يوسف عز الدين - يوسف عز الدين بقلمه

ولدتُ في بعقوبة من ابوين عربيين، في دار لها ماض عريق في النسب، ودائر من النشب، لم تبق الايام منهما غير اطياف الاحلام تملأ النفس بالكبرياء والاباء وعزة النفس فقد استحال حاضرها الى ضربة بكل الجديدين ووفرة البنين.
وكان والدي رحمه الله ضابطا في الجيش العثماني تمرس باهوال الحروب وثلوج القفقاس وآب الى وطنه ولم يسر في ركب الحاكمين “الكفار” وابى ان يتسلم منهم وظيفة وعمل حراً في سوق بعقوبة وسرعان ما استصفي ماله وسيق الى السجن واصابته حراب الكواركة فيه ولولا عناية الله لما خرج حيا منه.
وخرج من السجن معتزاً بكرامته فبذل جهده ليذود عن اسرته براثن الفقر وصرف ما كان ادخره فاضطر الى الاستخدام في الدولة بأجر تافه ضئيل.
وامي – اطال الله عمرها – مثل نساء عصرها بذلت كل طاقاتها وجهودها في دفع المسغبة عنا بصبر وجلد وهي ذكية واسعة الأفق قوية الذاكرة لا يتسرب اليها نسيان الحوادث.
واصل اسرتنا من سامراء تركتها بعد معركة دموية يعرفها ابناء سامراء بقي صداها يرن في نفوس الاسرة جيلا بعد جيل.
وقد وجدت اسرتي بحاجة الى عوني، فدفعتني النخوة الى الكفاح ومجالدة الحياة لأعين هذه الاسرة من رهف هدها وفقر اضر بها فدخلت دار المعلمين الابتدائية.
وكنت اطالع كتب الادب كثيرا من منظوم ومنثور فاتلمس اوجاع الشعب واحس بانين المحتاجين وصرخات الجياع وتفرق الامة العربية ووقع سوط الاستعمار في ظهرها فاردت ان اشارك في خدمة هذه الأمة فكانت اول قصيدة لي في (فلسطين) واول مسرحية شعرية لي هي “الوفاء” شرحت فيها حال الفلاح العراقي وبيئة الفقر في الريف.
وشاركت في تأليف جمعية سرية اسميناها (الوحدة العربية) ساقنا تأليفها الى المجلس العرفي العسكري، فتقصفت آمالنا وتفرقت عصبتنا المراهقة ذات الامال الواسعة.
واول بيت نظمته كان في العلم العراقي وكنت قراته لمدرس اللغة العربية في متوسطة بعقوبة فأهانني من جرائه لانني بداته بكلمة (ايه) التي كنت اعبر بها عن شدة المي وعمق همي وقال لي (لن يكون لك شأن في الحياة) ومن الطريف ان يأتي هذا المتنبيء بعد سنوات طوال في مهرجان الكندي ببغداد سنة 1962 من بلده النائي ليعرض علي مقالة له قائلا (لم اجد من اعتمد عليه في العراق سواك) (كذا) والح علي بان ابدي رأيي في مقالته ليرتاح ويطمئن قبل ارسالها الى اللجنة.
نشات في جيل داكن غابر جر وراءه بغض الاستعمار الذي خيم على بلدنا فرأى كوالح الايام وسود الحوادث فكان عصرنا عصرا مجروح الكرامة يرعف الما من نكبات حاضرنا وينتزي ثورة على الدخيل.
ما ارتويت من حنان الابوين اذ كنت ابتعد عنهما لاكمال دراستي طفلا، ولم اقض معهما غير سنين محدودة، كنت اركض وراءهما في قرى ديالى فعشت مضطرب الروح.
نموت وانا اعتمد على نفسي كل الاعتماد منذ سني الثامنة، وفيها علمت معنى الالم وفهمت الهموم والاحزان، فقد عشت مع اقرب اقربائي ولكنهم ما شملوني بعطف وما اسبغوا علي الحنان الذي يحتاج اليه طفل في سني، وقد صنعت تاريخ حياتي بيدي كدا، وحفرت مستقبلي في الصخور دون عون من قريب او مساعفة من صديق وانا اشعر بالرضا والغبطة لاني لم اترك انسانا يمن علي ماديا او معنويا، سوى اساتذة العلم وقادة الادب والفكر ورعاية والدي – رحمه الله – وحبه لي الحب الذي لم اعوض عنه، وما ازال احس بالحنين اليه ماكرت الايام وطال علي الامد.
كان والدي يملأ قلبي بالعطف ويسبغ علي الحنان فقد كان مثلا للطيبة والصلاح والتقوى وحب الخير، ومنه تعلمت موسيقى الشعر فقد كان يحفظ من شعر البادية والعنايا ويسمعني نماذج مختلفة عندما نخرج على ظهور خيولنا في القرى والمزارع.
اول قراءتي كانت المغازي التي غزاها الامام علي بن ابي طالب فقد كانت تملأ قلبي بالرضا ويطفح بالغبطة والفخر والحماسة، ولعل احساسي بواشجة النسب او الدين ربطتني بحيدرة الكرار وشجاعته ، ثم قرأت عنترة وحروبه حتى استفدت كتب الحروب والمغازي الموجودة في المكتبة,.
والقراءة المستمرة صرفتني عن عبث الاطفل ولهوهم، فما تمتعت بما تمتع به الصحب، فقد كنت اخشى اتون مباهاتهم وتعاليهم لشعوري بوحدتي.
فلا عجب ان عشت وحيد النفس تائه الروح اعيش في بيداء من القلق والضياع ولولا القراءة وسعة امالي لتحولت الى انطوائي سوداوي.
وقد ساعدني الموروث الديني والنشأة في المسجد والصلاة والصيام وقراءة سيرة السلف الصالح قوة على الجلاد، وعلى صفاء نفسي، فقد نفت عنها اوضارها، وطهرت اوشابها فكنت كثير الصلاة انتسبت بها كل ما ألم بي خطب، لاخلص من حياتي الحيرى وواقعي المضطرب، لان حياتي لم تكن تساعفني بمطالبي الروحية طفلا وما ملأت فراغ وجداني مراهقا، وطالبا للعلم.
وقد جرح وجداني في دور المراهقة فزاد الجرح في غربة روحية وضياع وجداني ودخلت متاهة الضليل في بيداء الفاقة الروحية الواسعة باحثا عن نسمات حنان واطياف عطف لأسد بها جوع الروح وسغب الاحساس.
عشت في افكار الفرسان طموحا ثائرا ، وسارت دراستي اعتيادية ولم اكن متخلفا، وحدثني احد اترابي من سني الاولى والثاني من الابتدائية بانني كنت احصل على اكثر الجوائز وما زال يذكر غيرته مني، ورغم بعدي عن والدي خلال دراستي فقد حافظت على النجاح رغم ما كنت اعانيه من الفراغ الروحي وكنت الثاني على صفي في الدراسة الابتدائية والثالث على لواء ديالى.
كانت اول مظلمة تجرعتها صابا وعلقما من مدير معارف في ديالى، فقد نبذني بعيدا عن اسرتي بعد ان وافق على تعييني قريبا منها لأن احد اصحاب النفوذ شاء ان يأخذ المكان الذي اردته فاستجاب المدير لمشيئته وسرعان ما قلب لي ظهر المجن عند دخول المتنفذ عليه فجرح كبريائي وحطم عزتي وزعزع ثقتي برؤسائي فخرجت من حجرته اجرر رجالي يأسا والما وتابعت دراستي للادب القديم والحديث وكثر محفوظي منهما لن القراءة والانكباب على الدراسة بعيدا عن اوضار حياتنا خلقنا مني انسانا جديدا تميز عن اخوانه المعلمين بالشعر والكتابة فوجدت نفسي اكبر من عملي وساعدت البيئة على بروزي وظهوري شاعرا وخطيبا.
ما كنت اقدر على اكمال دراستي وانا معلم محدود الدخل فكرهت الحياة وكرهت يومي وبرمت بحاضري فقد كان مركزي الاجتماعي ونظرة المجتمع الي رغم ما انا فيه لا يملآن روحي رضا او يسعدانها.
واتاني الفرج عندما تسنم وزارة المعارف صادق البصام فقد كان له صلة قربى في بلدتي بعقوبا، وبسبب ذلك، ومن اجل مكاسب سياسية كان يطمح اليها، وافق على منحي اجازة دراسية مع اثنين معي من بعقوبا، بعد ان رفض الوزير الذي قبله منحي ومنح زميلي الاجازة.
فذهبنا نحن الثلاثة الى كلية الاداب في الاسكندرية للحصول على الشهادة المفتاح الذي يفتح للانسان الابواب المغلقة ويبدل عبوس الناس وجفاءهم الى ابتسام وترحيب، وبالشهادة اعدت لنفسي كرامتها ولروحي الرضا رغم اتون المعارضة الذي ثار من جميع جوانب حياتي فنحن نعيش في مجتمع برجوازي لا مكان لنا به الا بالمال او الجاه الموروث.
وقد كنت اتمنى ان ادخل كلية الحقوق التي كنت احسبها طريقا للدفاع عن ابناء الشعب المظلوم لاقوم بجزء من امالي في الذود عن الفقير والمحتاج والمعوز لكن الانظمة دفعتني الى الاداب.
وصلت الى مصر في شهر شباط 1946 ولم تبق من الدراسة غير شهور محدودة ويأتي الامتحان فضج الصحب واكدوا اخفاقي، غير ان السنة مرت بسلام لان الخوف من الخيبة دفعني الى النجاح المتوالي والتفوق الذي ما كنت اتصوره ثم حصلت على جائزة التفوق الرمزية عندما تخرجت ووشحت شهادتي بعبارة (الشرف) مطمح الدارسين وامنية الطلاب.
واعادت لي مصر ثقتي واعتزازي بكرامتي، وكنت موضع ثقة اساتذتي وتقدير الكلية وهناك انشات مع جماعة من الطلاب العرب في الكلية جمعية وسمت منزلتي وسرى الاطمئنان بين اعطافي وترنحت روحي لما اختارني استاذي محمد خلف الله طالبا لدراسة الماجستير. وركز هذا الاستاذ ثقتي بنفسي وسدد خطاي وانعم علي بتوجيهه وارشاده. وأتيت الى بغداد مزهوا بالماجستير وبكلمة الشرف التي حصلت عليها ارغب في تعييني في احدى الكليات فقوبلت بجفاء وخشونة فاداني الى ثورة مكبوتة ونقمة شديدة وشعرت باني وحيد لا نصير لي ولا سند.
وكان التحدي وكانت اجازة دراسية اخرى انفع بمالها علي فما امشي لأوفر القرش الصاغ ولا احاسب نفسي على الملاليم التي اصرفها وكانت لندن مثابة السفر ومنتجع الشهادة التي كان يتباهى بها المتخرجون انينها متحديا وراغبا وخائفا مبتعدا عن وطني فقلت:
وما عن هوى قد جئت لندن طالبا
ولكن قومي يستزيدون في الذكر
يقولون فيها كل ما يطلب الفتى
من العلم والعرفان والفضل والفخر
ومن جاء منها (بالشهادة) ظافرا
هو العلم الهادي ولو جاء بالكفر
ولو انصفوني في بلادي لما رأت
عيوني هاتيك البقاع مدى الدهر

كانت كراهيتي للاستعمار مرتبطة بلغته لذلك رغم تخرجي في كلية الاداب لم اشعر بلذة في تعلم لغته فانصرفت بعد عودتي من مصر الى اللغة الفرنسية ادرس منها ما فاتني دراسته في مصر واركز عليها فشعرت بانني استطيع التحدث بها.
ولما سافرت الى لندن استفدت كثيرا منها ومن التركية التي درستها في مصر وافدت منهما في استانبول وباريس.
ولما وصلت الى لندن وقابلت استاذي المرحوم الفردكيوم حولني على استاذ مساعد له فطلب مني ان ابقى سنة احضر فيها امتحان تعادل الليسانس، ولم تفد كلمات الاحتجاج والايضاح التي اخبرته بها ياتي حصلت على الماجستير واريد الدكتوراه.
كان علي ان ادرس اللغة الانكليزية من جديد واستحضر تلك الدراسات التي درستها في المدارس والجامعة وانغمرت في دراستها وسرعان ما وجدت نفسي اخب فيهما، واسرع تحدثا، وارضي المدرسين كتابة.
وعندما كنت اقارن بين اللغة العربية والانكليزية عندي تهتز ثقتي بنفسي فاكب ليل نهار واكثر من الدراسة فكانت اللغة شغلي الشاغل، وقد ساعدت البيئة الانكليزية على سرعة تعلمي لها.
وبعد ثلاثة اشهر طلب استاذي مني ان اكتب مقالا في الادب العربي باللغة الانكليزية وبعد اسبوع جاءتني رسالة تخبرني باني سجلت في الماجستير واعفيت من امتحان المعادلة ولكني لم اترك دراسة اللغة بل زاد تعلقي بالادب واخذت اتذوق الادب الانكليزي واصرف له من وقتي جانبا الزمت نفسي به واقتنع استاذي بعملي فحولت الى الدكتوراه بعد ستة اشهر فاحببت البقاء في لندن وشعرت بغرور ولكن سرعان ما فكرت في المصير الذي ساصير اليه من جراء هذا الغرور فكبحت جناحي وعملت حتى انتهيت من الدكتوراه ورفضت ان اعمل في الجامعة التي تخرجت فيها، واخذ برد العلم ينساب الى روحي وهدأ وجداني الى البحث واستراحت روحي الظماى الى البحث والتدقيق والتأليف وبذلك نزل الربان الهولندي الى الساحل.
وعدت الى بغداد وطلبتني الكليات التي كانت رفضتني متخرجا في جامعة مصرية، فاثرت كلية الاداب وعملت فيها معاونا للعميد واحببت عملي كل الحب، وانتجت وانصرفت الى الانتاج، ولولا الصراع المرير من اجل لقمة العيش والمحافظة على المظهر ازداد انتاجي وسرعان ما تركت العمل الاداري بعد ان وجدت نفسي مفيدا بامور لا يمكنني ان امارس حلها وكرسيا لا اقدر على التخلص من سيطرته وسحره.
وطلب مني المرحوم الدكتور ناجي الاصيل ان اكون امين المجمع العلمي العراقي الذي ما فرطت به رغم ما عرض علي من مناصب يتحلب لها اشداق الطامعين!.
وعندما دعاني الاصيل رحمه الله لم يجد في نفسي اندفاعا لاني وجدت من هم اسبق مني في العمل واخرى به، وكانوا يتزاحمون عليه بالمناكب وشرفت بعضوية المجمع وامانته العامة منذ سن قانونه ولكني لم افارق محاضراتي في كلية الاداب التي احببتها واحببت فيها عملي الجامعي.
ما بخلت على نفسي بالدراسة فلم اقف عند القرآن الكريم فقد درست الانجيل والتوراة وتعرفت على مذاهب ونحل وفروع متباينة واتاحت لي فرصة السفر الدراسة المنظمة للانظمة الاشتراكية واراء قادة الرأي مثل ماركس وانكلز ولنين وماوتسي تونك، كما درست اراء الاشتراكيين الغربيين فخرجت بنتيجة واحدة هي ان يكون الانسان عادلا بعيدا عن الاثرة يحب لنفسه ما يحب لاخيه.
انا احب الناس وما دخل قلبي بغض لأحد منهم لا يعاني بان الحب يغير كثيرا من النفوس الخيرة التي غيرتها المصائب.
احاول ان اعوض بحبي للناس وخدمتهم ما فقدته من حنان المجتمع وبر الحياة وما كرهت شيئا في حياتي لأن الكراهية مرض يفتك بالنفوس ولا يحمل الحقد من تغلو به الرتب.
وقد جنيت ثمرة هذا الحب في حياتي في اصدقائي الكثيرين ومعارفي الذين لا احصيهم عددا فانا اترك في كل بقعة من بقاع العالم بصمة من بصمات قلبي واثرا من آثار وجداني تتحدث بالحب وتطفح بالشوق وقد خلقني الله الوفا ففي الهند والصين وموسكو وطاشقند وكندا والمانيا وانكلترا وفرنسا وهولندا وبلجيكا والقاهرة واثينا وصوفيا اجد الاحباء والاصدقاء وهذه ثروة لا يعد لها المال، ولا يعوض عنها النشب، ولا يعرف حلاوتها الا القليل.
وقد شرفتني جمعية المؤلفين والكتاب العراقيين بانتخابات متتالية بامانة الجمعية لسنوات ومنحت هذه السنة (1969) شرف الرياسة.
ما تأثرت باديب او شاعر انما كنت اتأثر بقصائد او اثار من الرصافي والمتنبي والجاحظ وعمر ابي ريشة والصافي النجفي والشبيبي الكبير والاخطل الصغير وشوقي والبارودي واوثرهم على غيرهم.
هذه حياتي حقيقة كما هي صورت باسلوب ظهر حزينا خلاف ما ألفه الاخوان من ابتسامة دائمة واشراقة ترتسم على وجهي وصدر رحب، احاول ان اعوض بضحكي ومرحي عما افقدتني اياه الايام ويجد الباحث صداه العميق في شعري.

عن كتاب (شعراء العراق في القرن العشرين) 1969


هذا النص

ملف
يوسف عزالدين
المشاهدات
29
آخر تحديث

نصوص في : مختارات الأنطولوجيا

أعلى