محمد لقاح - أبي رأى النور.. شعر

أعيد الشريط الطويلْ
أعيد تفاصيله كل حينْ
فأثري حياتي
بماضي السنينْ
وليس لديَّ سوى ذكرياتي
تؤكد أصلي
ونوع حضوري.
وكنت صغيرا
وما زلت أذكر...
تفاصيلها بانتظامْ
لأن جذوري تعود إليها
ونوع حضوري تولّد منها
*
*
هناك بركان ينيره ضوء ضئيل
أبي يستعدّ
ليسريَ ليلا كما تعوَّدْ
أبي يستعد ولا يترددْ
وأمي تسابق زحف الظلام
وتفحص بابا قديما بكل اهتمام
تطارد كل الشقوق بطين مبللْ
تحاول خنق الضياء
لتبعد كل عميل
وتضعف كل الأدلة قبل فوات الأوان.
تعودُ لتجلس قرب أبي... تستريح،
وتبقى هناك بقربهْ
ولما يريد لها أن تنام
ويفضي ببعض الكلام
ترد بآهٍ وتغضي
وتبقى أمامهْ
فتدعو له بالسلامهْ
لأنه يخرج عما قريب
كعادته كل ليلهْ
وموقفها يستدر الدموع
فتلمع في خدها قطراتْ
وتدلي بكلمهْ
فيقترب الزوج أكثر
يروض بسمهْ
ويزجي لها الدعواتْ.
وما كنت أدري
بأن اختياره كان مصيراً
وأن طريقه كان عسيراً
لأن هويته وطنيهْ
وكان يقاومْ
لأجل قضيهْ
*
*
أزيح الغطاء بكل هدوء
أسائل نفسي:
غدا هل أراه؟
وما كنت أعلمْ
بأن النهار عليه محرمْ
وأن الغياب دليل حضوره
وكان إذا حان وقت الذهاب
يمد يدا في اضطراب
يصافح أمي الكئيبهْ
ويخطو
ولكن يردّه مني سؤال
متى ستعود؟
وهل في النهار؟
فيبدو عليه انفعال
يلفق شبه ابتسام
ويفضي ببعض الكلام
ويخطو،
فيمتصُّه في الظلام
طريق النضال.
وما كنت أدري
بماذا أفسر ذاك الفراق؟
بماذا يفسر؟
سؤال يحرك عقلي الصغير
ولما كبرت
عرفت الحقيقةْ
عرفت بأن قساوة ذاك الفراق
تعيد الحنان لأصلهْ
عرفت أبي فدعوت لأجلهْ
*
*
وكنت أرى ما يدور
وما كنت أفهم
وكنت أريد أبي في النهار
لأحظى ككل الصغار
بعطف الأبوهْ
بحلوى
بكسوهْ
ككل الصغار
وكنت أريد أبي في النهار
ولكنني لا أراه.
وكنت صغيرا، ولكن بعكس الصغار
تجرعتُ قسوة تلك الحياةْ
*
*
وكنت إذا ما الصباح تجلى
أسائل أمي الحبيبة
متى سيعود؟
وهل سيعود قبيل الغروب؟
أنا لست أقوى على الانتظارْ!
وهل سيعود بما يشتهيه الصغارْ
وبعد التنهد تفضي بمبهمْ
وما كنت أفهم!
أعود أسائلها من جديد
كأي صبي عنيد
فتلثم مني الجبينْ
كعادتها كل حينْ
*
*
وذات زوال
رأيت الرجال كراما
فهذه حلوى
وذا برتقال
أُخذت بما لم أعود عليه
وصرت أباحث كل صغير
أقارن حظي بشيء لديه.
أعود لأمي بكسبي
ويهتز قلبي
وتثقل في قدمي الخطوات
سألت: لمَ العبرات؟
ولكنها لم ترد بأي جواب
ولما نظرت بشبه عتاب
أتتني تقبلني فوق خدي
دعتني إلى حيث جدي
وكان الوقور يعاني اضطرابا
وكان كأمي
ينظف جفنا مذابا.
هناك...
بدأت أعي ما يقال
فهان لدي عطاء الرجال
سألت:متى سيعود؟
ففكر جدي مليا
وأدرك حزني الجليا
فلامس رأسي بلطف وقال:
ومهما يطول به الاعتقال
لسوف يعود
*
*
وعاد
رأى النور...
ثم مضى للخلودْ؛
أبي
لن تضمه تلك اللحودْ
فلي منه هذا الضياء
ولي منه هذا الهواء
ولي منه كل الحياةْ.


محمد لقاح

هذا النص

ملف
محمد لقاح
المشاهدات
45
آخر تحديث

نصوص في : مختارات الأنطولوجيا

أعلى