شذى غرايبة - ربيع بمقاس موحّد.. قصة قصيرة

أنا أجهل مصدر الصوت
كان نداءً خفيّاً ، وجدتُني أتبعُه دون أن يكون لي ما يحرّكني سوى ذات الصوت البعيد،
وأنا المشتاق للبَرَد وللمطر وللثلج ولكل ما يمكن أن يُطفئ جذوةٌ مشتعلةٌ تحترق كلّما أقبل الشتاء.
لكن الشتاء هنا لا يلزم سوى لاستكمال التقويم.
وأنا الباحثُ عنه أدورُ في كل الاتجاهات علّي ألقاه في الوجوه أو على واجهات المِحال التي تحتضن ثياباً بتصاميم كلاسيكية أقرب للون التراب والبراعم التي تنتظر الربيع بشغف، وأراها بقسمات طفلة في أولى خطواتها تطل عليّ مرتديةً ثوباً بلون الرمال وتتبعها خصل شعر بلون الشفق ، تطل كالغروب ، فأشفق على لهفتي بغيابها القصير مع كل إغفاءة للسحب المارّة.
هكذا جاء صوتها بأن “أقبل”، فمضيت خارجاً من بيتي ، قاصداً مكان اللقاء الذي لم أزره قبلاً ، الله وحده يعلم كيف وصلت إليه ، لكنّني ترجّلت من سيّارتي قاصداً انتظارها على مدخل “المول”! دون أن أقيم اعتباراً للمداخل العديدة المتباعدة فهي قادمة بلا شك وهذا هو مكان اللقاء.
انتظرتُها ساعة كاملة، ولم يساورني الشك بخطأ المكان أو الزمان، ولم أشكّ أبداً بأنها ستأتي، لكنني أعرف أيضاً أنها جميلة، وأعرف أنها لا تحترم المواعيد ، وأعرف أنَّ عينيها قادرتين على إنهاء حرب محتملة حتى ولو كانت بحجم البسوس! وأضع لها عذر القاطن الجديد فقد أضاعتها تشعّبات المدينة وزحمة السير فيها.
وأقبل الفجر بعد ساعة و ثمانية وعشرين دقيقة، وفي عينيها كل تناقضات المطر، وعرفتها على الفور، فقد التقيتُها مراراً وخَبِرتُ طول خصل شعرها وتدرّجات البنّي في عينيها، ولون ثوبها الرمليّ وعقدها الورديّ.
أقبلتْ ولم تتقدّم نحوي بل نظرت إليّ كتائه، ومضت فتبعتها كالمجنون ، صَعدتْ الطوابق ولحقتُها ، وتسوّقتْ فارتدتُ مواضع تسوّقها ، واشترتْ ثياباً كلاسيكية بلون الغيوم الغاضبة وجرّبتها ودارت بها ودارت بي أجرام سماوية ، وبرغم يقيني بأنها هي ، لم أتقدّم نحوها وخشيت أن لا تعرفني وأنا الذي أحفظ ألوان ثيابها، وعدد الأزرار في كلٍّ منها ، وسمك اللون الأخضر الذي ترسمه تحت جفنيها ، وعدت أنتظرها على مدخل المول استجابة لذات الصوت ، ثم بعد قليل، ظهرت بذات الغربة وغادرت حاملة معها الثوب ذي اللون الغاضب، واكتفيتُ بقراءة أحرف لاتينية تشير إلى مكان موعدها القادم.

* قاصة من الجيل الجديد في الأردن

تعليقات

أعلى