لى يبى - عن الثورة عند كانط وماركس. ترجمة: د. رمضان الصباغ

المشكلة

عند القراءة السطحية لما كتب عن الثورة من كانط وماركس ، فإن المسافة بينالفيلسوفين لا يمكن أن تكون كبيرة . وغالبا ما يعتقد بأن كانط يعد مدافعا عن الإصلاح والتحرر السياسي التدريجي ؛ وينظر الى ماركس باعتباره منظرا ثوريا بامتياز. ويؤكد كانط تفوق إرادة الخير على الطبيعة؛ بينما يصر ماركس على أن مثل هذه الإرادة الخيرة تتوافق مع عجز وكساد وتعاسة البرجوازية الألمانية، التى كانت لها اهتمامات تافهة لم تكن قادرة على التطور إلى المصالح الوطنية المشتركة للطبقة . وكانت الحرية بالنسبة لكانط تعد حقيقة من حقائق العقل؛ أما بالنسبة بالنسبة لماركس فإن العقل قد تم بناؤه اجتماعيا . قال كانط بأنه يقدر دور العلاقات التعاقدية لتأسيس الدولة، في حين أن ماركس قد تسخر من هذه الفكرة باعتبارها أشكالا تخفىالإكراه الاجتماعي .

يبدو التباين أكثر وضوحا مع الإشارة إلى قضية محددة عن الثورة. نفى كانط الشهير للحق في الثورة ، في حين يعتقد ماركس بضرورة الثورة ذلك أن السؤال المعياري بشأن قبولها لم يكن حتى بدا كسؤال مباشر . بالنسبة لكانط، "ليس هناك حق فى التحريض على الفتنة (seditio)، ناهيك عن الحق فى التمرد (rebellio)، وأقل من ذلك كله هو أنه ليس هناك حق ضد رئيس دولة [...] لمهاجمة شخصه أو حتى حياته. بالنسبة لماركس، والشيوعيين" يتم الاعلان صراحة بأن الغايات لا يمكن أن تتحقق إلا عن طريق الإطاحة القسرية بجميع الظروف الاجتماعية القائمة . يعتبر كانط أن أي محاولة للاستيلاء على الدولة تعد خيانة عظمى ، ويقول ان "كل من يرتكب هذه الخيانة يجب أن يعاقب ليس بأقل من الموت لمحاولةته تدمير وطنه . ويعلن ماركس يأن علينا أن" السماح للطبقات الحاكمة با تقشعر منالثورة الشيوعية! "لأن لبروليتاريا" ليس لديها شيئا لتخسره إلا سلاسلها ".

هناك بالفعل الكثير من الأدلة النصية لدعم الرأي القائل بأن كانط قد أصابه ماركس في "الثامن عشر من برومير" إذ يدعو "البرلمانية بالبلاهة ، "والإيمان الساذج في إمكانية تعزيز الإصلاح تدريجيا وفي حدود الأطر المؤسسية المعينة، وفي نهاية المطاف الاعتراف بالهزيمة عندما تنتهي هذه المؤسسات الى الفشل في أداء دورها فحسب . وهناك أيضا، إلا أن الأدلة النصية التى على أساسها نحن قد أقمنا السرد المضاد حول كانط وماركس . كانت قراءة ماركس لكانط في مسيرته وفي تلك المرحلة في وقت مبكر ويبدو أنه قد فضل الفيلسوف البروسيإلى على ممثلين لاحقين للمثالية الألمانية . في رسالته الشهيرة إلى والده ( رسائل ماركس المبكرة متاحة لنا) ، وقد اعترف ماركس الشاب أنه قد تم الهامه بعمق من خلال المثالية كانط و"فختهFichte " وقد أكد في وقت لاحق على أنه يجب أن تكون فلسفة كانط هى "النظرية الألمانية للثورة الفرنسية" . وليس من الضروري أن تقرأ على أنها نقد. وهذا صدى لحكم صديق ماركس وشريكه "هاينريش هاينه Heinrich Heine "، الذي نقد كتاب كانط "العقل الخالص" إيذانا ببداية "الثورة الفكرية في ألمانيا". ويعتقد " هاينه بأن "هذه الثورة، قدمت "أغرب تشابه مع الثورة المادية في فرنسا "، وتبدو أنهما" متساويين فى الأهمية . وكانت "إشارة "إنجلز" في وقت لاحق لكانط في محاولة لصياغة التحديات التي تواجه الحركة الثورية تبدو الحركة أيضا وفقا لهذه التصريحات. وكما يقول "حزبنا"، لديه الإثبات بأن إما كل الجهود الفلسفية للأمة الألمانية منذ كانط وهيجل غير مجدية، وأسوأ من غير مجدية، أو أنها يجب أن تنتهي في الشيوعية.

ومن الواضح حينئذ، تم استدعاء الماركسيين لكانط لم يكن بطريقة نقدية فحسب ، لكشف الحدود السياسية للمثالية الألمانية، ولكن أيضا بطريقة بناءة أكثر ، للتنقيب عن إمكاناتها التحررية . ومع ذلك، فإن العديد من الاعتبارات في الأدبيات أهملت هذا اللقاء الأخير، والأكثر تعاطفا . حتى عندما تم تسليط الضوء على الاستمرارية وليس الاختلاف ، فقد كان الاهتمام مكرسا أساسا لتحليل تأثير كانط على فروع الماركسية التي التزمت بالإصلاح (أكثر من الثورة) كما هو الحال مع الدراسات التى تدرس تأثيره على الاشتراكيين الفرنسيين والروس مثل "جان جوريس Jean Jaurès " ، "تشارلز رابوبورت Charles Rappoport " ، و"نيكولاي برديائيف Nikolay Berdyaev " ، وعلى الماركسيين النمساويين مثل "أوتو باور Otto Bauer "و"ماكس أدلر Max Adler "، وعلى ممثلي ما يسمى "مدرسة ماربورج Marburg School "بما في ذلك "هيرمان كوهين Hermann Cohen "و"بول ناتروب Paul Natorp" أو على الاشتراكيين الديمقراطيين الألمان مثل "إدوارد برنشتاين Eduard Bernstein " .

في ما يلي، أتابع التحليل المقارن المباشر لبعض النصوص ذات المغزى لكانط وماركس . هذا مثير للاهتمام من منظور تاريخي في أنه يدعم قراءة نظرية ماركس عن التقدم في تواصلها مع المثالية في عصر التنوير، وتدعم أيضا قراءة فلسفة كانط عن التاريخ باعتبارها حساسة للشروط المادية للتطور التاريخي . تحديد القواسم المشتركة المحتملة حتى حيث تبدو قوة الارتباط في البداية أضعف، وذلك أنه ، في تحليل كانط وماركس للثورة، يسلطرضوءا جديدا مثيرا للاهتمام على فكر كل من المؤلفين . لأنها تتيح لنا قراءة كانط باعتباره منظرا للتغيير الاجتماعي والسياسي وتفسير ماركس على أنه الفيلسوف الذي ورث الجهاز المفاهيمى للتنوير ، بدلا من تخريبه .

التحليل المقارن لوجهات النظر كانط وماركس عن الثورة أيضا تم تشجيعها من منظور معياري . الحسابات الموجودة لشرعية الثورة تميل إلى التركيز إما على قدرة الثورة على الدفاع على أسس أخلاقية فردية، أو فى نقدها من المنظور القانونى المؤسسى . كما سنرى قريبا، فإن النقطة التي تداخل فيها تحليل كانط وماركس غير قابلة للاختزال إلى إما الأخلاقية الفردية أوالقانونية المؤسساتية . فهى تتعلق بالدفاع عن دور الوكالة الجماعية في الأحداث السياسية الحويلية التي، أولا، تعمل على إعادة صياغة حدود الإمكانية السياسية ، وثانيا، أن تلعب دورا تعليميا حاسما في تحفيزالمبادرات التحررية فى المستقبل .


كانط والثورة

أي محاولة لإعادة النظر في تحليل كانط للثورة ووضع هذاالتحليل جنبا إلى جنب مع تحليل ماركس سوف نبدأ بمواجهة الغموض . رفض كانط في كتاباته السياسية والقانونية دون ترددالحق في الثورة، ولكنه كان واحدا من مؤيديها بحماس عاطفي عندما وقع الحدث تاريخيا . ويعتقد أن عند تلقي خبرقيام الجمهورية في فرنسا، هتف الفيلسوف البالغ من العمر 65 عاما : "الآن أستطيع أن أقول مثل سيمون:" ربى دع عبدك يموت بسلام، لأني عشت بالفعل إلى هذا اليوم الذى لا ينسى! " .

تزخرالسيرة الذاتية لكانط فى ذلك الوقت بروايات عن كيف كان كانط يتابع تطور الثورة الفرنسية، والقراءة بشوق للصحف اليومية والسعي بإصرار وراء أحدث الأخبار كلما عاد إليه أصدقاؤه من زيارة إلى البلاد أو يمكن أن وجهات نظر غير خاضعة للرقابة . في وقت الأحداث في فرنسا، كانت ملاحظات صديقه "يوهان بنيامين ياخمان Johann Benjamin Jachmann" ( 1765- 1832 )، ترى أن محادثة "كانط " "فقدت بعضا من تنوعها المدهش ، وتفيد تقاريره بأن "الثورة، شغلته تماما؛ فقد ربط كل شيء بها ولم يفتقر إلى ملاحظات مفيدة حول سيرحركة وشخصية أبطالها. وعلاوة على ذلك، خلافا للعديد من المفكرين الألمان الآخرين، الذين اعتنقوا في البداية المبدأالثوري إلا أنهم سحبوا دعمهم خلال سنوات الإرهاب، بدا "كانط" ثابتا على رايه . وكما قال وتلميذه والمتعاون معه" نيكولفيوس Nicolovius" ، كان "كانط " غالبا ما اصر على "أن كل الفظائع التي جرت في فرنسا كانت لا شيء مقارنة مع عاناة أولئك الناس إ في ظل نظام استبدادي، وأن اليعاقبة ربما كانواعلى صواب في جميع أعمالهم .

لم يقتصر أولئك المعاصرون ل " كانط" الذيين وثقوا موقفه وجها لوجه مع الثورة الفرنسية على الإشارة إلى تعاطف الفيلسوف الحماسى مع هذا الحدث ؛ بل أقاموا أيضا علاقات واضحة بين تعاطفه السياسي ومجموع أعماله الفلسفية . وتاتى إشارة واضحة بشكل خاص في رسالة مؤرخة في 15 من يونيو 1793 أرسلت بواسطة تلميذ "كانط، " "يوهان غوتفريد كارل كريستيان كيزفيتير Johann Gottfried Carl Christian Kiesewetter" ، الذي ظل "كانط" علي اتصال حميم به طوال حياته . كتب "كيزفيتير " ، " كان كل فرد حقا حريصا على رؤية وظهور النظام الاخلاقى الخاص بك ، و كثر من ذلك أن الجميع الآن منذ الثورة الفرنسية قد حفزوا جملة من هذه الأسئلة من جديد . أناأعتقد أن هناك العديد من الأمور المثيرة للاهتمام أن يقال عن عقلانية المبادئ الأساسية التي تعد أساسا للجمهورية الفرنسية نفسها ، إذا كان من الحكمة أن أكتب عن مثل هذه الأمور فحسب .

تلقى هذه الملاحظات ا الضوء المتشكك على المحاولات التفسيرية الأخيرة لفصل تأملات كانط المنهجية عن الثورة فى موقفه التاريخي وجها لوجه مع الأحداث الفرنسية وتعاطفه معها ىباعتبارها مواطنا عاديا . يمكن ويجب أن يكون عمل الفياسوف في عيون معاصريه، يناشد تقييم الظروف السياسية الجارية . ومع ذلك، هذا يجعل غموض موقف كانط من الثورة يصعب حله . كيف استطاع " كانطط أن يقر بحرارة ممارسة هذا الحدث الذي يبدو أنه قد أدين بحزم في نظريته ؟ كيف يمكن للمرء أن يعقل ملاحظات "كانط " في مذهب الحق بأن " السلطة التشريعية القائمة حاليا يجب أن تطاع، أيا كان مصدرها "؟ . وكيف يمكن لتفاصيل هذه السيرة الذاتية أن تتلاءم مع فكرة "كانط " عن أن "الناس عليها واجبا لطرح حتى ما يعد اعتداءا لا يطاق من السلطة العليا .

والطريقة الوحيدة خلال المشكلة هي أن نأخذ على محمل الجد تصريحات كيزفيتير حول تهديد الرقابة والحاجة إلى المضي قدما بحذر عندما ربط وجهات نظر "كانط " مع أفكار الثورة الفرنسية . وتشير هذه القراءة إلى تجنب سلطات الرقابة البروسية، قد يكون "كانط" شعر بالحاجة إلى الإدانة العلنية للوسائل المستخدمة من الثوار الفرنسيين لكى يناصر قضيتهم. في هذه الحالة، رفض كانط الحق في الثورة يمكن تفسيره على أنه يرتكز على اعتبارات الحيطة . وينظر إلى تأكيدات كانط على أنها استجابة استراتيجية للريبة ، إذا لم يتم فتح العداء، حيث تعامل السلطات البروسية أي مثقف يحاول التعامل مع موضوعات الفكر لتقويض النظام المؤسسى القائم ويمكن بعد ذلك أن ينظر إلى إنكار الحق في الثورة على أنه تنازل يهدف إلى طمأنة السلطات حول الطبيعة المعتدلة المذاهب "كانط " الفلسفية.

هذه الرسالة ليست غير قابلة للتصديق. ومع ذلك، يبدو إهمال حقيقة أن كانط لم يرفض دائما الحق في الثورة . وقد كان في كتابات سابقة، تتبع التمييز بين "التمرد" و "المقاومة" من أجل انتقادا لسابق وتقديم اعتبارأكثر دقة للأخير. ولكن حتى لو كانت أطروحةالرقابة الذاتية صالحة، فإن تبرير السكوت عن الحق في الثورة ليس من نوع الرفض الواضح الذي نجده في مختلف مقاطع مذهب الحق . كما يقول "كانط "في رسالته في وقت مبكرإلى "موسى مندلسون Moses Mendelssohn "، بعد كل شىء "على الرغم من أنني واثق تماما من أشياء كثيرة فانني لا ليس لدي الشجاعة لأقولها ، وأنا لا يجوز أبدا أن أقول أي شيء لست اعتقد فيه .

يؤكد تحليل بديل على الظروف التاريخية التي بموجبها كانت الثورة يمكن أن تحدث في بروسيا، موضحا موقف كانط مع الإشارة إلى التخلف النسبي للشعب الألماني الذي لا يمكن أن يعتبر على استعداد لمثل هذا التطور الراديكالي . ولكن في أماكن أخرى،لا يبدو كانط حريصا على حجج من هذا النوع. بشكل خاص . على حد تعبيره في حاشية أضيفت في عام 1793 إلى "الدين في حدود العقل وحده " Religion within the "-limit-s of Reason Alone، قدم إشارة ضمنية ولكن واضحة إلى الثورة الفرنسية:

أعترف بأنني لست مرتاحا مع هذه الطريقة في الكلام والتي حتى الرجال الأذكياء معتادين على استخدامها : "إن بعض الناس (العازمين على تأسيس الحرية المدنية)لم ينضجوا بعد للحرية ". "إن عبيد ملاك الأرض ليسوا جاهزين حتى الان للحرية"؛ وهكذا أيضا، قال "الناس بشكل عام لم يحنالوقت بعد لحرية المعتقد".لن تأتى الحرية وفقا لهذا الفتراض ، لأننا لا يمكن أن ننضج لها إذانحن لم نكن من مؤسسيها بالفعل .

ومن المؤكد أن كانط يصر على، فإن المساعي الأولى سوف تكون أكثر صعوبة عندما يعمل المرء تحت القيادة بل وأيضا فى حماية السلطة . ومع ذلك، وكما يقول، "نحن لم ننضج للحرية الا من خلال محاولاتنا الخاصة (ويجب أن نكون احرارا في أن يسمح بالقيام بها) . ومن الواضح إذا، أن تخلف الشعب البروسي لا يمكن أن يمنعه من قبول الحق في الثورة ، وقدم تبريرا أخلاقيا على إمكانية وجوده .

تؤكد القراءة الثالثة لموقف "كانط" على أنه لا يوجد أي توتر بين تأييده للجمهورية الفرنسية ورفضه للحق فى الثورة . بعد كل شيء، لا يمكن اعتبار الأحداث في فرنسا ثورية بشكل صحيح لأنها نتجت عن اجتماع جنرالات المقاطعات ،الذين كان يمكن اعتبارهم بشكل معقول الممثلين الشرعيين للسلطة السيادية . كانت الثوريون الوحيدون في هذه الحالة "لويس السادس عشر Louis XVI" وأولئك الذين وقفوا معه. من ثم فان النقد الكانطي موجه الى البوربون وكرد فعل على ثورة الفنديانيين Vandean، ولحرب الثورة المضادة ضد فرنسا، ولموقف انجلترا التدخلى دعما للنظام القديم . ومع ذلك فى قراءة مماثلة، ، فشلت فى ملاحظة دعم كانط الواضح في قضية أخرى، لحركات غير رجعية، مثل الثورة الأميركية والمقاومة الايرلندية. هنا،فإن الدليل الحجج مماثلة لتلك المذكورة أعلاه أن يكونمن الصعب تحديده .

وأخيرا، فإننا قد تميل الستبعاد الكامل للمسألة بالقول بأن رفض كانط الحق في الثورة ليس اشكالية بالمرة ، بالنسبة لما يعتي "كانط " حقا انكاره هو الحق القانوني في الثورة ليس ادعاء الأخلاقية للإطاحة بالحكومة غير الشرعية . وإذا نحينا جانبا المسألة المعقدة للعلاقة بين العدالة والأخلاق، وكلفة عزل المفهومين فى فكر كانط ، ويبدو أن الاعتراض على إهمال حقيقة أن الحق في الثورة قد انتقد ليس فقط في كتابات "كانط" القانونية ولكن أيضا في مقالات أخرى (على سبيل المثال، السلام الأبدى Perpetual Peace) حيث يصبح المبدأ الذى يدعى الاستناد إليه متناقضا عندما يتم تعميمه . هنا يتجذر بعمق السند المنطقة لنقد "كانط " في فلسفته الأخلاقية ويسلط الضوء على عدم توافق الثورة مع ما يدعو كانط "الصيغة المتعالية للحق العام ": جميع الإجراءات المتعلقة بحقوق الآخرين تعتبر خاطئة إذا كانت غير متوافق مع االذيوع. . بل ومبدأ الثورة، حتى ضد الحكومة الظالمة، ويتعارض بالتالي مع مبدأ العلنية ،لأنه إذا تم الاعتراف بالمبدأ صراحة، "فمن شأنه أن يجعل غرض المرء الخاص مستحيلا .
ربما كانت الاستجابة الأفضل هى العتراف بأن غموض موقف "كانط " يصعب الغؤه على الرغم منأنه لا ينطوي على أي تناقض . ويجب أن يوضع التركيز في هذه الحالة ليس على تبرير تصرفات أشخاص معينين في الظروف السياسية القائمة ولكن على عرض أسباب الثورة من وجهة نظر من الجنس البشري . إذا كان لنا أن نميز في الرؤيتين،ونحن نفهم كيف حدث ما يبدو من الصعب تبريره من وجهة نظر الأفراد ويمكن أن ينظر إلى المساهمة في التقدم البشري حالما دوافع الفاعلين وتصرفات المشاهدين كشفت عن أنفسهم بشكل علنى . ان موقف كانط في هذه الحالة يبقى محيرا ولكنه منسجم بوضوح، حيث يقول أحد الكتاب "،من المسموح لنا أخذ المستندات المتناقضة، إذا نحن كنا حريصين بما فيه الكفاية لضمها إلى مختلف الموضوعات ". في هذه الحالة، سيكون بوسعنا تحويل التركيز عن الكتابات التي فيها يرفض كانط صراحة الحق في الثورة ضد الحكومات الشرعية إلى تلك التي فيها تفضى العملية التاريخية إلى إنشاء العلاقات السياسية المنصفة التى يعتقد بأنها تساهم في تحرر الإنسانية الأخلاقي .

ومن المثير للاهتمام، وهذا هو المكان الذي يبدأ التشابه مع ماركس الكشف عن نفسه . وعلى الرغم من التفسيرات المختلفة، تظهر الميزات المشتركة إذا بدأناالاستفسار عن طريق الؤال ليس عن كيفية تبرير الثورة بل كيف لا لايتم تبريرها . كما سنرى قريبا، كلا المؤلفين يتشككون فى ما يمكن أن نسميه الأخلاق الفردية وبالمؤسسة القانونية . وهذا يعني، على حد سواءاعتبارهما مضللتين للإجابة على السؤال عن شرعية الثورة إما عن طريق استدعاء الآراء والأفكار الأخلاقية الفردية في الحكم على قبول الإطار المؤسسي المعين أو بالاحتكام إلى الفهم القانوني للسلطة السياسية. بدلا استراتيجيتهم التبرير، إفإنه يمكننا أن نتحدث حول المبرر على الإطلاق، وهو تأييد وجهة نظر الوكلاء الجماعيين ذوى الصلة التاريخية والتفكير في مساهمتهم في التقدم الأخلاقي للجنس البشري . بالنسبة لكانط كان هؤلاء الوكلاء الجماعيين ذوى الصلة تاريخيا بمثابة الدول الجمهورية ؛ بالنسبة لماركس هذا الدور قامت به الطبقات الاجتماعية . تعيد العملية الثورية التي من خلالها تنعكس هذه الوكالة تشكيل حدود الجدوى السياسية وبمثابة برنامج تعليمي للمبادرات التحررية في المستقبل. تسليط الضوء على التشابه بين هذين المفكرين في توضيح دور الثورة فيما يتعلق هذين البعدين هو مهمة المقاطع المتبقية.

الحماس الثوري

ويأتى دفاع كانط المعروف من الثورة الفرنسية أكثر وضوحا في مقال له عن صراع الكليات The Conflict of the Faculties. وقد ظهرت للعيان من خلال محاولة التغلب على الشكوك حول إمكانية التقدم الأخلاقي، وتقديم ضمانة من آثار الضرورات الأخلاقية في العالم التجريبي. وينشا السؤال نتيجة للحاجة إلى توضيح شروط نجاح الفعل الأخلاقى ، والتوسط بين القيود الناجمة عن طبيعة ومطالب العقل . وهذا، بعبارة أخرى، السؤال حول جدوى الضرورات الأخلاقية وإمكانية للعمل الإنساني للتغلب على قيودالوضع الراهن .

بينما يدافع كانط في أعماله السابقة عن إمكانية الانتقال من الطبيعة إلى الحرية من خلال التذرع بالتدخل الحميد للطبيعة لتسهيل تنفيذ المشروعات الأخلاقية الإنسانية، ونحن نسعى في المقال إلى دراسة هذا النوع من الحدث بشكل مختلف . لم يعد وضع التركيز على كيفية تسهل طبيعة التعاون الإنساني للتحضير لتطويرالأخلاق (كما هو الحال في كتابات مثل فكرة عن التاريخ العالمي أوفي مقال على استخدام المبادئ الغائية في الفلسفة) . على العكس من ذلك، في أعقاب التطورات المنهجية لنقد ملكة الحكم ، وصراع الكليات يعد عاملا موجها ويركز على تصرفات الكائنات البشرية الموجودة تاريخيا .

يدرك كانط الصعوبة الغريبة لمثل هذا التغيير النشىءعن التركيز . سبب الصعوبة، كما يقول، هو أنه في التساؤل عما إذا كان هناك تقدما في التاريخ ونحن ننظر إلى تصرفات البشر الأحرار ، الذين تامرهم الأخلاق بما يجب القيام به ولكن فقط دون أن يتمكنوا من التنبؤ بما سوف ينتهي بهم ذلك . وللتساؤل عما إذا كان التطور الأخلاقي المعين هو الوسيلة الممكنة لتكون قادرة على الانفراد بالتجربة التي،"كما حدث،" تشير إلى "تصرف وقدرة الجنس البشري ليكون سبب تقدمه الخاص . ولكن القول بأن شيئا ما يعد ممكنا ليس كالقول أنه سيحدث . من السبب المعطى يمكن أن يكون التأثير متوقعا فحسب ، ويقول كانط، إذا "ا تسود لظروف التي تسهم في ذلك." وحتى إذا كان يمكن اعتبار مثل هذه الظروف المواتية سائدة فيما مضى ، وإنه سيكون من الصعب أن نستنتج أنهم سوف يفعلون ذلك دائما. كل ما يمكن أن نحصل عليه باعتباره نتيجة لتحديد الحدث الذي كشف التصرف الأخلاقي للبشرية في الماضي ليس "قضية التاريخ"، ولكن مجرد "علامة تاريخية". وهذايمكن أن يكون علامة تساعد باعتبارها مثالا لتوضيح ميل الجنس البشرى ككل ورأيناأنه ليس باعتباره [مجموع] الأفراد" ولكن "، كما قسم في دول وامم .

من ثم يبحث كانط، عن أدلة على التقدم ليس في حياة الأفراد ولكن في تطور البشر باعتبارهم وكلاء جماعيين مجسدين مؤسسيا الجماعية. وكان تحليله لتطوير القدرات البشرية من خلال إنشاء المؤسسات الجماعية لا يختلف كثيرا عن تركيز ماركس على البشر بأنهم "كائنات نوعية،" حيث يعبر "النشاط الحيوي الواعي" في الإنتاج المادي عن حياتهم وما يتصل أبنفسهم باعتبارهم كائنات شاملة وحرة . وسنعود إلى هذه النقطة في المقاطع التالية. ولكن قبل أن تفعل ذلك، ولكى نفهم بشكل كامل علاقة التشابه ، نحن بحاجة إلى دراسة طبيعة "الحدث" من خلال وكالة تقدمية يتم التعبيرعنها . هذا النوع من الأحداث، كما يقول كانط، يتألف لا في حساب الإجراءات الكبيرة أو الجرائم التي يرتكبها خاصة قادة العالم التاريخيين (ونحن هنا قد نفكر فى قرن فولتير للويس الرابع كنموذج Voltaire’s Siècle de Louis IV for a model) ولا في سرد ظهور واضمحلال الهياكل السياسية الرائعة القديمة (كما ، على سبيل المثال، فى اعتبارات مونتسكيوعن العظمة وتراجع الرومان) . بدلا من ذلك، هو "نموذج من تفكير المشاهدين "، وهو الموقف الذي يكشف عن نفسه" علنا في لعبة الثورات الكبرى "والذي يشير إلى" العالمية على الرغم من التعاطف المنزه عن الغرض مع اللاعبين على أحد الجانبين ضد أولئك من هم على الجانب الآخر، حتى لو كانت خطورة هذا التحيز يمكن أن تصبح غير ملائمة للغاية بالنسبة لهم إذا اكتشف التعاطف ". و يؤكد كانط على أن هذا النمط من التفكير، يتمثل في "التمنى بمشاركة المتفرجين الذين يقفون على الحدود مع الحماس بشكل وثيق ، والتعبير الحقيقة المحفوف بالمخاطر. وقال بأن "عالميته، توضح سمة من سمات الجنس البشري بشكل عام . وإنه يثبت عدم تحيز الطابع الأخلاقي للنزعة الإنسانية.

ومن ثم يحدد كانط العلامة على التقدم الأخلاقي في الحماس، وموقف أولئك الذين يأخذون جانب صالح القضية الإنسانية جمعاء، والذين رفعوا نفسهم فوق مصالح معينة حتى على حساب التضحية بحياتهم . ومن المثيرللاهتمام أن نلاحظ كيف يجد ماركس الشاب أيضا علامات التحرر السياسي في "الحماس" الذي تولده قضية مجموعة واحدة من الناس الذين يأخذون على عاتقهم تمثيل المجتمع بأسره ."ما أساس الثورة السياسية؟" يسأل ماركس؟ ويجيب بأن "قسم من المجتمع المدني يحرر نفسه ويحقق الهيمنة العالمية ". ومع ذلك يصر ماركس، على أنه لا يوجد عامل يمكن أن يلعب هذا الدور "ما لم يثير في نفسه وفي الجماهير لحظة من الحماس "، حيث"يتم التآخى والدمج مع المجتمع بشكل عام "، و ينظر إليه ويتم االعتراف به على أنه ممثل عام لهم ". ويواصل ماركس ، في هذه اللحظة من الحماس، تكون المطالبات وحقوق هذا العامل "هي حقا مطالب وحقوق المجتمع نفسه" والإجراءات التي تنتج هي اجاءات "اجتماعية رئيسية ومحورية .

يمكن للمرء أن يعترض على هذه النقطة أن هناك فرقا حاسما بين
كانط وماركس . في حين الأساس الأخير للتقدم في العلاقة الجوهرية بين الثورة والحماس قد ولدت من قبل أولئك الذين يشاركون فيها ،اوكان لأول مهتما فقط بموقف المشاهدين . وقد جادل البعض ، في حالة كانط ، بأنه تتضح إمكانية التقدم من خلال التأكيد على دور الحماس الناتج عن استقبال الثورة الفرنسية، إلا أن طبيعة الحدث نفسه وموقف الأنصار قد يكون غير مثير لكانط .

وهناك عدد من الاستجابات المتاحة لهذا الاعتراض . أولا، نحن يجب التأكيد على أنه باعتبار سبيل الأدلة التجريبية، فإن حجة كانط تعد خاطئة. وإن الثورة الفرنسية لم تولد الحماس غير المثير للجدل على جانب من الجمهور غير المنقسم . وقد كان "إدموند بيركفى موقف المتفرج م تعاطف مختلف نوعا ما بالأحرى . إذا كان كانط غير مبال لهذاالحدث، على ارض الواقع ما كان له أن يختار كحجة على موقف أولئك الذين أيدوا قضية الثوار بدلا من أولئك الذين عارضوا ذلك؟ لماذا يذكر الثورة بدلا من الثورة المضادة باعتبارها ذات صلة بالقوة الدافعة (المحركة )؟ .

ثانيا، وهذا لا يعني توضيح أن الحماس هو الشعور الذي يميزفقط المتفرجين وليس الفاعلين المشاركين في أحداث الفرنسية . كما كانط يضعه في الفقرة حاسمة بالقسم السادس من تنافس الكليات:

يتحرك الحماس الحقيقي دائما فقط تجاه كل ما هو حق، وأنه لا يمكن أن يكون أساسه المصلحة الذاتية . لن ترفع المكافآت المالية خصوم الثوار إلى الحماس وعظمة الروح الذي أنتجه المفهوم النقي للحق فيهم . وحتى مفهوم الشرف بين النبل العسكرى القديم (المتشابه مع الحماس) اختفى قبل أسلحة أولئك الذين حافظوا على وجهة نظر حق الأمة التي كانوا ينتمون إليها والتي يعتبرون أنفسهم حماتها .

ومن الواضح أن الحماس هو موقف مشترك ليس فقط من قبل الجمهور المنزه عن الغرض فى مساعدة على إنجازات الثورة ؛ بل أنه يحرك الثوار أنفسهم أيضا . انه شعور متصل بكرامة الفعل في السعي لتحقيق القضية التي تحسن مصالح البشرية جمعاء، والقوة المحفزة قد كشفت في عملية السعى إلى تعزيز مثل هذه الغايات العالمية . و"علامة" التقدم الأخلاقي لذلك تبدو واضحة في الشعورالناجم عن التصرف لفعل الواجب ضد المصلحة الذاتية ، والتمثيل المعقول لقوة الأفكار الأخلاقية التي ترفع وتشرف أولئك الذين يشاركون في مثل هذه المناسبات.

وبالمثل، على الرغم من لهجة أكثر عاطفي كثيرا، قارن ماركس
الموقف المنزه عن الغرض البطولي للمدافعين عن كومونة باريس ( " أبطال التضحية بالنفس للمجتمع الجديد والأفضل ") مع تصرفات المفسدين والمشهرين أوصياء البرجوازية فى النظام القديم . وكثيرا مايذكر الحماس، والعرض البطولي والتضحية بالنفس من قبل عمال باريس باعتبارها خاصية لنضالهم وهو في حد ذاته "أساس المؤسسات السياسية ديمقراطية حقا "و" الشكل السياسي الموسع بشكل شامل . يكتب "ماركسط : شعب باريس، "يموت بحماس من أجل الكومونة في أرقام لا مثيل لها في أي معركة عرفت في التاريخ " وتقدم. النساء " بفرح حياتها عند المتاريس وفى أماكن الإعدام ". وهدوء الكومونة خلال فترة وجودها القصيرة "يعد معادلا فقط لبطولة الدفاع عنها . وهنا أيضا، تجد قوة المثل الأعلى تعبيرا ملموسا في تصرفات الثوار، الذين وضعوا جودهم وراء المصالح الجماعية للإنسانية، وهكذا قدموا قضيتهم الأخلاقية .

هذا لا ينفي، بالطبع، أن هناك عدم تناسق هام في انعكاسات كانط وماركس فيما يتعلق بتقييم الشعور الذى يؤثر فى الفاعلين أو المتفرجين وهذا يظهر قوة الأفكار الأخلاقية في الظروف السياسية المتغيرة . من الواضح أن حماسة المشاهدين ذات همية أكبر في عمل كانط منه في لدى ماركس، الذي يركز منظورة أكثر من ذلك بكثير على الفاعلين . في الواقع، بالنسبة لماركس مقولات المحايدة، والملاحظ ، المتفرج لا معنى لها نظرا لطبيعة تحليله للدولة الليبرالية الحديثة، وتوزيع الأدوار الاجتماعية التي نجد فيها ما يلي: جميع المتفرجين يعتبروا ناشطين فى الوقت نفسه، استثمروا على قدم المساواة في النضال من نظرائهم في سياقات سياسية مختلفة، والتعلم من أخطائهم وأخذ الإلهام من أنشطتهم . في حالة كانط، نجد أن التمييز أكثر وضوحا عن الأسباب التي تعد على حد سواء تاريخية ومفاهيمية . ويمكن رؤية مشاهد كانط عضوا من المتعلمين وسياسيا فى النخبة التقدمية التي، في الا ستعمال العام للعقل، يدعو إلى الإصلاحات التشريعية التي تهدف إلى تحسين نظام التمثيل في الدول القومية المختلفة . لأن عامل التقدم مفهوم هنا على نحو قومى بدلا من فهمه على أساس طبقي، المنظور الأوسع (الذي يشمل كلا من الناشطين والجمهور الملاحظ) مطلوب لتوضيح أهمية وجود الحدث السياسي لأولئك الذين هم بعيدين جغرافيا وربما لم يتأثروا على الفور بالحدث . في حالة ماركس، لم تعد الحدود الجغرافية ذات صلة بشكل معياري ،وآلية التغيير التدريجي ليست بشكل إقليمي مرتبطة بالإصلاح التشريعي ولكن المحاولة الجماعية لمعالجة الصراعات التي أتجاوز حدود الدولة على الرغم من سماح مؤسسات الدولة لها بالعمل . ومع ذلك، على حد سواء بالنسبة ل كانط وماركس، لا يزال الحماس شعورا هاما فريدا ، مما يدل على قوة الأفكار الأخلاقية وقدرتها على تحفيزالعمل السياسي والتي تبين أن البشر قادرين على التغيير التقدى التاريخى . ولكن كيف يمكن للشعور بالحماس أن يساهم بالتحديد فى توفير دليل واضح على تطور الإنسانية عبر التاريخ ، في هذا السبيل يشير كانط مرارا وتكرارا؟ ما هي طبيعة العلاقة بين الثورة كسبب للتقدم الأخلاقي والحماس، باعتباره مؤثرا؟ وكيف طان تصور ماركس عنتحليل إدامة التغيير السياسي الذى يعد مشابها لتحليل كانط؟

أسباب الحماس: الثورة والتحررالسياسي

للإجابة على السؤال في نهاية الجزء السابق، تعين علينا أن نلجأ إلى تلك الأجزاء من صراع الكليات حيث يوضح كانط كيفأن المسائل الحماسية مسائل كمؤثرة على قضية أخلاقية، القضية التى يروج لها هؤلاء الثوار والمتعاطفون الذين يتعاطفون مع مبادئ الحق . وقد كشفت أحداث الثورة الفرنسية الميل للتحسين، بحيث يمكن أن تكون قد وعدت فقط من خلال "الطبيعة والحرية وحدهما، متحدين في الجنس البشري بما يتفق مع مبادئ الحق الباطنية ". وبالفعل، يقول كانط، "تتحرك الحماسة الحقيقية دائما تجاه كل ما يعد مثلا أعلى فحسبوفي الواقع، إلى ما هو محض أخلاقي، مثل مفهوم الحق، وأنها لاتستطيع أن تلتحم بالمصلحة الذاتية .

نلاحظ هنا، كما هو الحال في كتابات ماركس، يرتبط الحماس بهذا النمط من التفكير فيما يتعلق بأفعال مجموعة معينة من المواطنين القادرين على تجاوز المصالح الذاتية، مع تحديد المثال العالمي والتحدث باسم الإنسانية جمعاء . كما رأينا سابقا، بالنسبة لماركس فقط الطبقة القادرة على أن تسمو بنفسها فوق الصراعات القائمة من أجل وضع حد لجميع الصراعات والدفاع عن الحقوق العامة للمجتمع بمكن أن تدعي القدرة على إخضاع جميع الآخرين . أساس عملها التحرري سياسيا يتألف في "صياغة الطبقة مع السلاسل المتطرفة"، "فى مجالها ذى الطابع العالمي من خلال معاناتها العالمية "، وهي الطبقة التي" لا تدعي ا معينا لأنه لا وجودأي لخطأ معين، ولكن الخطأ عموما، مترسخ مضدها ، حيث لا يمكن التذرع بما هوتاريخي ، ولكن بالحق الشرعى للإنسان فحسب .

هنا أيضا يعد المحرك للتقدم التاريخي هو العامل الذي يحدد الأهداف مع أهداف الإنسانية جمعاء، ويكون قادرا على تعزيز التحررالسياسي من خلال مشروع التحرر الأخلاقي . وبطبيعة الحال، ونحن بالفعل أكدنا أعلاه، على أن كانط لا يركز على إجراءات وكلاء معينين يتميزون بانتمائهم إلى طبقات مختلفة ولكن على أفعال الأفراد كما يتمثلون فى أمم ودول . ومع ذلك، فإنه يشارك حاليا مع ماركس فى الاعتقاد بأننا يجب أن لا نحاول تفسير علامات التقدم التاريخي من خلال التركيز على أفعال ودوافع الأفراد ، كما يؤكد،على أن هذا من شأنهاأن يسفر عن "سرد وحساب لا نهاية له . ما ينبغي أن نسعى لفهمه بدلا من ذلك هو دور الوكلاء الجماعيين والمؤسسات فيما يتعلق خاصة بالأوضاع التاريخية والصراعات التى تعمل على التوسط .

ومن الجدير بالذكر أن أساس حجة كانط تجريبيا ، كما هو الحال في حالة ماركس . تقسيم الناس في الأمم والدول، كما يقول، له صلة وينبغي أن يؤخذ على أنه مواجهة لذلك على الأرض . ونظرا لطبيعة وتطور المؤسسات السياسية بشكل خاص ، فمن المنطقي التركيز على الوكلاء الشاركين في هذه التطورات، وعلى آثارأفعالهم على أولئك الذين يعانون منها . يقدم ماركس حجة مماثلة في وقت لاحق، ولكنه يعطى تفسيرا تاريخيا مختلفا لمصادرالصراع، وتحديد ذلك ليس في الدول التي تحارب بعضها البعض ولكن في صدامات الطبقات المختلفة، محددا ذلك من خلال تحولات الموقف وجها لوجه في ظروف الحياة المادية .

يصر كانط أيضا على أهمية الظروف المادية للتطورات التاريخيةالجماعية المحددة . تظهر بعض أوجه الشبه الأكثر لفتا مع ماركس إذا سألنا لماذا الوحدات التى اتخذها لتكون ذات صلة لتوضيح التقدم التاريخي والتوسط والتحديد مؤسسيا بالأمم والدول وليس الأفراد . ترتبط الحجة بفهم كانط الغائي لدور الثقافة، وعلى وجه الخصوص ما يسميه "ثقافة المهارة،" التى تلعب دورا في تهيئة الظروف التي من خلالها يتم تحويل الطبيعة تدريجيا وفقا لللغايات البشرية .

تقسيم العمل وتطوير اللامساواة يعد أساسيا لفهم هذه النقطة .يوضح كانط أن المهارة ، لا يمكن وضعها في الجنس البشرى إلا عن طريق عدم المساواة وتقسيم العمل، "عندما توفر الغالبية العظمى ضروريات الحياة. . . للراحة والترفيه للآخرين الذين يعملون في عناصر أقل أهمية للثقافة والعلوم والفنون . عملية الاشباع الفوري للاحتياجات، والتكائر ،تؤدي إلى تحويل العالم الاجتماعي، وزيادة الصراعات بين البشر . يؤدى التوتر بين أولئك الذين يعملون والذين يستغلون منتجات عملهم إلى مزيد من العنف الخارجي وزيادة السخط الداخلي . لكن هذا التطور هو على وجه التحديد ما يمهد الطريق لخلق الحالة المدنية حيث العلاقات بين البشر بعضهم البعض تتموضع فى قوانين مشتركة واجبة النفاذ قسرا .

تنهض ثقافة المهارة على أساس موقف فعال لتعزيزالأهداف الفردية وتميل إلى ذروتها في تحقيق الشرط الشكلى الذي من خلاله يستطيع الإنسان حل الخلافات المتبادلة المؤثرة فى الحالات الأخرى . وتشكل المؤسسات السياسية عاملا حاسما في هذا الصدد لأنها تعمل على إخضاع احتياجات ومصالح البشر في أنماط عامة للتعاون الإنساني . لكن هذا يكون فحسب عندما تتخذ هذه المؤسسات السياسية اتجاها أكثر وعيا، من خلال محاولات الإنسان لجعل القوانين التي تضمن حرية الجميع متوافقة مع تلك التى للآخرين ، ويمكن للمرء أن يأمل لوضع حد لجميع الأعمال العدائية. بوضع هذا في الاعتبار، فإنه من السهل أن نرى كيف، أن الثورة الفرنسية والمتعاطفين معهم ساهموا في تأسيس نظام جمهوري بحيث يكون مبدأ التعايش السلمي في شأن الحرية المتبادلة يصبح جزءا من نظام عام من القوانين، التى تساهم في زيادة تعزيز ثقافة المهارة .

وقد تم توضيح هذه النقطة أيضا في حاشية للقسم 65 من النقد الثالث حيث يستحضر كانط على وجه التحديد الفرنسيون للتعبير عن وجود تشابه بين تطابق الغايات، التى نحن نعزوها للكائنات الطبيعية والتي عرضت من خلال حدث تاريخي فى الآونة الأخيرة بشأن "تحول الشعب بالكامل إلى دولة . وفي هذا الشكل العضوي للتعاون، يسهم كل عضو فى تطوير الكل بينما مكانها في النظام حدد نفسه بواسطة فكرة الكل . تصرفات الثوار، موجهة نحو وضع حد للصراعات بسبب عدم المساواة بين البشر، والمساهمة في إقامة النظام المدني حيث تدخل المبادئ الأخلاقية فى المجال السياسي، والسماح للبشر إلى إعادة التشكيل الهادف لمسار التاريخ . وتعد حماسهم علامة على تطور الميول الأخلاقية التي قد تم اعتبارها يوتوبية فى الماضى تعد إمكانية عملية ملموسة .
على الرغم من بعض الاختلافات الهامة، فإن لدى ماركس تصورا مماثلا عن التطور التاريخي، ويصر أيضا على أهمية العمل وخلق وعي بمنتجات الإنسان للفهم الذاتى للبشر باعتباره كائنات نوعية . إنه في تحويلها للعالم ينظر الى نشاط البشر بداية باعتباره " حياة الأنواع "وتظهر الطبيعة على أنها بمثابة عمل وواقع . ووسيلة فهم التقدم في التاريخ هى عبارة عن إزالة الغمنوض عن الطبيعة والدين، عن طريق السؤال ليس عما قد فعلته الطبيعة لبني البشر ولكن ما فعله البشر بالطبيعة . هذا فقط عندما يصبح الناس سادة العمليات الطبيعية التي كانوا يجدون أنفسها جزءا لا يتجزأ منها وأن يروا أنفسهم كعوامل للتقدم . ويقول ماركس، بأن الوعى يعتبر "من البداية نتاجا اجتماعيا" ولكن فإنه يمكن فهمه فحسب على هذا النحو طالما عملية اتزويد بالاحتياجات قد وصلت إلى درجة من التطور الذي يعني أن "الوعي هو الآن في موقف تحرير نفسه من العالم، والمضي قدما في تشكيل نظرية نقية" ، للاهوت والفلسفة والأخلاق، وما إلى ذلك .

تعد العملية التي تحفز هذا الفهم الذاتي للبشرية عملية تطورية وتمر عبر عدة مراحل . وتصريحات ماركس حول هذه النقطة مماثلة لتلك التي لدى كانط . في البداية، لم يختلف البشر كثيرا عن الحيوانات والعمل لمجرد إشباع حاجاتهم الأساسية . من هناك تابعوا مرحلة الدافع فعال ، مع تكاثر الحاجات و تنويع الأدوار الاجتماعية أدى إلى أشكال أكثر تعقيدا من التفاعل الاجتماعي الذي قام بدوره في أساس ظهور الفوارق الاجتماعية . وهذا الأخير هو المسؤول عن تقسيم المجتمع إلي الطبقات الاجتماعية، وما يعمل من أجل التمتع والاستفادة من الآخرين . ويحفز هذا بدوره الصراع الاجتماعي ومحاولة معالجة هذا النزاع من خلال خلق المؤسسات السياسية القادرة على احتوائه والتغلب عليه . تتحقق عند كل من كانط وماركس، درجة من المهارات والمعرفة والقدرة على التنسيق من خلال جيل واحد ومن ثم يتم نقله إلى الجيل التالي ، في المسار الأخلاقى والسياسي،والتطور الاجتماعي الملموس الذي من خلاله تتطور التصرفات الطبيعية للبشرية باستمرار. وأكد ماركس على أن القوى المنتجة، هي نتيجة "للطاقة البشرية العملية" ولكن هذه الطاقة هو في حد ذاتها مشروطة بإنجازات الأجيال السابقة . وبسبب هذه "الحقيقة البسيطة" فإن"كل جيل لاحق يجد نفسه ممتلكا القوى الإنتاجية التي اكتسبها الجيل السابق وهذا " تماسك ينشأ في التاريخ الإنسانى . أما كانط فيؤكد أيضا،على أن العقل لا يعمل بشكل غريزي، ولكن بالأحرى يحتاج إلى المحاولات والممارسات والإرشاد من أجل المضى تدريجيا إلى التقدم من مرحلة من التبصرالى مرحلة أخرى . وهذا الاعتبار يعكس التاريخ كعملية تعلم من خلالها توفر قدرات الإنسان تدريجيا بدقة الأساس لتحليل التحول الاجتماعي لاستجابة المؤسسات الاجتماعية والسياسية بطرق مميزة لتطويرالحاجات البشرية .

ومع ذلك ، فإنه عند كل من كانط وماركس، يعد وجودالصراع الاجتماعي في تطوير عمليات التعلم التاريخية أمر احاسما لتمهيد الطريق إلى أشكال أكثر تقدمية من التفاعل الاجتماعي : كلاهما ذكر، على سبيل المثال، دور التجارة والتبادل التجاري في تشجيع التواصل الاجتماعى بين البشر. يرى كانط أن نمو التجارة، وبالتالي الترابط المتزايدة بين الأمم، يجعل الحرب تهديدا للمصالح التجارية للدول التي لم تشارك بنفسها في الحرب. هذا يتطلب التدخل البشري القادر على تصميم المؤسسات السياسية القادرة على الحفاظ على السلام، وهنا يكون دفاعه عن الثورة الفرنسية والتى قامت بمحاولة لتشكيل حكومة جمهورية أمرا ذا أهمية. بالنسبة لماركس، فإن الخصوم ليسوا الدول ولكن الطبقات، و تتحقق الغاية عن طريق الطبقة الثورية وليس عن طريق الدول الجمهورية. ومع ذلك فإن الصراع بين المصالح الخاصة، وتطوير المهارات البشرية في الاستجابة لذلك، والموارد السياسية الناتجة عن هذه العملية كلها عناصر مشتركة تلعب وظيفة حاسمة في توضيح جدوى الضرورات الأخلاقية .

بالنسبة لكانط، والثورة الفرنسية تكشف عن إمكانية البشرتحويل تدريجيا طبيعة والإطاحة بالقيود ، وذلك لإحراز تقدم في التاريخ . تدخلهم هو بالطبع مشروط: أنه يتطلب فعلا دائما في مثل هذه الطريقة حتى يستمر هذا التقدم فى الحدوث . لا يعتمد التقدم على مراقبة سلبية الاضطرابات السياسية التي يعاني منها البشر المنقسمين إلى الأمم والدول، إنه يتطلب العمل وفقا للمبادئ التي تساعد على تسريع مساره . يسأل كانط ؛ ولكن كيف يمكننا أن نعرف ما إذا كانت الإنسانية في تقدم مستمر نحو الأفضل؟ تعد الإجابة ممكنة فحسب إذا كان بوسعنا أن نتوقع تطورها في هذا السبيل بشكل مسبق . ويؤكد على أنه مع ذلك فإن التاريخ المسبق ، يكون ممكنا فقط إذا قدم القائد الملهم وأبدع الأحداث التي تعلن عن التقدم .

يقدم ماركس نقطة مشابهة عندما ينتقد مبدأ التحول التدريجي في فلسفة الحق عند هيجل . فيقول : يمكننا التنبؤ كيف سيتم الحدث ، كما يقول، من خلال إعادته بوعي فقط تفريبا . "مقولة الانتقال التدريجي، "تعتبر أولا وقبل كل شىء كاذبة من الناحية التاريخية، وثانيا، هى لا تفسر أى شيء ". وبالنسبة لتغيير الدستورر، ولكى يقوم البشر بوعي بما على خلاف ما يضطرون إلى فعله دون وعي منخلال طبيعة الشيء "، فمن الضروري أن حركة الدستور، وذلك التقدم ، أن تصوغ مبادىء الدستور ". ومن الضروري أيضا بعد ذلك أنيكون "حجر الزاوية الحقيقي للدستور، والشعب، صياغة مبادىء الدستور" .

وباختصار، بالنسبة لكل من كانط وماركس يفتح تدمير غائية الطبيعة وغموض الدين آفاقا جديدة للعمل السياسي التحررى . تعتبرالثورة دفاعية باعتبارها حدثا سياسيا يساهم فى عملية التحرر السياسي بالأساس المادي لذلك . ما قدمه الفرنسى الثوري لكانط هو إمكانية وضع حد للنظام الاجتماعي القائم على أساس الصراع والحرب، وإمكانية إنشاء الشروط التنظيمية التي فى إطارها تنتهى ذات يوم كل الصراعات .يعزز الثوار ثقافة المهارة من خلال العمل بشكل هادف لتحقيق الأحداث التي تساهم في تنسيق القيود الطبيعية والضرورات الأخلاقية . هذا يتردد صداه مع ما سيصبح تركيز ماركس عليه كقوة تحررية لطبقة اجتماعية معينة عندما ترتفع فوق المصالح الخاصة ، وتعزز قضية عالمية . في كلتا الحالتين، يكون البشرابشكل اساسى يركزون فى النظام الغائي التاملى على الغايات الأخلاقية للبشرية جمعاء . في كلتا الحالتين ما يؤمن العمل الثوري هو التوسيع لحدود جدوى، والتأثير بقوة على معاصريهم ، وخريطة المفاهيم السياسية والبدائل المؤسسية التي لم تكن متوقعة سابقا.

وجهة نظر الجمهور: الثورة والتربية الأخلاقية

وبعد التأكيد على أهمية الثورة من وجهة نظرالعناصر الفاعلة في التقدم التاريخي، نتحول الآن إلى الجانب الثاني المذكورفي مقال كانط، وهو تأثيره على المشاهدين . لقد وجد كانط ،كما رأينا سابقا ، علامة على التقدم الأخلاقي للبشرية في الحماس الذي يميز الموقف جمهور محايد لأحداث الثورة الفرنسية . هذا العنصريتوافق مع البعد الثاني الذى أدخله كانط في
النقد الثالث لتوضيح كيفية إعداد الجنس البشري تدريجيا لتطوير التصرفات الأخلاقية : ثقافة الانضباط .

في الواقع، إذا كانت ثقافة المهارة تعرف العملية التي من خلالها تتعلم البشرية أن تقدم لسلطة المؤسسات السياسية الجماعية، ثقافة الانضباط التى تضمن أن الغرائز الحيوانية والمواقف غير الأخلاقية منقحة في عملية مستمرة من التربية الجمالية . كما رأى كانط أن ، المنتجات الإبداعية للعمل الإنساني مثل الفنون والعلوم تسهم فى صقل المجتمع؛ فهى تجعل البشر أكثر تحضرا، ليفوزوا على طغيان الميول وحشية، وإعدادهم "للسيادة ، وحيث يكون العقل وحده صاحب السلطة . وهذا لا يتباين كثيرا عن ما رآه ماركس في وقت لاحق وسيدعوه الجوانب الأيديولوجية للمجتمع، حيث الصراعات بين البشر تنطوي على الأشكال"القانونية والسياسية والدينية والفنية أو الفلسفية -باختصار، الاشكال الأيديولوجية، الأشكال حيث يصبح البشر واعين بهذاالصراع ومحاربته ".

ميز كانط الحماس، وطريقة التفكير الفردي باعتبارهما وثيقى الصلة بفهم آثار الثورة الفرنسية على التحرر الأخلاقي، ويسهمان فى عملية تعليمية مماثلة . كما راى كانط في النقد الثالث ، أن الحماس هو علامة على حالة جليلة للعقل . يتم تعريف الشعور بأنه "فكرة جيدة ذات تاثير، وهى الشرط الذي بدونه"لا يمكن تحقيق شىء عظيم . وتجدر الإشارة إلى أن الشعور بالجليل الذى خبره المراقبون جنبا إلى جنب مع ومن خلال حماسهم قد نال اتماما مكثفا في عمل كانط ، فى الملاحظات المبكرة عن الشعور بالجميل والجليل فى تحليله في نقد ملكة الحكم : ويعد استخدام هذا المصطلح في سياق الثورة الفرنسية ذا مغزى إلى حد كبير. ويعتبر الجليل مميزا عن المشاعر الأخلاقية الأخرى، مثل احترامالقانون الأخلاقى . ويوضح "والاستعداد للشعور بالأفكار العملية ، أي بالشعور بما يعد أخلاقيا . ويتصل بنوع من المتعة الجمالية المميزة التي تظهر "من خلال الشعور التثبيط اللحظى من القوى الحيوية وما يتبعها مباشرة وجميع القوىالمتدفقة منها . وكان كانط بطبيعة الحال، نقديا قليل لهذا المفهوم، للحماس فوق كل شىء تاثيرا اعلى هذا النحو يجب أن ينتقد لعدم النقاء . ولكن يعد الحماس "جلييلا جماليا لأنه يمد سلطاته من خلال الأفكار، والتي يعطي العقل الزخم الذي يعمل بقوة وبإصرار أكثرمن تلك المقدمة من التمثيلات الحسية.

ومن ثم فإن الحماس جدير بالثناء والإطراء المحفز على التفكير بقدر ما العوامل المؤثرة الحل لمتابعة ما يمليه العقل . وهو يمثل قوة الأفكار الأخلاقية من منظور رمزي. في النقد الثالث يعطي كانط أمثلة مختلفة عن الأفكار لحالة مشابهة يمكن أن ترتبط : بأفكار الدين، والتنوير، أو الثقافة باعتبارها مشجعة وجه الخصوص للمصالح الاجتماعية. ونجد التصريحات في تنافس الكليات منسجما بشكل واضح مع هذه الأمثلة. طريقة التفكير التي أثارتها أحداث الثورة الفرنسية تقدم التمثيل المعقول للمثل الأعلى الأخلاقي الذي ينطوي على جهود للجنس البشري كله . يرتكزالجليل كما أوضحه كانط في النقد الثالث ، على الحرية ولكن لا يزال يتطلب التحفيزمن أجل أن ينظر إليه على أنها سام ؛ في الواقع يصر كانط أنه من دون إعداد ما نسميه جليلا بالثقافة ، سوف يكونعلى ما يبدو مجرد رافض للشخص غير المهذب . وهذا الشعور بالحماس من خلال الجليل شهدت آثاره على جمهور الثورة الفرنسية وبالتالي هو شهادة على درجة التنوير التي تم توصل الجمهور المنزه عن اغرض إليها المراقب لهذا الحدث بعد تكشفه عن قوة أفكاره للحصول على التعبير العقلانى . يساهم الحماس في عملية التربية لكل أولئك الذين يشاركون بصفة مراقب في الأحداث الثورية. أنه يعزز تنمية ثقافة الانضباط وبشكل غير مباشر تقدم التحرير الأخلاقي لللإنسانية .

ولكن طبيعة العملية من هذا النوع لا يمكن أن تكتمل خلال العمر الافتراضي للأفراد . تعتبر آثار الحماس على جمهورالثورة الفرنسية من النوع الذي سيبقى حتى لو كانت الأحداث نفسها قد اتخاذ مسارا مختلفا، أو إذا فشلت الجهود الثورية . يقول كانط : بالنسبة لهذه الأحداث ،من المهم جدا، تشابكها مع الكثيرمن المصالح الإنسانية، ونفوذها المنشور على نطاق واسع جدا في جميع مناطق العالم لا يجدر التذكير به في أي مناسبة إيجابية من قبل الأمم التي عندئذ تلهب الحماس إلى تكرار جهود جديدة من هذاالنوع . يتطور التاريخ البشري من خلال المحاولات المتكررة لتحقيق مبادئ الحق . محاولة الذاكرة الجماعية للأحداث التحررية في الماضي موروثة من قبل الأجيال القادمة، ويسمح لهذه الأجيال أن تكون جزءا من عملية التعلم التي يتم من خلالهايتم تشجيع التصرفات الأخلاقية. ومن خلال هذه العملية المتكرة للمحاولة والفشل ، فإن "الدستور المقصود، في وقت معين، يجب تحقيقه أخيرا لأن استقرار التعليمات من خلال التجربة المتكررة يكفي لوضعه في أذهان الجميع .

كما يناقش ماركس الآثار التربوية للثورة على الذاكرة الجماعية لأولئك الذين يضعون اهتمامهم بقضية العادلة بالنسبة للبشرية. في الكتابات عن كومونة باريس، احتفل الناس الذين يعملون بباريس"على أنهم إنذار مجيد بمجتمع جديد،" مع أبطالها المحسدين لقلب كبير للطبقة العاملة . تساهم هذه التجربة التربوية في تحقيق مثالية تستوجب جهودا التاريخية مستمرة . كما قال ماركس، " لم تتوقع الطبقة العاملة المعجزات من الكومونة . هم ليسوا يوتوبيين مستعدين لإدخال المساواة "بقرار من الشعب par décret du peuple ". وهم يعرفون أنه من أجل العمل على تحريرهم الخاص، بالإضافة إلى النموذج ا الاسمى للمجتمع الحالي الذى يتجهون إليه بشكل لا يقاوم. . . سيكون عليهم المرورمن خلال نضالات طويلة، من خلال سلسلة من العمليات التاريخية ، وتحويل للظروف والبشر.

تؤكد فقرات الافتتاحية لكتيب ماركس الثامن عشر من برومير عن لويس بونابرت، أيضا كيف أن التجربة التاريخية للثورات السابقة تطلع المحاولات الجارية فى التحرر السياسي . لقد جعلت الكائنات البشرية تاريخها لا يتم اختراعه كل مرة من جديد ولكن "في ظل الظروف التى واجهها مباشرة، والمعطاة، تنتقل من الماضي . يكتب ماركس فى النثر المميز : "تقليد كل الأجيال الميتة" "يزن مثل كابوس على الدماغ من المعيشة." وعلى وجه الخصوص في زمن الأزمة الثورية، في حين أن العالم القديم كان يناضل ولكنه لم يؤسس بعد ثورة جديدة لنفسها، استحضرالبشر بفارغ الصبر حتى أرواح الماضي لخدمتهم واقتراضوا منهم أسماءهم ، و صرخات المعركة ، والأزياء من أجل تقديم مشهد جديد من تاريخ العالم في هذا التمويه العريق وهذه اللغة المقترضة . تعد الأمثلة التاريخية لهذه عند ماركس وفيرة : لوثر تقليد الرسول بولس، وثورات 1789 و1814 أخذت الإلهام من الجمهورية الرومانية، وثورة 1848محاكاة إما لثورة 1789 أو التقاليد الثورية من 1793-1795، و"أوليفر كرومويل Oliver Cromwel"( 1599- 1658 ) اقتراض الخطب والمشاعر من العهد القديم . في كل هذه الحالات، يصر ماركس على أن حتى المجتمع البرجوازي غير البطولى بحاجة إإلى المثل العليا، والأشكال الفنية، وتقاليد الماضي من اجل الحفاظ على "الحماس فى مستوى عال من التراجيديا التاريخية الكبيرة . هذا النظر المستمر إلى الوراء ، وإلى ما تم إنجازه سابقا ، و "صحوة الموت" هذه ، تخدم أغراض الحاضر، والهدف من ذلك هو أن م "نمجد نضالات جديدة، وليس السخرية من القديم، ولتعظيم مهمة معينة في الخيال، وليس الهرب من حلها في الواقع . العثور مرة أخرى على روح الثورة،لا لجعل شبحها يمضى .

هذا لا يعني أن كل الثورات هي نفسها . ويلاحظ ماركس أنه بينما الثورات البرجوازية، يبدو متقدم ةمن نجاح إلى نجاح وتقوم بالحفاظ على ذكرى انتصارها، إلا انها لم تدم طويلا. من جهة أخرى، فإن البروليتارية "تنتقد نفسها باستمرار، وتعارض نفسها باستمرار في مسارها الخاص، وتعود إلى ما يبدو إنجازا من أجل البدء في ذلك من جديد ، ويسخرون بلا رحمة من شمول أوجه القصور،نقاط الضعف، وتفاهة أول محاولاتها "وهذا" حتى يتم إنشاء الوضع الذي يجعل كل عودة الى الوراء مستحيلة . هذاعملية انعكاسية ضرورية لاستلهام المحاولات الثورية الماضية ، للتعلم من أخطائها، لانعاش في خيال المعاصرين آثارا أخلاقية معينة للتحولات التاريخية ولتوجيهها في تشكيل التصرفات والقوى غير المتوفرة حاليا.

يصركانط وماركس على ارتباط خبرة الثورة للذاكرة الجماعية لأولئك الذينيمساعدون في ظهورها . حجتهم في التقدم على حد سواء موجهة نحو المستقبل وموجهة نحو الماضي . نحن ننظر إلى الوراء إلى التجارب السابقة والعثور على أدلة على قوة الأفكار الأخلاقيةأ في مشاعرالحماس الذي أثارته الأحداث السياسية التحويلية . هذا الشعور مكن بدوره من تحديد كيف نحكم على آفاق التقدم الأخلاقي في المستقبل، والعزم الذي يؤيد العمل السياسي التحررى . تلعب الأحداث الثورية وظيفة تعليمية بالإضافة إلى الوظيفة السياسية التحررية ؛ والمسائل المطروحة على ذاكرتهم بقدرحدوثها الفعلي في نقل الإنسانية أقرب إلى التقدم الأخلاقي . حدوثه ،سواء كان ذلك موجها نحو المستقبل أو نحو الماضي ، ويكشف أن القوة المحركة للبشر نحو التقدم التاريخي ليست من النوع الطبيعي ولكن من النوع الأخلاقي، الانعكاسي التاريخي .

الخلاصة

وعلى الرغم من الاختلافات الهامة بين كانط وماركس فقد أكدت مجموعة من الباحثين بشكل مكثف ، على أن هناك نقاطا هامة من التداخل في تأملاتهما عن الثورة . وقد أفصح هذا المقال عن هذه القواسم المشتركة، ولا يدعي أن كانط كان "بروتو ماركسي proto-Marxist "أو أن ماركس ينبغي أن يعتبر كانطيا ، ولكن لتسليط الضوء على احتمالات الحماس السياسى النذير للتقدم البشري المرسوم أساسا.

لم يؤيد كانط ولا ماركس أي نوع من الثورة . لأن الحدث يساهم في التقدم نحو الأفضل، وغايات الثوار يجب أن تكون موجهة من خلال مصالح البشرية جمعاء .بالنسبة لكل من الفيلسوفين ، فقد نقشت أسباب التغيير السياسي في قراءة مادية للتطور الاجتماعي حيث الصراع وبروز الفوارق تؤدي الى تطويرالمؤسسات السياسية وعمليات التعلم التي تعمل على إعادة تشكيل فهمنا للأحداث الجارية . بالنسبة لكليهما ( كانط وماركس ) ، أبطال التقدم البشري ليسوا الأفراد بل الوكلاء الجماعيين للدور التاريخي المحدد ، المتأثرين بالعملية التي من خلالها تكون طبيعة البشر تابعة لغاياتهم . وتم وضع المزيد من التركيز بطبيعة الحال،عند كانط على شخصية المتفرجين وآثار الحماس فى تصرفاتهم ، وعند ماركس وجهة نظر عن الجهات الفاعلة التى تحتل مكان الصدارة . ولكن كما رأينا، فإن كانط أيضا ليس حياديا تجاه مبادئ تحفيز العناصر الثورية الفاعلة ، ويقدم مارك ايضا بعض المساحة للعب دور تربوى اخلاقى أوسع لهذا الحدث.

درس الفيلسوفان تبرير الثورة من المنظور المعياري وغالبا ما انقسما بين أولئك الذين ينتقدون ذلك على أساس القانونية المؤسسية وأولئك الذين يؤيدون ذلك على أسس تتعلق بالأخلاقية المثالية . يعتقد علماء الأخلاق المثاليين أنه إذا غايات الثورة على حق، فمن ثم لا يمكن أن تكون الثورة خاطئة . يعتقدون القانونيون بأنه إذا كانت وسائل الثورة خطأ، فمن ثم فإن الثورة لا يمكن أن تكون على صواب . وأكد الدفاع عن الثورة في هذه المقالة على التداخل فى هذه الفجوة. ويتم ذلك من خلال التركيز ليس فقط على إجراءات وأهداف الثوار أنفسهم ولكن أيضا على آثارالثورة على أولئك الذين يعانون من حدوثها ، سواء عبر المكان أوعبر الزمان . تحول الثورات من نوع الحق المقولات المعيارية والمفاهيمية المتاحة للجمهور وتزيل قيود الجدوى التى تتعلق بالمبادئ السياسية المطلوبة. عبر المكان ،تسهم فى العملية التحررية السياسية التى توسع أفق الحكم السياسي وتعدل وكلاء الانسان ، وتقييم الاحتمالات المستقبلية . وتلعب عبر الزمان دورا تربويا أخلاقيا في تطوير العملية التربوية التي تستفيد منها الأجيال القادمة في السعي للتغيير المؤسسى الراديكالية . زيادة تطوير هذه الموضوعات يتجاوز نطاق هذا المقال. ولكن أتمنى أن أكون قد أظهرت أن نقاط التداخل بين كانط وماركس توفير نقطة انطلاق صحيحة لاجراء مزيد من التحقيقات .

ترجمة د. رمضان الصباغ

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى