رقينا أفرادا، أو بجزئيات صغيرة نسبيا، وكل ما يمكننا عمله هو الإقلاع عن العادات السيئة" والشىء الوحيد الذى نثق من الزمن بإحداثه هو الخسارة، أما الكسب أو التعويض فهو يوشك أن يكون متصورا دائما إلا أنه غير متيقن أبدا"(49).
"والثقافة لا تنمو إلا وهى متصلة مع الدين"(50)، وفى مجتمع كهذا الذى أتخيله – أى "اليوت" – يرث الفرد فيه مسئولية أكبر أو أقل نحو الأمة طبقا لما ورثه من مركز فى المجتمع، فتكون لكل طبقة مسئوليات مختلفة نوعا. والديمقراطية التى يتساوى فيها جميع الأفراد فى المسئولية عن كل شىء هى ديمقراطية خانقة لذوى الضمائر، إباحية لغيرهم"(51).
ويرى "اليوت" أن ما قدمه ليس دفاعا عن الأرستقراطية، أى تأكيدًا لأهمية عضو واحد فى المجتمع، بل الأصح أنه دفاع عن شكل للمجتمع تكون فيه للأرستقراطية وظيفة خاصة وجوهرية.. فالمهم أن يكون للمجتمع بناء تتدرج فيه المستويات الثقافية تدرجا متصلا من القمة إلى القاعدة"(52). بل و"الإشارة إلى الضرر الذى أصاب الثقافات الوطنية أثناء التوسّع الاستعمارى ليس إدانة للاستعمار نفسه بحال كما يحبّ دعاة تفكك الاستعمار أن يستنتجوا. بل إن أعداء الاستعمار هؤلاء أنفسهم هم فى معظم الأحيان أكثر المؤمنين بتفوّق المدنية الغربية اطمئنانًا فى إيمانهم، بوصفهم أحرارًا، وهم يجمعون فى وقت واحد بين العمى عن فوائد الحكم الاستعمارى وعن ضرر تحطيم الثقافة الوطنية. وحرّى بنا حسبما يرى هؤلاء المتحمسون أن نقحم أنفسنا على مدنية أخرى ونجهّز أفرادها ونوحى إليهم احتقار عاداتهم واتخاذ موقف مستنير من الخرافة الدينية ثم نتركهم لينضجوا فى الخليط الذى أغليناه لهم"(53).
ولعلنا نكون بهذه الاقتباسات من كتاب "اليوت" : (ملاحظات نحو تعريف الثقافة) نكون قد استطعنا أن نقدم وجها أكثر وضوحا له.
"فإليوت" الذى يقف بعنف ليحطم الرومانتيكية، ويعود إلى نوع من الكلاسيكية، يبرر الأرستقراطية ويقف مع الملكية، ويبرر إذلال الاستعمار للشعوب المختلفة بإدعاء شديد العجرفة بأنهم جاءوا لكى ينتزعوهم من الحضيض والتخلف، وقد كان دفاعه المستميت عن التدرج الطبقى والوراثة، واستنكاره للمساواة والديموقراطية، وادعاءاته العنصرية العرقية، ومواجهته الصارخة لأى اتجاه نحو التغيير الاجتماعى متعللا بالتشكك فى الآتى المجهول، ودفاعه عن الصفوة وربطه لعجلة الثقافة بالدين .. كل هذا يشكل وجها أصيلا يوضح مغزى ما كاله من نقد مر للمجتمع المعاصر، وأن المعضلة التى لا تقبل الحل، تشكل فردوسه المفقود الذى يحاول البحث عنه فى العصور القديمة والوسيطة.
إن "ت. س. اليوت" بنقده المتعالى للمجتمع البرجوازية يوضح إلى أى مدى تفسخت البرجوازية واحتدمت تناقضاتها لدرجة لم يعد فى وسع أى أديب أو شاعر أن يقف بجانبها وهو مرتاح الضمير، فالبرجوازية لم تعد مقنعة بممارساتها فى الحياة اليومية، والتى تواجه النقد الجارح من كل جهة وهى ترى – مع ذلك – أن كل من يقف فى وجه القوى الواعية لجذور التناقضات المستعصية التى تتملك خنافها، أو من يسلك دربا غير درب تلك القوى، إنما يمثل احتياطيا ضروريا لها، فلم يعد للبرجوازية من يدافع عنها بشكل مباشر، اللّهم إلا الأدب الهابط والإعلام التافه، الذى يفرض غيبوبة الوعى على الجماهير المتلقية. هذا وإن كان كل من لا يسبر غور التناقض الأساسى يساعدها بدرجة أو بأخرى، ويمد فى عمرها الذى قارب خريفه على نهايته فقد وصلت إلى مأزقها المستحيل الحل، إلا إذا كان هذا الحل على جثتها وأنقاضها.

ــ 5 ــ
وهكذا، لقد فتحت البرجوازية أبوابا واسعة للتفكير الإنسانى، رغم أن الأفكار الحقيقية تمثّل البارود المتفجر تحت نظامها، وأوجدت أنماطا من التعامل الإنسانى أكثر بما لا يقاس بكل الظروف السابقة عليها، وهذا هو السبب فى الإسراع بانهيارها.
لقد صار الفكر أرحب، ويتسع لعشرات الاجتهادات والحلول، وصارت هذه الأمور تطرح بما لا يقارن بالوضع السابق فى شروط الأنماط الإنتاجية قبل الرأسمالية، وقد ظهرت إلى جانب الحلول العلمية والعملية للوضع الإنسانى فى المجتمع الحديث، أفكار ترى الإنسان كما لو كان يتسلق جليدا ساخنا، وينحدر إلى نقطة بدايته رغم تشبثه بالانفلات منها (54).
وظهرت أفكار تعبر عن لا مغزى الوجود الإنسانى واختفاء الغايات جميعا، والغرائزية، ووجد الإنسان نفسه أمام واقع متجمد يطبق على أنفاسه فى لحظة وتغرب إلى حد أنه صار لا يستطيع أن يرى أبعد من قدميه.
وظهرت فكرة اللامنتمى(55). – الآعور فى بلاد العميان الذى يرى أعمق من اللازم، وكل ما يراه لا يعدو أن يكون الفوضى، والذى يثور على عالم البرجوازية المنظم المحسوب حسابا دقيقا – رغم كون عالم البرجوازى يغوص إلى أعماق الفوضى..
لقد أصبح الإنسان الحقيقى أملا لا سبيل إلى بلوغه، والإنسان الحالى هو الحلقة المفقودة بين القرد والإنسان الحقيقى، والوصول إلى الإنسان مستحيل. ولقد سيطر المنهج التجزيئى على التفكير، والذى أعجز الذهن عن الوصول إلى الأغلب والأعمّ، والاقتراب من الواقعى، وشوش أساس الوجود.
فلم يخرج الإنسان عن كونه فردا منعزلا، كأن هذا قدره منذ أن كانت الرومانتيكية. فها هو يواجه العالم، ويبحث عن خلاصة، فيسقط فى اللا جدوى لأن ضبابا كثيفا يحوط منطلاقاته فيبعد عن الهدف.
لقد كان اللجوء إلى تبسيط الحقيقة الجوهرية، واصطناع أساليب ووسائل بعيدة كل البعد عن المنهج الإنسانى، وتحويل الظواهر الاجتماعية إلى مجرد خانق للوجود الإنسانى والعزلة، وتجاهل – أو عدم إمكانية فهم - التناقضات المزمنة التى تشكل جسد المجتمع المعاصر، وتحويل كل شىء إلى لغز يعلو على الزمن والواقع ، وتشيأ الإنسان، وخلق أساطير جديدة، وتم تزييف الوعى الذى يزيف مفاهيم الإنسان عن الواقع أيضا، واختيال الإنسان عندما يسير على رأسه متخيلا أن ذلك هو حد الوصول للإنسانية الحقيقية، وطرح قضية الحرية بمعزل عن كل الشروط المحيطة بها، وخلق العلل الجديدة لتثبيط العزم البشرى، مما أدى إلى تشويش الوضع الإنسانى، وجعله أكثر تبرما وبعدا عن الواقع وعن الشروط التى تنضج فيها الحقائق وتحولت المشكلة إلى أزمة معرفة معلقة بين السماء والأرض، وانطلقت دعوات إلى اصطناع لغة إنسانية جديدة، أو العودة إلى البدائية والغريزية، وطرح دور العقل جانبا، وألقت كل هذه المعضلات على الشخص المنعزل، على "الأنا" المتفردة البعيدة كل البعد عما عداها، وصار اللا منتمى مطاردا بوعى ذاتى، بعيدا عن الشروط الاجتماعية، واختصر الإنسان فى "أنا" متقوقعة وحيدة، وصراعها داخلى يدور فى الذهن. كل هذا من الضرورى أن يعكسه فن وأدب هذا المجتمع المتناقض إلى حد بعيد.
يقول "ج. بليخانوف".
"إننى مستعد تماما للقول بأنه لا وجود لوظيفة الفن الذى يخلو من الأفكار تماما، بل وأضيف أنه ليست جميع الأفكار يمكنها أن تفيد كأساس فى وظيفة الفن. والفنان يستطيع أن يبوح بما هو كاف لجعل العلاقات بين الناس أكثر سهولة، والحدود الممكنة لهذه العلاقات لا تتحدد بواسطة الفنان بل بواسطة مستوى الثقافة المرتبط بالأساس الاجتماعى الذى ينتمى إليه. وفى المجتمع المنقسم إلى طبقات، فإنها تتحدد أيضا بالعلاقات المتبادلة بين هذه الطبقات، علاوة على طور تطور كل منها فى نفس الوقت"(56).
أى أنه وفقا لرأى "بليخانوف"، لا وجود لفن فوق العلاقات الطبقية. وإن كان الفن لا يطابق تماما مستوى الاقتصاد، فهناك من العوامل العرضية العديد مما يؤثر فيه، وإن القانون – كما يرى "انجلز" – الذى يحكم تلك العلاقة، إنما يحكمها على أساس التوازى فى العصور الطويلة، وإن الكاتب لا يمثل غير نقطة أو مرحلة قصيرة أو زاوية فى هذا الخط المتعرج الموازى لخط التطور الاقتصادى.
ويتضح فى العصر الحديث أن "الأنفة" من عالم البرجوازى لم تكن إلا الوجه الآخر للعملة التى تعكس وضع البرجوازية وتناقضاته. سواء أكان الرومانتيكيون مع التقدم أو بإنحدارهم مع غيرهم إلى هوة العصور الوسطى، وفراديس الماضى السحيقة فإن هذا يعكس رؤيا قد توقظ فينا غضبا وسخطا على المجتمع البرجوازى – وإن كانت ضبابية – لا تعرف الطريق ولا يمكن أن تشير إليه لأنه كان مجهولا لها، وأدواتها أقل من أن ترشد إلى بدايته. إن المجتمع البرجوازى بتناقضاته المستعصية يطرح فى مسيرته عشرات المنعرجات للخلاص من هذه التناقضات، فهل هناك من الطرق ما هو أفضل؟
لقد اتضح إلى حد كبير أن الأديب الحق لا يمكن إلا أن يكون ناقدا لأوضاع هذا المجتمع، وذلك على النقيض من ممثلى الأدب الهابط والإعلامى أو الدعائى، الذى يقف فى ذيل المجتمع ويموت وهو يروج لتناقضاته المستعصية مدعيا أنها نهاية العالم، وأنها الفردوس الحقيقى.



هوامش الفصل الثالث

1- ماركس، كارل: بؤس الفلسفة، ترجمة حليم اليازجى – دار اليقظة العربية، ودار مكتبة الحياة – بيروت – د. ت ص122.
2- بايو، لويس: أزمة "مجتمع، وأزمة ثقافية – مجلة دراسات اشتراكية – نوفمبر – 1974 – مطبعة دار الهلال – القاهرة – 1979 – ص81.
3- إنجلز، فردريك: أصل العائلة والملكية الخاصة للدولة، ترجمة إلياس شاهين – دار التقدم – موسكو، ص234.
4- ماركس، كارل: رأس المال، عن فيشر، إرنست: ضرورة الفن، ترجمة أسعد حليم، الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة – 1971- ص66.
5- ماركس، كارل: بؤس الفلسفة- مصدر سابق – ص115.
6- Byron, Lord: When We Two Parted – (In) Golden Treasury of The Best Songs And Lyrical Poems In English Language – Oxford University Press – 1929 – P90.
7- انظر: فيشر، إرنست: ضرورة الفن – مصدر سابق – ص ص 67،68.
8- المصدر السابق: ص68.
9- المصدر السابق: ص70.
10- نفس المصدر – ص71.
11- نفس المصدر – ص81.
12- شيلى، بيرس بيش: دفاع عن الشعر، ضمن مهمة الناقد، مقالات، ترجمة محمد عبد الله الشفقى – كتب ثقافية – المؤسسة المصرية العامة للأنباء والنشر والتوزيع والطباعة (الدار القومية للطباعة) القاهرة – د. ت. ص. ص. ص98،99.
13- فيشر، إرنست: ضرورة الفن – مصدر سابق – ص 74.
14- مكاوى، عبد الغفار: ثورة الشعر من بودلير إلى الوقت الحاضر – جـ1 – الهيئة العامة للكتاب – القاهرة – ص46.
15- فيشر، إرنست: ضرورة الفن – مصدر سابق – ص 77.
16- المصدر السابق: ص92.
17- المصدر السابق: ص 137.
18- بودلير، شارل: أزهار الشر – ترجمة محمد أمين حسونه – الدار القومية للطباعة والنشر – القاهرة – إبريل 1961 – ض43.
19- وذلك على حدّ قول الشاعر الصينى "لوتشى" – راجع: أرشيبالد مكليش، التجربة والشعر – ترجمة سلمى الخضراء الجيوسى، مراجعه توفيق صايغ – منشورات دار اليقظة العربية للتأليف والترجمة والنشر (بيروت) بالاشتراك مع مؤسسة فرنكلين للطباعة والنشر (نيويورك) – 1963.
20- مكاوى، عبد الغفار: ثورة الشعر – مصدر سابق – 69.
21- من مذكرات "بودلير" عن "ادجار آلان بو "والتى استعادها فى دراسته عن جوته، وذلك عن كتاب، (بودلير بقلمه) تأليف بسكال بيا – ترجمة صلاح لبكى، المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت – 1969 – ص162.
22- من مقال "لبودلير" عن المسرحيات والروايات الشريفة – عن "بودلير" بقلمه – مصدر سابق.
23- بيا، بسكال: بودلير بقلمه مصدر سابق، ص105، وأيضا ثورة الشعر الحديث.
24- راجع ثورة الشعر الحديث مصدر سابق – ص ص 75 – 78.
25- من مقالات "بودلير" – جمعت تحت عنوان (سهام) عن – بودلير بقلمه) – مصدر سابق ص120.
26- المصدر السابق ص121.
27- بودلير، شارل: أزهار الشرّ – مصدر سابق – ص75.
28- مكاوى، عبد الغفار: ثورة الشعر الحديث – مصدر سابق – ص96.
29- بودلير، شال: أزهار الشر، مصدر سابق ص76.
30- فضل،صلاح: منهج الواقعية فى الإبداع الفنى – الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة – 1978 – ص ص 68، 69.
31- Eliot, T. S. : Rapsody On A Windy Night, (In) The Complete poems and Play (1909 0 1950) – Harcourt Brace, World Inc. New York, 1971, P. 15.
32- Eliot, T. S. : The Waste Land, (In) The Complete poems and Plays – (Ibid) – P.P. 43,44.
33- Eliot, T. S. : Ash Wendsday, (Ibid)- P. 61
34- إشارة إلى أن الكلاب قد ساعدت (إيزيس) فى جمع أشلاء (أوزوريس) بعد أن قطّعه (ست). ولكن الآن لا يريد سكان الأرض الخراب أن توجد الكلاب فيها حتى لا تستخرج جسد "أوزوريس" من الأرض بأظافرها، فيضطرون لمواجهة الحياة، وهو منطق النعامة التى تدفن رأسها فى الرمال حتى لا يراها العدو وهو فى رأى "اليوت" – منطق الإنسان المعاصر.
- راجع قصيدة اليوت:
- The Waste Land, Part 1, The Burial of The Dead – Op cit. P. 39
35- مقتبس عن "بودلير" من قصيدة إلى القارىء – راجع بودلير، شارل: أزهار الشر، مصدر سابق ص43، والنص قد وضعه اليوت فى القصيدة كالآتى:
“You! Hypocrite Lecteure! – Mon Sembable, Mon Frere!”
36- Eliot, T. S. : The Waste Land, Part 1, The Burial of The Dead, (In) The Complete poems and Plays,
Op. Cit., P. 37.
37- Eliot, T.S: “Little Gedding”. In (four Quarters) – London, 1952, p. 42.
38- Eliot, T.S.: The Love song of J. Alfered Purterok, in Complete Poems and plays, Op. Cit. P. 5
39- Ibid: p. 6.
40- الصبّاغ، رمضان: حول الشاعر اليوت – مجلة سنابل – القاهرة – سبتمبر – 1970 –ص40.
41- Eliot, T.S.: The Love Song of Alfered Purfordk, Op. Cit, p.7.
42- Eliot, T.S.: On Poetry and Poems New york, 1957, pp. 127 & 128.
43- Eliot, T. S. : The -function- of Crticism - Selected Essays – London – 1948 – PP. 24-25.
44- ولسن، كولن: ما بعد اللامنتمى – ترجمة يوسف شرورو، عمرو يمق – دار الآداب – بيروت – 1969. ص125.
45- اليوت .ت. س.: ملاحظات نحو تعريف الثقافة – ترجمة شكرى عياد – المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر، القاهرة د. ت. ص19.
46- نسبة إلى فيلسوف الثبات (بارمنيدس) الفيلسوف الإغريقى – راجع، عبد الرحمن بدوى – ربيع الفكر اليونانى – مكتبة النهضة المصرية – الطبعة الرابعة – القاهرة – 1975 - ص ص 144-150.
47- اليوت .ت. س.: ملاحظات نحو تعريف الثقافة – مصدر سابق – ص18.
48- المصدر السابق: ص ص 17،18
49- نفس المصدر: ص29.
50- نفس المصدر: ص ص 31،32.
51- نفس المصدر: ص56.
52- نفس المصدر - 56
53- نفس المصدر: ص 109.
54- ولسن، كولن: ما بعد اللامنتمى – مصدر سابق – ص162.
55- ولسن، كولن: اللامنتمى – ترجمة أنيس زكى - دار الآداب – بيروت – 1965- ص14.
56- Plekanove, G: Art And Socal Life, Translated by: A.Finberg, Progress Publishers – Moscow, 2 Nd -print-ing 1974. P. 36

د.رمضان الصباغ

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى